صحيفة: العراق يحاول الهروب من القفص الإيراني

إن طهران غير راضية عن جهود رئيس الوزراء العراقي للتقرب من العالم العربي والولايات المتحدة، وتكثف الجهود للتأثير على النخب السياسية قبل الانتخابات المقبلة.

صحيفة: العراق يحاول الهروب من القفص الإيراني
السبت 3 تموز, 2021   07:08
مركز الأخبار

في 9 حزيران قتل إيهاب الوزني، حيث أطلق "مجهولون" النار عليه بالقرب من منزله في مدينة كربلاء الشيعية، ليُضاف اسمه إلى قائمة أكثر من 32 شخصاً قتلوا على يد هؤلاء "المجهولين" منذ عام 2019. الوزني، الذي ساعد في تنظيم احتجاجات كربلاء المناهضة للحكومة، وجميع القتلى الآخرين لعبوا أيضاً أدواراً كبيرة في مثل هذه الاحتجاجات، بحسب تحليل لصحيفة الهآرتس الاسرائيلية.

لكن القتلة ليسوا مجهولين حقاً. إنهم ينتمون إما إلى المجموعات الشيعية التي تعمل تحت رعاية إيران أو التابعة للأحزاب العراقية الرئيسية، والتي تحتفظ كل منها بـ"جيشها" الخاص، بحسب الصحيفة.

ومنذ اندلاع المظاهرات الجماهيرية في تشرين الأول 2019 وتسببت في استقالة الحكومة السابقة، مما أدى إلى تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء في أيار2020، اندلعت حرب أهلية هادئة في العراق. وتحدثت وسائل إعلام عراقية عن اختفاء أشخاص واعتقالات ليلية وإطلاق نار في الشوارع وتهديدات هاتفية وإحراق سيارات نشطاء المعارضة.

ويبدو أن الاشتباكات هذه تزايدت بشكل متكرر منذ انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران الشهر الماضي. كما خفضت إيران مؤخراً إمداداتها من الكهرباء والمياه للعراق، لا سيما لمدينة البصرة والمحافظات الجنوبية، في وقت ارتفعت فيه درجات الحرارة إلى 45 وحتى 50 درجة مئوية.

والسبب الرسمي لإيران أن العراق مدين لها بأكثر من 4 مليارات دولار، وسيتعين على البلاد الاكتفاء بالشموع والمياه المعبأة، لكن هذا ليس مجرد نزاع مالي.

على مدى العامين الماضيين، تم استخدام هذا الضغط الإيراني كوسيلة للضغط الدبلوماسي. إذا حاول العراق الهروب من قفصه الإيراني ودخول أحضان العالم العربي والغربي، وخاصة أمريكا، فلن يتمكن من البقاء.

في حزيران 2020، أجرى العراق مفاوضات متقدمة مع السعودية بشأن إنشاء خط كهرباء عالي التوتر يربط بين البلدين، بتكلفة مئات الملايين من الدولارات. بعد أسبوعين، وقّع العراق صفقة لمدة عامين لشراء الكهرباء من إيران.

في نفس العام، وقّعت صفقة مع عمان لبناء خط أنابيب بطول 700 كم  من شأنه أن يرسل النفط إلى الأردن مقابل الكهرباء من المملكة، كما تم توقيع صفقة مماثلة مع مصر. ولكن في كلتا الحالتين، من الواضح أنه ستمر سنوات قبل أن تصل أي كهرباء من هذه الصفقات إلى منازل 40 مليون مواطن عراقي.

حتى أن واشنطن أدركت أن العراق لا يمكن أن يعمل بدون كهرباء إيرانية. لهذا السبب منحها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إعفاءً من العقوبات الأمريكية على إيران حتى تتمكن من الاستمرار في شراء النفط والغاز الإيراني.

محاولات عراقية للابتعاد عن إيران

استقبل الرئيس العراقي برهم صالح، الأحد، نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني الملك عبد الله. هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس مصري العراق منذ غزو صدام حسين الكويت عام 1990.

وذكرت تقارير إعلامية أنه تمت مناقشة العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي في هذا الاجتماع. ويقول النقاد إن الكاظمي يريد على ما يبدو أن يظهر للحكومة الأمريكية الجديدة أن العراق غير مرتبط بشبكات إيران، ولكن لديه أيضاً أصدقاء حميمون في العالم العربي.

كما اغتنم المتحدثون العراقيون المناسبة لتذكير الجميع باجتماع الوفدين السعودي والإيراني الذي عقد في بغداد في نيسان لمناقشة الحرب في اليمن. لم يسفر ذلك الاجتماع عن نتائج عملية، لكنه سمح للعراق بلعب دور الوسيط، على الأقل للحظات.

في انتظار انسحاب الولايات المتحدة

استعراض الكاظمي للاستقلال لا يتوافق مع طهران، ومن المتوقع أن يلتقي الكاظمي هذا الشهر مع الرئيس الأمريكي جو بايدن للمرة الأولى. وستشمل موضوعات المناقشة الحاجة إلى تحييد المجموعات العسكرية الشيعية الموالية لإيران والجدول الزمني لأمريكا لسحب قواتها من العراق.

هاجمت القوات الأمريكية هذا الأسبوع مجدداً قواعد الحشد الشعبي  بالقرب من البوكمال، على الحدود العراقية السورية، رداً على هجمات الطائرات المسيرة على قاعدة عين الأسد الأمريكية والمنطقة الخضراء في بغداد، ووضعت هذه الهجمات الكاظمي في موقف غير مريح.

الكاظمي ليس حليفاً للمجموعات الشيعية العسكرية، ويصرح بأنه لن يسمح للأطراف الأجنبية - أي الإيرانيين - بالتدخل في الشؤون الداخلية للعراق. لكنه في الوقت نفسه، يدرك تماماً اعتماد بلاده الاقتصادي على إيران، والتي بدأت طهران في رعايتها لحظة انهيار نظام صدام حسين في عام 2003.

الاشتباكات بين المجموعات الشيعية العسكرية والقوات الأمريكية جزء لا يتجزأ من المعركة السياسية التي تخوضها إيران في العراق. يبدو أن طهران توقعت أن تكون المفاوضات حول اتفاق نووي جديد بمثابة درع دفاعي ضد الهجمات الأمريكية وتمكينها من زيادة قوة الميليشيات - وبالتالي قوتها - داخل العراق.

لكن اتضح أن نهج بايدن يختلف عن نهج الرئيس السابق باراك أوباما، الذي امتنع عن مهاجمة سوريا بسبب استخدامها للأسلحة الكيماوية خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى وقف المفاوضات التي كانت حكومته تجريها مع إيران بشأن الصفقة النووية الأصلية.

إن استخدام إيران للعراق كملعب لألعابها الإقليمية يتطلب منها ضمان استمرار النظام العراقي في الانصياع لإملاءاته. لكن في هذا الصدد، واجهت جبهة معقدة.

ولا يمكنها حتى الاعتماد على الارتباط الديني الشيعي، الذي يرى الغربيون أنه يجعل العراق بشكل تلقائي تابعاً لطهران. كما أن الأحزاب الشيعية الكبرى ليست كتلة موحدة. ينشغل قادتهم بشكل أساسي بصراعات الحصول على  السلطة السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يتسبب في منافسة شرسة بينهم.

صحيح أن المجموعات الموالية لإيران تسيطر على بعض محافظات العراق، وخاصة في الشمال بالقرب من الحدود السورية، وكذلك بعض أحياء بغداد. وهم قادرون على توريط العراق في صراعات إقليمية وصراعات مع أمريكا.

لكن عداء العراقيين لهم، إلى جانب الاحتجاجات على وقف إيران لإمدادات المياه والكهرباء، سيجبر طهران على السير بحذر شديد  للحفاظ على معاقلها السياسية على نهري دجلة والفرات وأخذ التهديد العسكري الأمريكي على محمل الجد. في غضون ذلك، ستستمر في خوض معارك الشوارع ضد المتظاهرين وقادة الاحتجاج.

(م ش)