المعابر.. حرب فرض النفوذ يضيق الخناق على شمال وشرق سوريا

تفاقمْ تدخلات وتوازنات القوى المتدخلة بالملف السوري، الوضع الاقتصادي المتهالك في البلاد، ويرى مراقبون أن الحصار فرض أمراً واقعاً يتناسب ومصالح القوى المتصارعة على حساب السوريين.

المعابر.. حرب فرض النفوذ يضيق الخناق على شمال وشرق سوريا
الجمعة 2 تموز, 2021   20:33
قامشلو- ليلاف ديواني

تشهد أسواق شمال وشرق سوريا نشاطاً اقتصادياً شبه مشلول، إثر الارتفاع الملحوظ في أسعار المواد الاستهلاكية والسلع المعمرة والطبية وندرتها في بعض الأحيان على خلفية الأزمة الاقتصادية السورية والحصار المفروض على المنطقة من قبل الدول المتحكمة بزمام الملف السوري من خلال خلط الأوراق الاقتصادية والإنسانية واستخدام المعابر والمنافذ الحدودية كوسيلة ضغط وابتزاز ضد مناطق شمال وشرق سوريا.

فعلى مدار 10 سنوات من الأزمة السورية، أفرزت التغيرات والتوازنات السياسية هيمنة قوى متغيرة على المعابر والمنافذ الحدودية (سواء أكانت حكومة دمشق وروسيا والصين، أو تركيا والمرتزقة التابعين لها).

توجيه إقليمي ودولي للاقتصاد نحو النزاع

واتجه الاقتصاد السوري نحو نطاق الأزمة مع توجيه حكومة دمشق كافة موارد الدولة ومقدراتها لخدمة الآلة العسكرية، مما أدى إلى استنزاف الموارد الأولية وتدمير البنى التحتية والقطاع الصناعي كما حدث في مدينة حلب العاصمة الصناعية لسوريا ما بين عامي 2012 و2016، بالإضافة إلى هيمنة القوى المتحكمة بالأزمة السورية على المعابر والمنافذ الحدودية للبلاد.

وولّدت السياسات المالية المتخبطة لحكومة دمشق والعقوبات الدولية المفروضة عليها - أبرزها قانون قيصر الذي دخل حيز التنفيذ في 17 حزيران عام 2020 - واقعاً لم يشهده الاقتصاد السوري من قبل، إذ انهار سعر صرف العملة السورية مقابل الدولار الأمريكي ليصل إلى 5000 ل.س مقابل الدولار الواحد، بعد أن كان سعر الدولار نحو 46.5 قبيل الأزمة.

كما خلق احتكار بعض التجار واستغلالهم الضائقة الاقتصادية وعدم تقيدهم بالقرارات الصادرة عن التموين حالة عدم ثقة بين المستهلك والمنتج الأمر الذي ألقى بظلاله السلبية على حركة النشاط الاقتصادي ضمن شمال وشرق سوريا التي لم تسلم من تداعيات الأزمة.

"ارتفاع الأسعار يثقل كاهلنا"

/ar/uploads/files/2021/07/02/190910_mhmd-salh-ywsf-.webp

يتجول المواطن محمد صالح يوسف في سوق مدينة قامشلو لشراء حاجاته، ويقول :"الغلاء الفاحش في أسعار المواد الاستهلاكية أثقل كاهلنا، ولم نعد نستطيع شراء كل ما نرغب به. التجار يستغلون الضائقة الاقتصادية للاحتكار".

ويتابع: "الاستغلال لا يكمن في أسعار المواد الاستهلاكية فحسب، لا بل هناك ارتفاع وتفاوت في أسعار الأدوية بين الصيدلية والأخرى"، مطالباً الجهات المعنية بالوقوف على المشكلة وضبط الأسعار للحد من الجشع والاحتكار.

/ar/uploads/files/2021/07/02/190839_hmyd-khlf-.webp

فيما يقول المواطن حميد خلف: "نعاني منذ ثلاث أعوام من مشكلة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وبشكل خاص الغذائية، إذ يصل سعر عبوة الزيت 4 لتر إلى 22,000 ل.س، ومن لا يملك دخلاً جيداً لا يستطيع تلبية حاجاته الأساسية، ناهيك عن تفاوت أسعار المواد بين المحال التجارية".

/ar/uploads/files/2021/07/02/190654_aymn-abdallh-.webp

من جهته، يبيّن تجار المواد الغذائية في مدينة قامشلو، أيمن عبدالله، أن الارتفاع الملحوظ في أسعار المواد الاستهلاكية يعود إلى الضرائب المرتفعة التي تفرضها حكومة دمشق على المعابر الحدودية الواصلة بينها وبين مناطق شمال وشرق سوريا، وكذلك الحصار المفروض على المنطقة، وضعف القوة الشرائية للعملة السورية مقابل الدولار الأميركي.

وتشهد مناطق شمال وشرق سوريا حصاراً خانقاً منذ بداية ثورة 19 تموز 2012، حيث أغلقت دولة الاحتلال التركي كافة المعابر والمنافذ الحدودية بين مناطق باكور كردستان وشمال وشرق سوريا، وبفيتو مزدوج روسي- صيني أُغلق معبر تل كوجر الحدودي الفاصل بين مناطق شمال وشرق سوريا ودولة العراق، وبدورها أغلقت حكومة دمشق المنافذ الداخلية الواصلة بين مناطق شمال وشرق سوريا ومناطق سيطرتها، أما معبر سيمالكا الفاصل بين المنطقة وجنوب كردستان فيتحكم به الحزب الديمقراطي الكردستاني.

فيما أرجع عبدالله سبب تفاوت الأسعار بين المحال التجارية إلى جشع بعض التجار، وعدم كفاءة التموين في ضبط الأسواق بالشكل المطلوب، وكذلك تذبذب أسعار صرف الدولار مقابل العملة السورية، مؤكداً أن ارتفاع أسعار المواد ألقى بظلاله السلبية على حركة البيع والشراء أيضاً.

وحسب ما أفاد العديد من التجار أن الفرقة الرابعة التابعة لحكومة دمشق تفرض جمركاً يصل قدره إلى 8000 دولار مقابل دخول شاحنة إلى شمال وشرق سوريا.

قرارات جديدة لضبط الأسواق

وبدوره، يُشير الرئيس المشترك لشعبة التموين في مقاطعة قامشلو، رمضان حسن، إلى أن جشع بعض التجار يضع الأسواق والتموين أمام تحديات كبيرة حول كيفية ضبط الأسعار وعدم حصول الخروقات ضمن مناطق شمال وشرق سوريا التي لم تسلم من تداعيات الأزمة الاقتصادية.

وسلط حسن الضوء على أهم القوانين التي يتبعها التموين، والتي تشمل وجوب تعليق لوائح الأسعار على المادة المعروضة وأن من يخالفها ستفرض عليه ضريبة تصل قيمتها إلى 200 ألف ل.س، وفي حال تكرار المخالفة تتضاعف الضريبة، أو يغلق المحل لمدة ثلاثة أيام، ومع استمرار الخروقات يتم محاسبة المخالف أصولاً أمام المحكمة.

ويضيف: "كما يتم تحديد أسعار المواد على شكل لائحة من قبل لجنة تحديد الأسعار وتنشر على مواقع التواصل الاجتماعي (الشبكة الافتراضية) وفي الأسواق، مع الأخذ بعين الاعتبار تقلبات الدولار والضرائب التي تفرض على المادة المستوردة من الخارج، ومن يتجاوز هذه اللائحة يعرض نفسه للمحاسبة وفقاً للقوانين التموينية".

/ar/uploads/files/2021/07/02/190801_hsn-rmdhan.webp

ويبين حسن أنهم بصدد زيادة أعضاء اللجنة الرقابية للتموين ليتمكنوا من مراقبة الأسواق بشكل مطلوب، وإعداد برامج تنظيمية لإطلاق حملات رقابية واسعة ضمن الأسواق يستهدف يومياً مدينة، وأنهم في تنسيق مباشر مع المعامل المحلية والجهات التي تشرف على سعر المادة وجودتها وكذلك إدخال تخصصات إلى مكاتب تحديد الأسعار بالتنسيق مع غرف الصناعة والتجارة.

مشيراً إلى أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بصدد تحضير مخبر للمواد الغذائية لحماية المستهلك والتأكد من صلاحية المنتجات في آن واحد.

الشعب من يلقى ضريبة الضغوطات السياسية

/ar/uploads/files/2021/07/02/190856_alaa-aldyn-frhan.webp

ينوه الخبير الاقتصادي علاء الدين فرحان إلى أن الضغوط الدولية والحصار المفروض على مناطق شمال وشرق سوريا سيلقي بظلاله السلبية على مستوى معيشة أبناء المنطقة ويفاقم الوضع الاقتصادي أكثر، مؤكداً أن الشعب هو من يلقى ضريبة هذه الضغوطات والسياسات وأن فتح المعابر بات أمراً ضرورياً.

اللجوء إلى تنمية صناعية وتوعية الشعب

وكخطوة لتنمية الاقتصاد وإنعاشه بشكل تدريجي، يرى فرحان أن طرق الحل تكمن في اللجوء إلى تنمية القطاع الصناعي والاعتماد على الإنتاج المحلي وتقويته من خلال الإشراف على جودة المنتج من قبل لجان مختصة ذات كفاءة، وأكد: "فزيادة الطلب على المنتج مرتبط بجودته، فكلما كانت الجودة منخفضة قلّ الطلب واتجه المستهلك نحو المنتج المستورد".

ويتابع: "المعروف أن مناطق شمال وشرق سوريا مليئة بالثروات الباطنية وأهمها النفط، لذا إنشاء مصفاة نفطية لإنتاج المشتقات النفطية خطوة مهمة وستساهم في تحسين الاقتصاد من خلال إدراجه في الأسواق المحلية وكذلك تصديره للخارج فيما بعد وبالتالي إنعاش الاقتصاد، وإلى جانب ذلك التركيز على القطاع الزراعي من خلال دعم المزارعين والتشجيع على الزراعة وتوجيههم بشكل أفضل، وإجراء دراسة حول زراعة الشوندر السكري وشجرة الشاي لبناء مصانع لإنتاج السكر والشاي أكثر مادتين عرضة للطلب".

وعن التفاوت الملحوظ في أسعار المواد الاستهلاكية ضمن أسواق المنطقة، يقول فرحان أن تفاوت الأسعار بين المحال التجارية يؤثر بشكل مباشر على ثقة المستهلك بالمنتج والتاجر، وبالتالي ضعف القدرة الشرائية وشل نشاط سوق العمل.

ويضيف: "الاحتكار الذي يمارسه بعض التجار يولد فجوة سعرية لا تتناسب مع دخل الفرد وبالتالي تفاقم الوضع المعيشي في المنطقة أكثر ، لذا يجب تفعيل دور الرقابة التموينية بشكل أكبر، وعلى أبناء المنطقة التعاون مع التموين لحماية حقوقهم وردع الاستغلال والاحتكار".

ويشدد فرحان في ختام حديثه على ضرورة فتح المعابر مع شمال وشرق سوريا، وتوعية الشعب أكثر حيال الوضع الراهن، وفتح ورش تثقيفية وتوعوية حول كيفية تطوير وتنمية عمل اللجان التموينية والرقابية، وتنمية الإنتاج المحلي الصناعي، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

في الداخل السوري تربط مناطق شمال وشرق سوريا والمناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق عدة معابر وهي الطبقة، والهورة، والسبخة في مدينة الرقة، والتايهة في مدينة منبج.

حرب فرض النفوذ والهيمنة

/ar/uploads/files/2021/07/02/190723_bdran-.webp

وفي هذا السياق يبين نائب الرئاسة المشتركة  للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بدران جيا كرد أن التناقضات والصراعات التي تمر بها القوى الإقليمية والدولية المتحكمة بالمشهد السوري فيما بينها على المستوى الاستراتيجي خلال الأعوام الـ10 من الأزمة انعكس بشكل فعلي على الأزمة السورية، ويقول: "بات يبرز بشكل أكثر وضوحاً بأن من يتحكم بزمام المبادرة في الملف السوري كالذي يتحكم بالقضايا الاستراتيجية في المنطقة، لذلك يشتد الصراع والمنافسة بشكل حاد، فأي تغيير في التوازنات السياسية بين تلك القوى ستكون سوريا أحد النقاط المحورية، كونها تشكل نقطة خلاف واتفاق في آن واحد"

ويلفت جيا كرد إلى أنه وفي الفترة الأخيرة وخاصة ما كان يخطط للعملية الانتخابية الرئاسية وهو كسب المزيد من القوة والشرعية وعودة حكومة دمشق إلى سياساتها التقليدية بدعم صريح من روسيا وإيران والتي أصبحت إحدى الحلقات مما يسمونها محور "المقاومة" بأنها انتصرت على جبهات مختلفة، بدءاً من غزة والانتخابات الرئاسية في سوريا والحفاظ على نفوذه في لبنان من خلال حزب الله إلى المفاوضات الأميركية- الإيرانية.

ويوضح بدارن جيا كرد: "انطلاقاً من التفكير الذي يعيشه النظام وحلفائه، والذي هو أن الحكومة السورية قادرة على استعادة السيطرة على الأراضي السورية التي تقع خارج إدارتها من خلال اللعب بأوراق مختلفة، منها الإنسانية والاقتصادية والعشائرية والإعلان بشكل صريح وصوت عالي بضرورة إغلاق كافة المعابر التي لا تسيطر عليها الحكومة طبعاً بدعم روسي وصيني، حتى باتت قضية فتح والسيطرة على المعابر من القضايا الأساسية، وكأن هناك حرب المعابر والممرات، وهذه الحرب هي حرب فرض النفوذ والهيمنة تمارسها القوى المتحكمة بالملف السوري".

ويرى جيا كرد بأن حكومة دمشق غير مؤهلة لا سياسياً ولا أمنياً ولا إدارياً، ويقول: "ليس من المنطق إعطائها الدور بهذا الاتجاه حيث نرى كيف تستغل المساعدات الإنسانية من خلال دمشق للاستفادة منها اقتصادياً وسد الفجوات الكبيرة التي تعانيها، لذلك لا يمكن أن تكون دمشق ممراً إنسانياً لكل سوريا".

ضرورة إبعاد الملف الإنساني عن الأجندات السياسية

ودعا بدران جيا كرد الجهات المعنية أن تجعل الملف الإنساني خارج الصفقات والأجندات السياسية حيث عدها تسيس للقمة عيش المواطن وكارثة إنسانية تنتهك القانون الدولي الإنساني بشكل واضح، وقال: "من الضروري أن تفتح الممرات الإنسانية على المناطق السورية جميعها وتحت إشراف أممي دون أن تخضع لجهة سياسية تحتكرها لأغراضها وأهدافها السياسية".

وينوه جيا كرد إلى أن مناطق الإدارة الذاتية من أكثر المناطق التي تعاني من سياسات الحصار الاقتصادي وعدم وصول المساعدات الإنسانية والطبية إليها، ويلفت: "بعد إغلاق معبر تل كوجر  بفيتو روسي صيني من جهة، ووجود أكثر من ١٥ مخيماً للنازحين من جميع المناطق السورية وعشرات الآلاف من اللاجئين العراقيين والأجانب وكما معروف وجود أكثر من نصف مليون مهجر بشكل قسري من المناطق التي احتلتها تركيا عفرين وسري كانيه وتل أبيض شهدت المنطقة وضعاً اقتصادياً ومعيشياً سيئاً".

جيا كرد: هناك تهرب من المسؤولية الإنسانية

ويشير جيا كرد إلى أن هناك ما يقارب مليون نازح سوري من المدن الداخلية في مناطق الإدارة الذاتية، مؤكداً وجود تهرب من المسؤولية الإنسانية بشكل واضح من قبل المنظمات الدولية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي الذي يتعامل بازدواجية المعايير مع مناطق شمال وشرق سوريا.

ويشدد جيا كرد على ضرورة التعامل مع الواقع السوري بسياسة واقعية تهدف إلى تخفيف المعاناة على كاهل الشعب السوري إلى أن يتم مشاركة فعلية لكل الأطياف السورية في صياغة دستور ديمقراطي يكون حلاً للواقع الراهن.

جيا كرد: إصرار الديمقراطي الكردستاني على مواقفه بخصوص المعبر، ليس إلا صب الزيت على النار

وعن القرارات التي صدرت عن إدارة معبر فيشخابور بصدد حركة دخول وخروج المسافرين عبر معبر سيمالكا من وإلى باشور كردستان، يقول جيا كرد "يجب ألا يكون معبر سيمالكا خاضعاً لأجندات ومواقف سياسية، لأن ذلك ينافي معايير التعاون المشترك"، مؤكداً أن إصرار الديمقراطي الكردستاني على مواقفه خلال النقاشات التي تخص معبر سيمالكا ليست إلا صب الزيت على النار، وأنها تخدم بشكل مباشر المساعي التي تريد خنق تجربة روج آفا".

وكانت سلطات باشور كردستان قد اشترطت في 16 من شهر حزيران المنصرم إجراءات وقرارات تعجيزية، تتطلب من المسافرين والمغادرين ملء استمارة تتضمن معلومات شاملة عمّن يود زيارة باشور كردستان عبر معبر سيمالكا، فيما وصفتها إدارة المعابر للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا خلال بيان "بالاستخباراتية"، وعرقلة لمن يعانون من الأمراض.

(آ د)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/eITLr8JBZJU" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>