مختصة: عقد محكمة دولية خطوة مهمة لتحقيق العدالة لضحايا المرتزقة

اعتبرت المختصة في شؤون الجماعات المسلحة، أنكي سيوبيرغ، عقد محكمة دولية في شمال وشرق سوريا لمرتزقة داعش خطوة مهمة لتحقيق العدالة لضحايا المرتزقة، مؤكدة أن عدم عقد المجتمع الدولي محكمة دولية في شمال وشرق سوريا مرتبط بالاعتبارات والتعقيدات السياسية واللوجستية للدول المانعة.

مختصة: عقد محكمة دولية خطوة مهمة لتحقيق العدالة لضحايا المرتزقة
الثلاثاء 29 حزيران, 2021   01:20
قامشلو- سولين أحمي

يعد ملف مرتزقة داعش من أكثر الملفات تعقيداً وخطورةً على مستوى العالم، حيث يوجد في سجون الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا حوالي 19 ألف مرتزق داعشي، بينهم 12 ألف داعشي سوري و5 آلاف داعشي عراقي، وألفي داعشي أجنبي ينحدرون من 55 دولة أجنبية، والذين ارتكبوا أفظع الجرائم بحق الإنسانية من عمليات قتل ونهب وسلب وخطف.

ويعتبر مخيم الهول الواقع 45 كم شرق الحسكة معضلة أساسية في شمال وشرق سوريا والشرق الأوسط، وأخطر المخيمات في العالم، حيث يقطن فيه قرابة 60 ألف شخص، معظمهم من أسر مرتزقة داعش، بينهم 8965 امرأة من نساء المرتزقة (المهاجرات) موزعين على 2625 أسرة، جلهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم الـ 17 عاماً.

وعلى الرغم من خطورة ملف مرتزقة داعش، إلا أن المجتمع الدولي يتهرب ويغض النظر عن هذا الملف ومسؤولياته، رغم مناشدات الإدارة الذاتية مراراً وتكراراً بعقد محكمة دولية على أرض المنطقة لمرتزقة داعش المرتكبين للجرائم في شمال وشرق سوريا.

وفي هذا السياق، أجرت وكالتنا حواراً مع المديرة المشاركة والمؤسسة لمنظمة الكفاح من أجل الإنسانية، والمختصة في شؤون الجماعات المسلحة، والدكتورة في مجال العلاقات الدولية، أنكي سيوبيرغ،  والتي سلطت الضوء خلال الحوار على أنه لا يجوز للمجتمع الدولي أن يتخذ قراراً نيابة عن الضحايا بالإنصاف الفعال وجبر الضرر، وتوقعت أن يلعب منبر ضحايا داعش دوراً فعالاً في تحقيق العدالة إن عزز من تواصله وتبادل خبراته مع تجمعات أخرى في سوريا وخارجها.

 وفيما يلي نص الحوار:

*الإدارة الذاتية تناشد مراراً وتكراراً عقد محكمة دولية لمرتزقة داعش في شمال وشرق سوريا، ولكن الدول تلتزم الصمت وتغض النظر عن ذلك، على الرغم من وجود رعاياها أيضاً، برأيكم ما هي التعقيدات القانونية التي ما زالت تسبب عدم إقبال هذه الدول على هذه الخطوة؟

تخضع فكرة تأسيس محكمة دولية في شمال شرق سوريا لمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية من تنظيم داعش لتداخل معقد، وذلك لاعتباراتها القانونية والسياسية. ومعظم هذه الاعتبارات القانونية بطبيعتها جدلية ولا تزال موضع نقاش وتحليل قانونيين لدى أكاديميي وخبراء القانون الدولي.

ومن أبرز هذه القضايا ما يتعلق بجدلية شرط موافقة الدولة لتأسيس محكمة دولية في إقليمها، تطبيقاً لمبدأ القانون الأساسي المتمثل في حظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول والذي يعكس مبدأ سيادة الدولة المحوري في القانون الدولي.

تعتبر وجهة النظر المتمسكة بهذا المبدأ وإنفاذه على فكرة تأسيس محكمة دولية على أراضي دولة ما بحرفيةِ المبدأ، من جهة أن أي تدخل ـ وليس شرطاً أن يكون بالقوة ـ في شؤون دولة أخرى دون موافقتها يعتبر خرقاً لمبدأ عدم التدخل. ويستند هؤلاء إلى الصكوك الدولية كميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (١٩٧٠)، بالإضافة إلى بعض قرارات محكمة العدل الدولية.

بينما يفنّد الطرف الآخر مبدأ عدم التدخل على اعتباره مقتصراً على توفر عنصرَي الإكراه وتحقيق مصلحة/ فائدة للدولة المتدخلة. وبناءً على ذلك، يجادل أصحاب هذا التوجه أن تأسيس محكمة دولية في شمال شرق سوريا أولاً لا يعتبر إكراهاً، وثانياً لا يهدف إلى تحقيق مصلحة/ فائدة للدول ذات الصلة، وبالتالي يجب عدم اعتباره خرقاً لمبدأ عدم التدخل، وتبقى الاعتبارات السياسية حجر العثرة حتى ولو تمّ تجاوز هذه الجدلية القانونية، لأن الدول بطبيعة الحال حذرة جداً من أن تخلق سوابق معينة قد تؤدي في وقت ما في المستقبل إلى انطباقها عليها وإجبارها على القبول بها. هذا عدا عن اعتبارات أخرى تتعلق بالعلاقات والمصالح الدولية خاصة في ظل وجود قوى دولية تتبنى موقفاً رافضاً وحاسماً لمثل هذه الخطوة ليس فقط بسبب علاقات بعضها الاستراتيجية مع السلطات السورية، إنما لقيادة بعضها الآخر "معسكراً" دولياً يناصر من أجل عدم تطبيع خرق مبدأ عدم التدخل في سيادة الدول، عدا عن التحديات اللوجستية لمثل هذه الخطوة.

كما تبرز جدلية مشروعية أو قانونية مثل هذه المحكمة والأساس القانوني الذي ستستند إليه، ويُعتبر مجلس الأمن الدولي الجهة الوحيدة دولياً المخولة إقرار إجراءات ملزمة ومنها تأسيس محاكم ذات طابع دولي باختصاصات ومراجع قانونية قد لا تنطلق من اختصاص والنظام القانوني للدولة التي يتم اتخاذ هذا الإجراء بخصوصها (مثل محكمة يوغوسلافيا ورواندا وغيرها).

كما يستند البعض إلى أن المادة الثالثة المشتركة لاتفاقات جنيف تشجع على عقد اتفاقات بين أطراف "النزاع" ـ والإدارة الذاتية أحدها في السياق السوري ـ في سبيل ضمان تطبيق أحكام هذه الاتفاقات وأهمها الانتهاكات الجسيمة والمحاكمات الجنائية. وعلى هذا الأساس، يجادل هؤلاء أن تأسيس هذه المحكمة يمكن تفسيره في هذا السياق وبالتالي لا يعتبر تدخلاً في شؤون دولة أخرى، خاصة وأن المادة الثالثة المشتركة تؤكد في جملتها الأخيرة على أن لا شيء في هذه المادة يغير في الوضع القانوني لأطراف النزاع.

إلا أن مناصري عقد المحكمة يحاولون تعزيز تفسيرهم وموقفهم من خلال الإشارة إلى أن القانون الدولي الإنساني يشجع كافة الدول على تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بغض النظر عن كون تلك الدول طرفاً في النزاع أم لا. هؤلاء يشيرون إلى أن تطبيق هذا المبدأ بواسطة أي دولة على مواطني دولة أخرى لا يعتبر تدخلاً في شأنها الداخلي، وذلك نظراً لما يقرّه القانون الدولي بالنسبة لاعتبار هذه الجرائم الدولية والمحاسبة عليها مسؤولية إنسانية جماعية لا تتعلق فقط بالشأن الداخلي لدولة بعينها دون سواها. بل وأكثر من ذلك، يشجع القانون الدولي الدول على تسليم المتهمين بارتكاب تلك الجرائم للدول التي تفعّل في نظامها القضائي مبدأ الولاية القضائية العالمية بغض النظر عن جنسية هؤلاء.

هناك الكثير من الاعتبارات القانونية الأخرى ذات الصلة مثل ضمانات المحاكمة العادلة ومخاوف أن تكون المحكمة تكريساً لعدالة انتقائية أو عدالة المنتصر وغيرها، وكل ذلك مرتبط بطبيعة الحال بالاعتبارات والتعقيدات السياسية واللوجستية مجتمعة التي تجعل من موضوع تأسيس محكمة دولية في شمال شرق سوريا أمراً فائق التعقيد على الرغم من كونه غير مستحيل لو أخذنا بعين الاعتبار جدليات وتفسيرات المؤيدين لتأسيسها.

 * في الـ 27 أيار المنصرم أسست منظمة مبادرة الدفاع الحقوقية وبرعاية المنظمة الحقوقية الألمانية international) medico) ومنظمة كفاح من أجل الإنسانية (fight for humanity) منبراً لضحايا داعش، هل برأيكم هذا المنبر سيكون الخطوة الأولى نحو عقد محكمة دولية لمرتزقة داعش؟

لا يتبنى المنبر في مرحلته الحالية شكلاً محدداً للعدالة الجنائية لأعضاء داعش ممن يثبت ارتكابهم انتهاكات جسيمة أو جرائم دولية، ويؤسس المنبر لإطار واضح بشروط محددة لأي شكل من أشكال العدالة الجنائية في سياق حق الضحايا في الانتصاف الفعال، ويتبنى المنبر الإطار الشمولي للحق في الانتصاف الفعال الذي يتضمن مكونات العدالة الجنائية، وجبر الضرر، ومعرفة الحقيقة ومن خلال نهج يرتكز على الضحايا، ويخطط المنبر في سياق الإطار العام لأنشطته إلى تعزيز معرفة الضحايا بهذه المكونات وعقد نقاشات مركّزة تهدف إلى الخروج بمواقف محددة وخطط عمل تفصيلية تتناول شكل كل من هذه المكونات ومن ضمنها العدالة الجنائية، ويحتاج الضحايا (الفئة المستهدفة من تأسيس المنبر) أولاً إلى المعرفة الموضوعية بهذه التفاصيل، بحيث يتم الحفاظ على توقعاتهم ويتم تزويدهم بالتفاصيل الكافية حول نقاط القوة والضعف وما الذي يجب توقعه من كل شكل من أشكال العدالة الجنائية. ثانياً، يحتاج هؤلاء الضحايا لمناقشة ذلك والتفكير فيه والخروج بخطة وموقف يحددان موقفهم من محكمة دولية أو غيرها من أشكال العدالة الجنائية. وثالثاً، يحتاج الضحايا لأخذ دورهم الريادي في المناصرة من أجل ما توصلوا إليه.

* لم يتبنَ المجتمع الدولي أي قرار بخصوص تعويض ضحايا داعش، ما هي توقعاتكم حول هذا في المستقبل القريب وهل من الممكن أن يطرأ أي تغيّر حول تقديم الدعم لهؤلاء الضحايا؟

من الضروري أولاً الاتفاق على أن جبر الضرر هو المصطلح الأنسب لأنه أعمّ وأشمل من "التعويضات" التي عادة ما يتم اقتصارها على المدفوعات المالية. وجبر الضرر هو ما يطالب به أعضاء المنبر في سياق حقهم الأصيل في الانتصاف الفعال.

ثانياً، لا يجوز للمجتمع الدولي أن يتخذ قراراً نيابة عن الضحايا عندما يتعلق الأمر بالإنصاف الفعال وجبر الضرر، ويجب أن يكون هذان النوعان مناسبين ومرضيين للضحايا، وهذا هو المنطق وراء هذه المنصة، حيث يسمح لهم بلعب دورهم في تشكيل آليات الإنصاف الفعال بما يرضي الضحايا، بما في ذلك معرفة الحقيقة والعدالة الجنائية ومكونات جبر الأضرار. على عكس ذلك، وفي السياقات التي لعب فيها الضحايا دوراً حيوياً، كانت عمليات السلام والعدالة الانتقالية أكثر نجاحاً مثل تجربة الأرجنتين والبوسنة ومؤخراً وعلى الرغم من التحديات، تجربة كولومبيا.

من المتوقع أن يلعب المنبر دوراً فعالاً في هذا السياق خاصة إن عزز من تواصله وتبادل خبراته مع تجمعات أخرى في سوريا وخارج سوريا معنية بشكل أساسي بحقوق ودور الضحايا وعائلاتهم، وذلك لتضافر الجهود وتشكيل جبهة ضغط على المجتمع الدولي وكافة المعنيين من أجل جعل هذه القضية أولوية لا تختلف عن أولويات الحل السياسي وإنهاء النزاع المسلح.

(آ د)

ANHA