البطالة والفقر.. مشكلة تتعمق ويطول أمدها بين السوريين في لبنان

يعاني معظم اللاجئين السوريين العاملين في لبنان من تدني الأجور ومن ظروف عمل قاسية، فضلًا عن افتقارهم إلى المهارات والتحصيل العلمي.

البطالة والفقر.. مشكلة تتعمق ويطول أمدها بين السوريين في لبنان
الإثنين 14 حزيران, 2021   02:12
بيروت – زياد أبو غزالة

ضاعفت جائحة فيروس كورونا من مستويات الفقر في صفوف اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لها، وذلك وفقًا لدراسة اشترك في إعدادها البنك الدولي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وأشارت الدراسة إلى أن هناك نحو 4.4 ملايين شخص في المجتمعات المضيفة وقعوا في الفترة الأخيرة في براثن الفقر منذ بداية الأزمة، وقد تضرَّرت بشكل خاص الأسر التي تعتمد على أسواق العمل غير الرسمية، والتي تعاني من قلة الموارد وعبء الديون الكثيرة.

'لاجئون سوريون في منطقة صور'

واعتاد بعض العمال السوريين على التوجه إلى الحقول في ضواحي منطقة صور جنوب لبنان على مر السنين، حيث إنهم يعيشون ويعملون في المدينة منذ عدة سنوات قبل اندلاع الأزمة في بلادهم، لكن بالنسبة للكثيرين، لم يكن هذا هو الحال في وطنهم.

ومع استضافة 12 ألف لاجئ سوري، زاد عدد سكان صور بنسبة 8 في المئة منذ العام 2011، ما زاد الضغط على البنية التحتية والخدمات وسوق العمل.

"أبو جاسم" أحد اللاجئين السوريين الذين يعملون في لبنان لتأمين قوت يومهم وعائلتهم. يقول لوكالتنا: "أستطيع أن أتخيل مدى صعوبة إجبار شخص ما على مغادرة بلده، تحت القصف والتهديدات، والبحث عن ملجأ في بلد آخر. بغض النظر عن مدى ترحيب المجتمعات المضيفة، الأزمة طالت وليس لدينا حلول غير العمل هنا، رغم ما نعانيه من مضايقات، إضافة إلى تدني قيمة الليرة اللبنانية، مقابل المدخول".

ويفضّل "أبو جاسم" العودة إلى بلاده والعمل هناك، إلا أن الخوف من الحرب وعدم توفير عمل يؤرقانه، ما يجعله يفكر بالبقاء هنا رغم كل الظروف التي يعيشها.  

وفي المقابل، يقول محمود سعد، مالك مزرعة: "إن العمال السوريين مهمون لنا وللمجتمع وهم يساعدوننا كثيرًا، بالنسبة للعديد من اللبنانيين، أصبح العمال السوريون جزءًا من حياتهم، حيث تطورت العلاقات لصالح الطرفين، فعلاقتي معهم تشبه علاقتي مع العمال اللبنانيين. إنهم الآن جزء من مجتمعي".

'منافسة العمال السوريين'

ويؤكد رئيس بلدية صور، حسن دبوق لوكالتنا أن "العمال السوريون موجودون في لبنان قبل الأزمة السورية، يعملون في مجال البناء، الواجهات الحجرية على وجه الخصوص، والزراعة، وهم نشطون في السوق، كمحترفين وحرفيين".

ونظرًا لأن العمال السوريين لم يكونوا غرباء على المدينة، ونظرًا لحقيقة أن صور معتادة على استقبال الأجانب الذين يأتون عادةً لزيارة المدينة باعتبارها واحدة من المواقع السياحية الرئيسة في جنوب لبنان، فقد تكيفت صور مع استضافة القادمين الجدد.

ويتابع: "إن فكرة قبول الأجانب تختلف في صور مقارنة بالقرى الصغيرة المحيطة، مدينة صور مفتوحة وذات عقلية منفتحة، مما ساعد في مقاربة وجود اللاجئين والتعامل معهم".

ويعتمد الاقتصاد في صور بشكل أساسي على الزراعة، حيث تمثل الأراضي الزراعية 44 في المئة من مساحة المنطقة الحضرية في المقاطعة. وبالتالي، فإن العمالة في صور تتركز في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات – وهي مهن لا تتطلب غالبًا مهارات عالية، وهي ذات أجور منخفضة. هذا ما يفسر تأثر اقتصاد صور بشدة بالحرب في سورية، خاصة بعد إغلاق طرق التصدير.

وقال دبوق: "كان تصدير منتجاتنا الزراعية الرئيسة إلى الدول العربية مصدر دخلنا الرئيس. حتمًا تأثر اقتصاد صور بشكل كبير بإغلاق الحدود، كما هو الحال في جميع أنحاء لبنان".

ونتيجة لذلك، زادت التوترات بين اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم بسبب المنافسة على الوظائف في المقام الأول. وتعتبر 65 في المئة من أسر اللاجئين أن المنافسة على الوظائف هي المصدر الرئيس للتوتر مع مجتمعاتهم المضيفة في صور.

وهذا ليس مفاجئًا لأن نحو 47 في المئة من اللاجئين السوريين ممن هم في سن العمل عاطلون من العمل في مدينة صور، في حين أن 42 في المئة من أسر اللاجئين السوريين في المدينة يشاركون في أنشطة كسب الرزق من الزراعة.

'شروط عمل قاسية'

وبيّنت دراسة لمنظمة العمل الدولية أن قرابة ثلث اللاجئين السوريين في سوق العمل اللبنانية عاطلون من العمل، وأظهر التقرير أن معظم اللاجئين السوريين العاملين في لبنان يعانون من تدني الأجور ومن ظروف عمل قاسية، فضلًا عن افتقارهم إلى المهارات والتحصيل العلمي.

وأكد التقرير أن اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى المواطنين اللبنانيين، يعانون عواقب عدم تنظيم سوق العمل. ويزيد العددُ الهائل للعمال السوريين ذوي الأجور المتدنية حدة العشوائية ويوسع القطاع غير المنظّم، ما يعزز الضغوط باتجاه تخفيض مستوى الأجور وتدهور شروط العمل. وهذا بدوره يؤثر سلبًا على المجتمعات المحلية المضيفة واللاجئين معًا ليزداد عجزهما عن العيش بكرامة أو تأمين سبل عيش كافية.

ووجدت الدراسة التقييمية لمنظمة العمل الدولية بأن العمال السوريين في لبنان يحصلون على أجور أدنى بكثير من نظرائهم اللبنانيين، ويتكون التقرير من مقابلات مباشرة واستبيانات شبه منظمة أُجريت مع 2000 شخص تقريبًا. فمتوسط الدخل الشهري للاجئ السوري هو أقل بنحو 40 في المئة من الحد الأدنى للأجور في لبنان والبالغ 675.000 ليرة لبنانية.

'اللاجئات.. والبطالة'

وأكثر من ثلثي النساء اللواتي يبحثن عن عمل في لبنان لم يتمكّنّ من العثور على وظيفة، وتبلغ نسبة العاملات من أصل إجمالي اللاجئين السوريين 20 في المئة، وأجورهن أدنى بنحو 40 في المئة من أجور نظرائهن الذكور.

ويهيمن القطاع غير المنظم على عمل اللاجئين السوريين، حيث إن 90 في المئة من اللاجئين العاملين يعملون دون عقد عمل نظامي. ويعاني واحد من أصل اثنين من العمال اللاجئين من آلام في الظهر والمفاصل أو من الإرهاق الشديد، بالإضافة إلى حالات الزكام والحمى الشديدة. ويتعرض ثلثا اللاجئين السوريين تقريبًا للغبار والأبخرة في أماكن العمل.

وتكشف هذه التقارير أن معالجة أزمة اللاجئين السوريين في لبنان تستدعي اتباع نهج كلي وشامل لمواجهة تحديات سوق العمل الموجودة أصلاً في لبنان وتحقيق توازن بين الدعم الإنساني والاحتياجات التنموية للمجتمعات المحلية المضيفة. وينبغي التركيز على خلق فرص عمل لائق من خلال إجراءات تنظم العمل غير المنظم، وتحمي الحد الأدنى للأجور، وتعزز السلامة في العمل، وتوفر الحماية الاجتماعية، وتشجع إقامة مشاريع مستدامة.

'البطالة.. والإرهاب'

البطالة بين الشباب اللاجئين أمر غالبًا ما يربط بينهم وبين الإرهاب، إذ يُنظَر إلى العاطلين عن العمل من شباب اللاجئين على أنَّهم أهداف سهلة لمُجنِّدي العمليات العسكرية على اعتبار أنَّهم يكوِّنون فئة يسهل استدراجها بتقديم إغراءات الحوافز المالية أو دغدغة عواطف الهدف في الحياة أو الهَوِيَّة الاجتماعية. لكنَّ الأبحاث تشير إلى غير ذلك، إذ ليس هناك أي علاقة سببية مباشرة بين اللاجئين الشباب والتطرف، كما إنَّ البطالة بحد ذاتها ليست إلاَّ عاملًا واحدًا لا غير من مجموعة عوامل عدة تقود إلى التطرف.

ولا نشكك في أنَّ فرص العمل الحقيقية للشباب اللاجئين محدودة بالفعل، ففي لبنان، مثلًا، ليس من بين اللاجئين السوريين أكثر من النصف ممن هم في فئة النشطين اقتصاديًّا، ثلثهم قادر على الحصول على العمل، والأغلبية الساحقة منهم يعملون في القطاع غير الرسمي وفي الأعمال التي لا تتطلب مهارات كبيرة. ومع ذلك، هناك تحديات تواجه اللاجئين الشباب تتعلق بالقيود المفروضة على الحركة والتوظيف، وهي تحديات تعكس ما يواجهه السكان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى الأخص منهم فئة الشباب. فمعدلات البطالة في لبنان، مثلًا، ارتفعت إلى قرابة 20 في المئة في حين تُقدَّر معدلات البطالة بين الشباب بـ 34 في المئة، ولا تختلف الأرقام كثيرًا عما عليه الحال في الأردن.

وكذلك، يُقدَّر أنَّ أعداد العاطلات من العمل "الإناث" لا تقل عن ضعفي عدد العاطلين من الذكور، وفي الأوضاع التي تعم فيها البطالة العامة، تقع الفئات الأقل قدرة والأضعف من ناحية رأس المال الاجتماعي (مثل اللاجئين الشباب) في مواقف تجعلها أكثر تضررًا.

(ح)

ANHA