​​​​​​​لبنان... طوابير الخبز والبنزين وتفاوت طبقي

يعيش المواطن اللبناني أزماتٍ يوميًّا، بفعل الأوضاع الاقتصادية وتعثر تشكيل الحكومة، فبعد طوابير الخبز التي شهدتها المناطق اللبنانية سابقًا، يعيش المواطن أزمة جديدة، وهذه المرة يقف في طوابير الوقود.

​​​​​​​لبنان... طوابير الخبز والبنزين وتفاوت طبقي
الإثنين 7 حزيران, 2021   03:18
بيروت – زياد أبو غزالة

لا تخلو منطقة لبنانية من مشهد طوابير السيارات أمام محطات الوقود، خاصة بعد الحديث عن رفع الدعم وانتشار أخبار لجوء بعض المستوردين والموزّعين وأصحاب المحطات إلى رفع الأسعار، ما دفع الناس للخروج إلى المحطات، لتعبئة ما يمكن الحصول عليه، ولتلافي ارتفاع الأسعار أو شحّ الكميات. ما خَلَقَ ضغطًا على المحطات، التي لم تستطع تلبية كامل الطلب، فعمدت إلى تقنين التوزيع، من خلال البيع بمعدّل يراوح بين 20 إلى 30 ألف ليرة فقط، وحصر المسألة بالسيارات وعدم تعبئة الغالونات البلاستيكية.

/ar/uploads/files/2021/06/07/061944_whatsapp-image-2021-06-06-at-11.17.55-am.webp

إلى ذلك، لا تبدو أن أزمة المحروقات تتجه نحو الحل، بل إلى مزيد من التصعيد، حتى وإن توفّرت كميات إضافية من المحروقات. فالمواطنون يسارعون للحصول على المحروقات قبل ارتفاع أسعارها، فضلًا عن أن عامل الخوف وغياب الثقة بإمكانية الحل، يزيدان معدّل الطلب.

'ضحايا الطوابير'

ويكاد لا يخلو يوم من حادثة إطلاق نار أو استخدام سلاح أبيض أمام محطة بنزين، حيث وقع إشكال بين موظف في محطة وقود وأحد المواطنين في منطقة البداوي شمال البلاد، ليتطور لاحقًا إلى إشهار مسدس حربي، عملت بعدها قوة من الجيش والمخابرات على تطويق الإشكال والذي عرف أنّ سببه عدم تمكن المواطن من تعبئة الوقود.

وقبل أسبوعين قُتل الشاب غيث المصري أمام محطة المحروقات التي تملكها العائلة في بلدة ببنين – عكار والسبب نفسه؛ زبون لم يرض عن كمية البنزين المخصصة. هذه الحادثة أدت فيما بعد إلى اشتباكات مسلحة داخل البلدة بين العائلات.

إشكالات كبيرة وتحطيم محطات تنقلت بين المناطق، وكان أعنفها ما شهدته إحدى محطات المحروقات في منطقة صور، جنوب لبنان، حيث حطّمت مجموعة من الأشخاص ماكينات تعبئة الوقود أمام أعين الناس، وأطلقت الشتائم والسباب بحق صاحب المحطة وعمالها والدولة على خلفية رفض عامل المحطة التعبئة لها.

'بنزين السوق السوداء'

وأمام إقفال محطات الوقود، انتشرت ظاهرة بيع البنزين في بعض الشوارع بأسعار مرتفعة، وابتزاز المواطن المحتاج إلى الوقود لبلوغ مركز عمله أو العودة إلى منزله، ويقوم الباعة بملء "غالونات" بلاستيكية سعة 10 ليترات المُعدة أصلًا للمياه، ويتم نشرها على حافة الطرقات العامة، ويتولى بعض الصبية بيعها، حيث تُباع بضعف الثمن الرسمي.

وأدت أزمة الوقود إلى عرقلة الحياة العامة في لبنان، وتلوح مخاطر إضافية في ظل الحديث عن وقف الدولة سياسة دعم المواد الأساسية، ومنها الوقود. لذا فإن شح البنزين أو رفع الدعم عنه يهدد استمرارية سائقي التاكسي والنقل العام.

وعبّر رئيس اتحاد النقل البري بسام طليس لوكالتنا، عن تخوّفه من المستقبل لأن "سائق التاكسي يُعاني، فمهنته متصلة مباشرة بتوفر الوقود".

وأكد طليس محاولة اتحادات النقل البري تجنب رفع التعرفة لأنها تؤثر في عامة الناس، وتحديدًا الفقراء الذين تدهورت قيمة دخلهم، كما أن الموظف العام والخاص لم يحصل على زيادة في معاشه.

ومن هنا، يعتقد أن الحل البديل يكون عبر "دعم صفيحة البنزين والمازوت لسائقي النقل البري"، وثانيًا "بدل خسائر عن قطع الغيار والصيانة".

وكشف طليس عن لقاءات تجريها الاتحادات مع ممثلين للحكومة من أجل "اعتماد بطاقة تمويلية للسائقين، أسوةً بباقي المواطنين اللبنانيين المحتاجين"، و"إقرار عدد محدد من صفائح البنزين المدعومة للسائقين العموميين"، وقد دخلت المباحثات إلى تحديد العدد والمستحقين، وأشار إلى أن جميع الخطوات تهدف إلى "الهرب من رفع التعرفة"، رافضًا الخوض في "الرؤية المستقبلية"، لأن كل "الأمور تخضع للنقاش في وقته".

'المظاهر... والوقائع'

وأمام هذه المشاهد القاتمة، تجد في المقابل ازدحامًا كبيرًا في معظم المطاعم على الرغم من أسعارها الخيالية، كذلك هو الحال في العديد من محال الألبسة والأحذية، وهناك حجوزات وإشغال بنسبة عالية في الفنادق والشقق، وأخذت بعض المسابح والمنتجعات التي فتحت أبوابها تشهد زحمة كبيرة على الرغم من ارتفاع أسعار الدخول، وهذه المظاهر توحي إلى أن هناك حالة من الرفاهية عند بعض اللبنانيين، فهل هم في رفاه ورخاء أم في ضيق وفقر؟

في الواقع، إن الفقر والعوز موجودان وهناك شواهد كثيرة على ذلك في ضواحي بيروت الشرقية والغربية وفي طرابلس والهرمل وعكار والمنية والضنية وصيدا والعديد من المناطق في جبل لبنان.

وفي تفسير ظاهرة الرفاه، يشير تقرير لـ "الدولية للمعلومات" إلى أن هناك 5 % من الأثرياء الأغنياء أي نحو 215 ألف فرد من أعداد اللبنانيين المقيمين يتميزون بقدرتهم الشرائية عالية.

وهناك نحو 200 ألف أسرة أي نحو 850 ألف فرد يتلقون تحويلات من الخارج من أهلهم وأقاربهم وتراوح قيمة الحوالة بين 200 دولار و2,000 دولار شهريًّا، ما يعطي هذه الفئة قدرة شرائية عالية.

وتفيد إحدى شركات تحويل الأموال الالكترونية أن مقدار التحويلات من الخارج عبرها يصل إلى 150 مليون دولار شهريًّا، وأن إجمالي تحويلات العاملين في الخارج تقدر بنحو 7 مليارات دولار سنويًّا وفقًا لتقديرات البنك الدولي.

وهناك لبنانيون يملكون ودائع كبيرة في المصارف (من ضمنهم فئة الـ 5% من الأثرياء والأغنياء)، وهؤلاء تمكنوا خلال الفترة الماضية من سحب وتحويل 36 مليار دولار من ودائعهم منها نحو 12 مليار بالدولار الأميركي، وبالتالي فهؤلاء لديهم قدرة إنفاق عالية.

وأدت الأزمة الاقتصادية إلى إقفال آلاف المطاعم والفنادق والمحال التجارية، وبالتالي من الطبيعي أن تشهد المؤسسات المستمرة بفتح أبوابها أعدادًا أكبر من الزبائن.

وتقدر أعداد اللبنانيين الذين كانوا يسافرون سنويًّا لقضاء إجازاتهم وعطلاتهم في الخارج بنحو 300 -500 ألف لبناني لا سيما منهم من كان يذهب إلى تركيا ومصر وقبرص، وقسم من هؤلاء ونتيجة تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار تحولوا إلى السياحة الداخلية ما أحدث تحسنًا في القطاع السياحي والفندقي.

ومع بدء موسم الصيف بدأت أعداد من اللبنانيين العاملين في الخارج بالتوافد إلى لبنان لقضاء العطلة الصيفية لعدة أسباب منها ما هو تقليدي ومنها لانخفاض كلفة المعيشة في لبنان لمن يملك عملات أجنبية، كما أنه بسبب كورونا أحجمت عن المجيء في العام الماضي.

ووفقًا لهذه الأرقام، هناك نحو مليون لبناني لديهم قدرة مالية وشرائية عالية ودخل مرتفع بالدولار (نسبة الـ 5% من اللبنانيين الأثرياء + 850 ألف لبناني يتلقون تحويلات بالعملات الأجنبية من الخارج) ما يعطي مظاهر رفاه غير واقعية وهي لا تلغي حقيقة أن هناك نحو 3 ملايين لبناني مقيم يعيشون في ظروف وأوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، وهذا يؤكد على استمرار التناقض الكبير الذي لا يزال موجودًا في لبنان.

'أرقام... وتقديرات'  

ويقدر عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان نحو 4.3 مليون نسمة، وتقدر نسبة الفقر بـــ 55% من اللبنانيين المقيمين أي نحو 2.365 مليون لبناني، منهم نسبة 25% دون خط الفقر أي 1.075 مليون، وهؤلاء لا يكفي دخلهم لتوفير الكميات الكافية والصحية من الغذاء، و30% منهم فوق خط الفقر أي 1.290 مليون، وهؤلاء يكفي دخلهم لتوفير الغداء ولكنهم يعانون من ظروف معيشية صعبة من السكن والملبس والتعليم وغيره.

وبحسب تقرير الدولية للمعلومات، فإن نحو 45 % من اللبنانيين المقيمين لا يتمتعون بأية تغطية صحية إلا ما تؤمنه وزارة الصحة العامة، كما تعاني معظم المناطق اللبنانية من انقطاع في التيار الكهربائي إلى أكثر من 10 ساعات يوميًّا. ولا تتوفر الخدمات الأساسية، خاصة مياه الخدمة في أكثر الوحدات السكنية، لا سيما في فصل الصيف، فيتم اللجوء إلى حفر الآبار الخاصة وشراء المياه من الصهاريج، كما لا تتوفر مياه الشرب أو لا يثق بها أكثرية اللبنانيين فيتم اللجوء إلى شرائها.

ويتقاضى أكثر من 95 % من العاملين في لبنان رواتبهم بالليرة اللبنانية التي فقدت 767% من قيمتها. فيما نسبة التضخم بلغت 85% في العام 2020 ونسبة 26% في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2021 أي ما نسبته 111%.

وتراوح الرواتب الشهرية لـ 70% من العاملين في لبنان ما بين 1.5 مليون ليرة - 3 ملايين ليرة، فيما بلغت نسبة البطالة 35% أي نحو 480 ألفًا، وهناك نحو 300 ألف يعملون بصورة متقطعة في مهن غير دائمة ولا تشكل استمرارية.

وارتفعت كلفة المواد الغذائية الاستهلاكية الأساسية لأسرة مؤلفة من 5 أفراد من 450 ألف ليرة شهريًّا في العام 2019 إلى نحو 1.250 مليون ليرة شهريًّا.  

(ح)

ANHA