لبنان في أصعب حقباته السياسية... أيام وساعات مفصلية

تواصل الحياة السياسية في لبنان تدهورها إلى مستوى غير مسبوق من السجالات بين فريقي رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، اللذان يتقاذفان الاتهامات باعتداء كل منهما على الصلاحيات الدستورية للآخر، فما هو مصير الحكومة اللبنانية؟

لبنان في أصعب حقباته السياسية... أيام وساعات مفصلية
السبت 5 حزيران, 2021   03:59
بيروت- زياد أبو غزالة

بعد أن وُصف هذا الأسبوع بالحاسم لتحديد مصير المبادرة التي يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، القائمة على تشكيل حكومة من 24 وزيرًا، يبدو أن مصيرها ما زال عالقًا عند عقدة تسمية الوزراء المسيحيين، حيث يصر فريق عون على عدم السماح للحريري بتسميتهم.

وإثر السجالات السياسية بين تياري "الوطني الحر" و"المستقبل" حول ملف تشكيل الحكومة، صعّد "المستقبل" برئاسة الحريري هجومه، واصفًا عهد عون بـ "أسوأ العهود في تاريخ لبنان".

ثم جاء الرد من مكتب الإعلام بالقصر الجمهوري، معتبرًا أن "استمرار هروب الحريري من تحمّل مسؤولياته في تأليف حكومة، يشكل إمعانًا في انتهاك الدستور ووثيقة الوفاق الوطني".

ما هي السيناريوهات المطروحة؟

يحكى حاليًّا عن أيام مفصلية - وربما عن ساعات فقط - أمام لبنان! فإما أن تبدأ الأزمة السياسية بالانفراج، وإما أن تتجه الأمور إلى مزيد من التصعيد، وتاليًا إلى مزيد من التدهور نحو الانهيار الشامل. فما هي الخيارات المطروحة حاليًّا، وما السيناريوهات التي ستنجم عنها كما يرى الكاتب اللبناني والوزير السابق ناجي البستاني خلال حديثه لوكالتنا؟

أولًا، نجاح جهود تشكيل الحكومة، والتي يلعب الدور الرئيس فيها حاليًّا رئيس مجلس النواب نبيه بري. وعندها ستتجه العلاقة بين كل من تياريّ "الوطني الحرّ" و "المستقبل" نحو نوع من المساكنة السياسية الإلزامية، إذا جاز التعبير.

وبذلك، سيكسب لبنان بضعة أشهر من شبه الاستقرار، على أمل التمكّن من تأمين بعض المساعدات والقروض الخارجية، ما سيسمح حكمًا بتأجيل الانهيار الشامل لبعض الوقت، ومع الاقتراب من مواعيد الاستحقاقات الانتخابية المتعددة، إما أن يتم التفاهم على تنظيمها بشكل ديمقراطي وهادئ، وربما يحصل تفاهم على هوية رئيس الجمهوريّة المقبل، وإما أن يرتفع منسوب التوتر من جديد، وستتفجّر الخلافات مرة أخرى، وهذه المرة بفعل التنافس الانتخابي الحتمي المقبل، علمًا أن هذا السيناريو الأخير هو الأكثر ترجيحًا.

ثانيًا، فشل جهود التشكيل، واضطرار الحريري إلى التنحي جانبًا، تحت وطأة الضغوط. لكن هذا الخيار الذي تتمنى بعض الجهات السياسية ضمنيًّا حصوله، على أمل إعادة إمساك السلطة التنفيذية بشكل واسع، كما كان حاصلًا مع حكومة تصريف الأعمال الحالية قبل استقالتها، غيّر مضمون النتائج على الإطلاق، والسبب أنّ "تيار المستقبل" لن يغطي أي شخصية سنيّة تُفرض عليه، ولن يسمي أو يُزكّي أحدًا، بل سيذهب إلى التصعيد.

وحتى في حال نجاح خصوم "المستقبل" في تأمين شخصية وازنة نوعًا ما لرئاسة الحكومة، فإنّ هذه الأخيرة ستواجَه بمعارضة شرسة قد تفوق تلك التي لقيها حسّان دياب وحكومته، علمًا أنّ خيارات تيار "المستقبل" تشمل أيضًا الاستقالة من مجلس النواب، لمحاولة قلب الطاولة على الجميع.

ثالثًا، فشل جهود التشكيل لكن مع استمرار رفض رئيس الحكومة المكلّف التنحي، وهو خيار يصرّ عليه لقاء "رؤساء الحكومة السابقين"، انطلاقًا من رفض إضعاف الموقع السنّي الأول، علمًا أن هؤلاء يشجعون الحريري على التمسّك بتكليفه وبشروطه، وأحدثها اشتراط الحصول على تأييد نواب "التيار الوطني الحرّ" وإلا لن يتم منح أي وزراء للتيار في الحكومة المقبلة، بل ثلاثة وزراء فقط لرئيس الجمهورية.

وفي حال حصول هذا الأمر، فإن نسبة التوتر السياسي على الساحة الداخلية ستبلغ ذروتها، وقد نشهد محاولة إضافية للتشكيل، تحت وطأة بدء حصول الانهيار الشامل على مختلف الصعد، وصولًا إلى احتمال حصول تطورات داخلية كبرى قد تعيد خلط الأوراق، من بينها مثلًا استقالة نواب "التيار الوطني الحرّ"، مع ما ستجلبه هذه الخطوة من خطوات لاحقة، منها مثلًا استقالة كتلة حزب "القوات اللبنانيّة"، في محاولة لسحب الميثاقية من المجلس الحالي الذي سبق أن استقال منه نواب حزب "الكتائب اللبنانية" وعدد من النواب المستقلين وأغلبيتهم من المسيحيين.

وعندها من الصعب إجراء انتخابات فرعية لتعبئة الفراغ الذي سيحصل، في ظل قرار "مسيحي" - إذا جاز التعبير، بالتصدي لهذا الخيار، والضغط نحو إجراء انتخابات نيابية شاملة مبكرة لإعادة إنتاج السلطة السياسية.

رابعًا، فشل جهود تشكيل الحكومة، وتنحّي رئيس الحكومة المكلّف، لكن ليس تحت الضغط، بل وفق تفاهم بين مختلف القوى المعنية، على تشكيل حكومة انتقالية تشرف على تنظيم انتخابات نيابية عامة، منعًا للسقوط بالفراغ الشامل.

وتدير هذه الحكومة "المحايدة" المفترضة، السلطة التنفيذية بالحدّ الأدنى المطلوب لمنع سقوط الهيكل على رؤوس الجميع. لكن التوافق على هكذا حكومة ليس سهلًا على الإطلاق، ولو كانت النيات صافية أساسًا لجرى التوافق على حكومة إنقاذ من اليوم، على أن تحضّر أجواء الاستقرار المطلوبة لتنظيم الانتخابات المقبلة.

متى اعتذار الحريري؟

بناء على المواقف التصعيدية المتشنجة، أصبح الواقع ينذر بانفجار الأزمة السياسية على الصعد المختلفة.

وفي هذا السياق يبحث فريق رئيس الجمهورية في أجندة من سلسلة خطوات تصعيدية متتابعة، وتغليفها بدعوة للحوار، سارع المستقبل إلى إعلان عدم مشاركته فيه. والمعركة مفتوحة سياسيًّا، قضائيًّا، وتهم بالفساد، ونزاع على الصلاحيات.

وفي ظل هذه الأجواء، عقد الحريري اجتماعًا لكتلة المستقبل، كان حازمًا في عدم التنازل. فكرر أكثر من مرة استعداده للاعتذار، ولكن عندما يحين الوقت، وهو من يختار التوقيت المناسب. ونفى البعض أن يقدم الحريري على الاعتذار، رغم تحميله مسؤولية التعطيل. ذلك لأن الاعتبار السياسي أبعد من هذا التفصيل، ولا يمكن التنازل لميشال عون، ولتبقى الأمور على حالها حتى نهاية العهد.

وحتى لو فكر الحريري بالاعتذار، سيكون محكومًا بالخطوة التالية، وهو لا يريد اتخاذ قراره بالتزامن مع حملة إعلامية تشير إلى أنه اعتذر بعد مطالبة فرنسية ودولية بذلك، وهناك من يعتبر أن الموقف الفرنسي المستجد له ارتباطات عربية وفاتيكانية وأوروبية وأميركية أيضًا.

'استنفار لمنع الاستقالات من المجلس'

أمام احتمال الاستعصاء، والذي ليس واردًا حتى الساعة، وفق أوساط نيابية، يبقى التركيز اليوم منصبًّا على كيفية الحَؤول دون حصول استقالات جماعية من المجلس النيابي، وبصرف النظر عن الكتل التي أعلنت اتجاهًا صريحًا للقيام بهذه الخطوة، علمًا أن هذه الأوساط، نقلت عن بعض النواب الذين استقالوا بعد انفجار مرفأ بيروت، ندمهم على هذه الخطوة والتي لم تحقّق الهدف المنشود منها، إذ إن الانتخابات النيابية المبكرة لم تحصل، كما أن النواب الآخرين لم يسيروا في هذا الاتجاه.

وبفعل هذه المعطيات، تشير الأوساط النيابية ذاتها، إلى أن السمة الأساسية ما زالت المراوحة من دون أي تطوّر، لأن كل فريق معني بالتأليف يعمل من أجل الحفاظ على الرصيد الشعبي الذي حقّقه بسبب ثباته على مواقفه منذ بداية مسار المفاوضات بين بعبدا وبيت الوسط، وبالتالي، فإن كل ما يجري الآن هو إعلان نوايا، إذا صحّ القول، وذلك وفق البيانات الأخيرة الصادرة عن تيار "المستقبل" و"التيار الوطني الحر"، والتي تؤكد عدم وجود إيجابيات من الممكن الرهان عليها، طالما أن ما من قرار واضح بتأليف حكومة في المرحلة الحالية، وذلك، بصرف النظر عن تأكيد التيارين على أن مصلحة رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، تقتضي تشكيل حكومة قبل انهيار الهيكل على رؤوس المواطنين بالدرجة الأولى.

وفي المحصلة، يمرّ لبنان بواحدة من أصعب الحقبات في تاريخه، بسبب تزامن الأزمة السياسية الحادة الحالية مع أزمة اقتصادية – مالية غير مسبوقة، وسط منطقة تعيش مرحلة التسويات الكبرى، وأقل الواجب أن تكون الساحة الداخلية اللبنانية مستقرة لمواكبة التغيير على مستوى الشرق الأوسط ككل. فهل ستحمل الأيام والساعات المقبلة أخبارًا سعيدة، أم أن سيناريوهات التشاؤم هي التي ستطغى؟!

(ي ح)