منظمة الصحة العالمية هل هي منظمة إنسانية أم سياسية؟

إن السياسة التي تتبعها منظمة الصحة العالمية اتجاه مناطق شمال وشرق سوريا منافية لكافة المبادئ والمواثيق الإنسانية، وإعلان ألمل-آتا وميثاق أوتاوا لتعزيز الصحة ومبادرة كوفاكس. وهنا لابد من طرح سؤال هل منظمة الصحة العالمية هي منظمة إنسانية أم سياسية؟  

منظمة الصحة العالمية هل هي منظمة إنسانية أم سياسية؟
الأحد 9 مايو, 2021   02:43
مركز الأخبار- أكرم بركات

تُعد المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، كمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وشبكة الناجين من الألغام، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة أطباء بلا حدود، ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش)، ومنظمة العفو الدولية، ومراسلون بلا حدود.... منظمات سامية ونبيلة لأنها تهتم بشؤون وحقوق الإنسان في العالم.

ومن بين هذه المنظمات أيضًا منظمة الصحة العالمية التي من أهم أهدافها توفير أفضل ما يمكن من الحالة الصحية لجميع الشعوب، ولتحقيق هذا الهدف بدأت حملة عام 1998 تسمى (الصحة للجميع في القرن الحادي والعشرين)".

وتعتمد منظمة الصحة العالمية على إعلان ألما-آتا من عام 1978، الذي يقول "إن الصحة تعني العافية الجسدية والعقلية والاجتماعية وليست مجرد الخلو من الأمراض، وهي حق أساسي للإنسان يجب أن ترعاه القطاعات الاجتماعية والاقتصادية بالاشتراك مع القطاع الصحي، وليس من المقبول سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا اختلال ميزان العدالة الصحية بين الناس، وبالأخص بين الدول المتطورة والنامية، كما أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية مهمة لتحقيق الصحة للجميع، فتعزيز الصحة ضروري أيضًا لصيانة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويملك الناس حق المشاركة الفردية والجماعية في تخطيط وتنفيذ برامج الرعاية الصحية، وتقع على الحكومات مسؤولية رعاية صحة شعوبها عبر إجراءات صحية واجتماعية كافية لتحقيق هذا الهدف".     

وتؤكد منظمة الصحة العالمية في مبادئها أنه ينبغي أن تكون درجة الصحة على مستوى يُتاح لجميع الناس، ومنتجة اجتماعيًّاً واقتصاديًّا. فالصحة تعتبر جزءًا أساسيًّا من التنمية البشرية المتطورة، ودستور منظمة الصحة العالمية يصحح من اكتمال السلامة بدنيًّا وعقليًّا والرفاه الاجتماعي، ووجود المرض أو العجز.

كما يؤكد ميثاق أوتاوا لتعزيز الصحة الذي وضع من قبل منظمة الصحة العالمية WHO عام 1986، على ضرورة بناء سياسة عامة صحية، وخلق بيئات داعمة، وتعزيز العمل المجتمعي، وتنمية المهارات الشخصية، وإعادة توجيه خدمات الرعاية الصحية نحو الوقاية من المرض وتعزيز الصحة.

في أواخر عام 2019 اجتاح فيروس كورونا المعروف بـ (كوفيد 19) معظم دول العالم، وحصد أرواح الملايين من الناس حول العالم.

بظهور فيروس كورونا ظهرت هشاشة الواقع الصحي في معظم الدول وفي مقدمتها أمريكا والصين وبريطانيا، حيث سجلت هذه الدول أعلى نسبة وفيات وإصابات في الأشهر الأولى، والآن تتصدر الهند القائمة. وترى المؤسسات المعنية بمجال الصحة العالمية أن الوقاية أفضل من العلاج، وطرح الخبراء عدّة طرق، منها فرض حظر تجول كلّي أو جزئي، وضرورة اتباع قواعد التباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامات والقفازات، واستخدام المعقمات وعدم مخالطة المصابين، وما إلى ذلك.

وبالعودة إلى منظمة الصحة العالمية التي من مهامها الأساسية تزويد شعوب العالم بالمواد الطبية اللازمة، وإرسال المعدات الطبية والأجهزة الخاصة لكشف المصابين بفيروس كورونا، والمنطقة الوحيدة التي لم تتلق الدعم من منظمة الصحة العالمية هي مناطق شمال وشرق سوريا التي يقطنها نحو 5 ملايين نسمة، على الرغم من المناشدات والنداءات التي وجهتها هيئة الصحة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا لمنظمة الصحة العالمية.

وأكدت هيئة الصحة في شمال وشرق سوريا في وقت سابق ضرورة تبني منظمة الصحة العالمية لمبادئها وعدم الانجرار خلف سياسات بعض الدول، ودعم مناطق الإدارة الذاتية بالمعدات الطبية. إلا أنها لم تولِ أي اهتمام لمناشدات الهيئة. وكان ردها أن المعدات والمساعدات الطبية سيتم إيصالها إلى مناطق شمال وشرق سوريا عبر حكومة دمشق التي تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة بذهنيتها الإقصائية.

ومؤخرًا تمكنت بعض المراكز الصحية في العالم من إيجاد لقاحات لفيروس كورونا، وبموجب ذلك أطلقت منظمة الصحة العالمية والمفوضية الأوروبية وحكومة فرنسا مبادرة كوفاكس في نيسان 2020، وهي مبادرة عالمية تهدف إلى الوصول العادل إلى لقاح كوفيد-19 بقيادة التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO).

والهدف الرئيس من مبادرة كوفاكس تمكين البلدان ذات الدخل المنخفض إلى المتوسط من الوصول العادل إلى اختبار كوفيد-19 والعلاجات واللقاحات بحلول 15 تموز 2020، بحيث يصل اللقاحات إلى 100 مليون بحلول آذار 2021، إلا أنها لم تحقق الهدف وقدمت حتى الآن 38.5 مليون جرعة.

في 22 نيسان 2021، تلقت سوريا 256,800 جرعة من لقاحات كوفيد-19، وهي أول شحنة لقاحات تصل من خلال منظومة كوفاكس، إذ وصلت 203 ألف جرعة إلى دمشق، بينما تم تسليم 53,800 جرعة إلى المنطقة المحتلة من قبل دولة الاحتلال التركي، وأرسل 645 لقاحًا فقط مناطق شمال وشرق سوريا. على الرغم من ارتفاع معدل الوفيات والإصابات في شمال وشرق سوريا بشكل ملحوظ، ففي 7 أيار سجلت هيئة الصحة 12 حالة وفاة، و58 إصابة جديدة بكورونا.  

وأكدت هيئة الصحة في شمال وشرق سوريا أن منظمة الصحة العالمية غير منصفة، ولا تعير أي اهتمام لأكثر من 5 ملايين نسمة في مناطق شمال وشرق سوريا. ووصفت السياسية التي تتبعها منظمة الصحة العالمية اتجاه المنطقة بـ " الإهانة".

بماذا تختلف سياسة منظمة الصحة عن السياسات التركية والروسية والسورية؟

وبالنظر إلى سياسية منظمة الصحة العالمية نرى أنها متناقضة مع مبادئها وأهدافها، وخاصة مبدأها السامي في توفير الرعاية الصحية لكافة شعوب العالم، ومع إعلان ألمل-آتا القاضي بأنه "ليس من المقبول سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا اختلال ميزان العدالة الصحية بين الناس، وبالأخص بين الدول المتطورة والنامية".

كما أن سياسة منظمة الصحة العالمية لا تختلف عن الفيتو الروسي القاضي بإغلاق معبر تل كوجر/ اليعربية أمام دخول المساعدات إلى مناطق شمال وشرق سوريا، وسياسات دولة الاحتلال التركي التي تحبس مياه نهر الفرات منذ أكثر من 4 أشهر، وقطع مياه علوك.

 (م)

ANHA