ترسيم الحدود البحرية شمالًا وجنوبًا: مشكلة استراتيجية للبنان...وروسيا تتسلل

في ظل الحديث عن تشكيل حكومة لبنانية جديدة وما رافقها من تعثّر، اشتعلت جبهات أخرى؛ أبرزها ترسيم الحدود شمالًا وجنوبًا، ما أجبر على تفعيل عمل حكومة تصريف الأعمال، بناء على ضغوط سياسية واستنادًا إلى المشكلة استراتيجية الملحّة، التي لا تحتمل انتظار موعد تشكيل الحكومة الجديدة للبت بها.

ترسيم الحدود البحرية شمالًا وجنوبًا: مشكلة استراتيجية للبنان...وروسيا تتسلل
الأحد 2 مايو, 2021   04:34
بيروت - زياد أبو غزالة

كل الخطابات الرنانة لا تحجب المحاولات الدؤوبة عند بعض الأطراف تجنب كأس العقوبات الاقتصادية المرة سواء عبر التهديد الفرنسي، أو عبر التلويح الأميركي المتكرر بسيف لوائح تضم كبار المسؤولين اللبنانيين.

ويقول المراقبون للمشهد اللبناني إن ضيق الهوامش المتاحة فرض استرضاء الإدارة الأميركية الجديدة، والذهاب نحو ترسيم الحدود ما يفتح باب التنقيب عن الغاز والنفط على مصراعيه، وهو الأمل المتبقي للبنان كي يخرج من واقعه المأزوم.

'عودة إلى الحدود'

وتستمر إسرائيل في عمليات التنقيب، وتهدد الثروة اللبنانية. وسورية لزّمت شركات روسية للبدء بالمسح. ولا بد للبنان من إظهار حقه وتثبيته جنوبًا وشمالًا. وهذه مسائل ضرورية واستراتيجية، لا يمكن تأجيلها، فيخسر لبنان مساحات وثروات بحرية.

الخبيرة في النفط والغاز لوري هايتيان تقول: "من غير احتساب أو توقع، أصبح ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية والشمالية يسيران معًا. هكذا شاءت الظروف، ولبنان محكوم بفرض حدوده وتثبيتها: جنوبًا لحماية 2290 كم مربع، وشمالًا لحماية مساحة تراوح بين 750 و1000 كم مربع. المشكلتان بحاجة إلى إصدار مراسيم. جنوبًا تفترض الحاجة إلى إصدار مرسوم يعدّل بموجبه المرسوم 6433 الصادر في العام 2011، ويوسع المجال اللبناني بمساحة 1430 كم مربع. أما شمالًا فلا بد من إصدار مرسوم يثبت الحدود اللبنانية، ما دامت المشكلة تعود أيضًا إلى العام 2011، فيما لم تلجأ سورية إلى تسجيل مساحة حدودها لدى الأمم المتحدة".

وتتابع لوري هايتيان: "لا شك في أن هذه المعضلات تتجاذبها السياسة في لبنان. ولكن بعيدًا منها، هناك حاجة ضرورية لتثبيت الحدود وإظهار الحق اللبناني. ورئيس الجمهورية ميشال عون يريد تولية الوفد نفسه المفاوض جنوبًا للتفاوض شمالًا مع سورية، مع إمكانية توسيع الوفد ليشمل مدنيين، لأن العلاقة مع دمشق تختلف عن العلاقة مع إسرائيل".

لماذا لم ترسم الحدود اللبنانية؟

تؤكد لوري هايتيان "أن هناك مشكلتين في لبنان منذ استقلاله، فسورية لا تعترف بلبنان لأنها تعتبر أن لبنان تاريخيًّا جزء من سورية الكبرى، وجنوبًا لبنان لا يعترف بإسرائيل وبوجود إسرائيل، وبالتالي، منذ الاستقلال أصبح التعامل بالأمر الواقع، وبأن الحياة مستمرة على ذلك الأسلوب، لكن اليوم عندما قرر لبنان الدخول إلى قطاع النفط والتنقيب عن الغاز، وتطور هذا القطاع، كان لا بد من ترسيم الحدود البحرية، وتحديد المنطقة الاقتصادية الخاصة بلبنان ليتمكن من الاستفادة القصوى من المياه في الشرق الأوسط، وأن يستطيع جذب شركات النفط".

وفي هذا السياق يزور رئيس الوفد الأميركي الجديد إلى المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول الحدود البحرية جون ديروشير، لبنان يومي السبت والأحد، وقد يتوصل إلى إمكانية استئناف المفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية يوم الإثنين في 3 أيار/ مايو. لكن هذا الموعد غير نهائي ومرتبط بما سيحققه ديروشير خلال زيارته، علمًا أن موقف الوفد اللبناني في ما يتصل بمساحة الحدود على حاله من دون أي تغيير.

'دهاليز السياسة'

ودخل تعديل المرسوم جنوبًا في الدهاليز السياسية، وأصبح في حاجة إلى توافق سياسي بين المعنيين. وهذا شرط أساسي يضعه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، للتوقيع على المرسوم. علمًا أن نص المرسوم أعده قبل مدة الوفد المفاوض وقيادة الجيش، وأرسل إلى وزارة الدفاع، وأرسلته الوزارة إلى رئاسة الحكومة. لكن دياب لم يوقعه بسبب ما يعتبره "خلافًا سياسيًّا" حوله، مشترطًا التوافق. والأمر نفسه ربما ينطبق على الحدود الشمالية مع سورية.

واستعيض عن عقد جلسة لحكومة تصريف الأعمال بعقد اجتماع وزاري للوزراء المعنيين في ملف ترسيم الحدود: رئيس حكومة تصريف الأعمال ونائبة الرئيس ووزيرة الدفاع زينة عكر ووزراء الأشغال والخارجية، بالإضافة إلى أعضاء الوفد المفاوض.

وشرح أعضاء الوفد ما لديهم من خرائط ووثائق لتثبت حق لبنان، مشيرين إلى ضرورة تعديل المرسوم ليحفظ لبنان حقه، فلا تؤثر عليه سلبًا عمليات التنقيب على الجانب الإسرائيلي، بل ليشكل المرسوم عامل ضغط على الشركات وعلى إسرائيل. ما يعني وقف عمليات التنقيب قبل عودة المفاوضات والاتفاق على الترسيم، وهنا يتوقع الوفد اللبناني الحصول على مساحة أكبر بكثير من 860 كم مربع.

ويأتي ذلك بعد جولة من الضغوط التي مارسها الوفد المفاوض على الحكومة والقوى السياسية. وقبل أيام وجه رئيس الوفد المفاوض العميد بسام ياسين رسالة واضحة إلى الحكومة والقوى السياسية عبر صفحته على فيسبوك، مشيرًا إلى أن هناك حقل غاز محتملًا في البلوك رقم 9، يتجاوز الخط 23 المحدد بمرسوم 6433 عام 2011، ويصل إلى البلوك 72 الذي تنوي إسرائيل التنقيب فيه، وهو من حق لبنان. علمًا أن شركة توتال العاملة في لبنان لا تريد الاقتراب من هذا الحقل، بسبب عدم التوافق عليه والبوادر الخلافية حوله. وبناء على هذه الضغوط عقد الاجتماع الوزاري لتوقيع المرسوم.

'روسيا تتوغل'

يصرّ المسؤولون الروس على نفي "طموحهم" في لعب دور في لبنان، لا بل يعتبرون أنه من الحصة الأميركية، وغير مهتمين به طالما أنهم موجودون في سورية. ولكن، بالنظر إلى الوقائع السياسية والجغرافية، فلا بد أن يكون لروسيا دور، وهي تنشط بحركة متعددة الاتجاهات في لبنان، أولًا مشاركة شركاتها في عملية التنقيب، وثانيًا تأهيل مصافي النفط، وثالثًا ملف اللاجئين السوريين ومبادرتها، ورابعًا النشاط الأخير حول تشكيل الحكومة، وخامسًا من خلال التنسيق مع حزب الله والزيارة التي أجراها وفد من الحزب إلى موسكو.

كل هذه الملفات لها أبعاد ترتبط ببعضها البعض. نفطيًّا، من خلال ما يمكن لموسكو أن تقدمه بين لبنان وسورية. وأمنيًّا وسياسيًّا أيضًا عبر الدور الذي يمكن لروسيا أن تلعبه بين حزب الله وإسرائيل سواء في سورية أو في لبنان. أسباب ونقاط كثيرة قد تدفع حكومة دمشق إلى تحريك ملف التنقيب عن النفط على الحدود اللبنانية السورية. لكن الأكيد أن هذا الأمر بالذات هو عبارة عن ملف تبت به موسكو.

'الأزمة كاملة'

في 9 مارس/ آذار الماضي وقـّعت حكومة دمشق عقدًا مع شركة "كابيتال" الروسية يمتد إلى أربع سنوات، لتقوم بعملية المسح والتنقيب عن النفط، وتبين من خلال العقد الموقع بين الطرفين أنّ الحدود البحرية التي رسمها الجانب السوري وخاصة في البلوك رقم "واحد" متداخلة بشكل كبير مع البلوك رقم "1" والبلوك رقم "2" من الجانب اللبناني، أي ما يُقارب 750 كم مربع داخل الحدود اللبنانية البحرية، وتأتي هذه الخطوة، بعد أن كان لبنان أطلق عام 2014 جولة التراخيص الأولى وعرض البلوك رقم 1 للمزاد واستدراج العروض، وقد قالت دمشق حينها إنّ "الترسيم الذي حصل لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد".

هذا التطور يثير مخاوف من شمول التنقيب منطقة تابعة للبنان، فهناك حدود غير مرسمة بين لبنان وسورية، وفق الخبيرة في مجال حوكمة النفط والغاز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "لوري هايتايان"، التي قالت إنّه "تبعًا للخرائط التي لدينا، فهناك تقاطع واضح بين كيفية تقسيم الجانب السوري للبلوكات رقم 1 و2 و3، وخصوصًا البلوك 1، وطريقة ترسيم حدودنا، بحيث هناك تداخل بين 750 و1000 كيلومتر مربع، وقد يكون في هذه المساحة موارد غازية للبنان".

ولفتت لوري هايتايان إلى أنّ الحكومة اللبنانية لم ترسل حتى اللحظة أيّ رسالة اعتراض أو شكوى عبر وزير خارجيتها إلى حكومة دمشق أو حتى تطالب بتوضيحات حول البلوكين رقم واحد واثنين ومكان الحفر وطبيعة العقد بشكل عام، للقيام بخطوات استباقية أو ردعية للحؤول دون حصول اعتداء، أو تتطرّق إلى موضوع إجراء مفاوضات مع الجانب السوري، على الرغم من أنّ هذه الحكومة تعدّ "صديقة لسورية"، مبدية مخاوف من غضّ السلطات اللبنانية الطرف عن حقوق البلاد من المياه المتداخلة مع البلوك السوري.

(ح)

ANHA