حلّ الأزمة السورية من مفهوم الأمّة الديمقراطية

في ظلّ التدخّل الإقليمي والخارجي الكثيف في سوريا، يمكن استخلاص نتيجة قد تكون بحدّ ذاتها أم النتائج التي مفادها: الشرق الأوسط عصيٌّ على الانشطار؛ خُلِق كتلة واحدة، استمر كذلك، يبقى وضعه هكذا، ويتعيّن الخطأ كله أنّ الهندسة السياسية التي قاربته كانت مجحفة خطّاءة، وهذا بحدّ ذاته إحدى أهم دواعي البحث عن نظرية جديدة، مناولة جديدة، فكرٍ جديد. أيّاً يكن: سوى أنّه لا بدّ أن يكون بالديمقراطي.

حلّ الأزمة السورية من مفهوم الأمّة الديمقراطية
الأحد 4 نيسان, 2021   05:01
سيهانوك ديبو

وإذا كان السوريون مدركين بمجملهم أنّ سوريا في هذه اللحظات تنعطف بشدّة كبيرة يسارًا ويمينًا، لا يمكن لأحد التكهّن بمصيرها وأين سينتهي بها ومنها هذه الأزمة، ولكنّهم ما زالوا -من المفترض- أنّهم يسألون أنفسهم؛ أيّة أسباب حملتنا إلى مثل هذه النتيجة؟ ومن المؤكّد أنّ أصواتٍ ما تعلو اللحظة وتصرّخ كي يتم وقف هذا التدمير؛ هم أنفسهم من الأساسيين الذين أدّوا إلى هذه النتيجة بعد توهّمهم أنّ النظام الاستبدادي آيل للسقوط، وسقوطه ليس إلّا مجرّد أيام. والنظام الذي وسم الحراك الثوري ومطالب الشعب أنّه متبوّع لثّلة إرهابيين، قابلته مصفوفات معارضة وأغلبها أوجدتها الصدفة؛ أي أنّهم معارضي الصدفة، وفعل حركيّة التاريخ لا يحتمل الصدف. وبات الطرفين إلى حدٍ غير مقبول مرتهنًا للماورائي وممثّلًا لأجندة الدول التي تدعم كلٍّ منهما على حِدا، ولا غرابة لو قلنا أنّ حجم العاطفة الممارسة والرغبة التي سادت، زاد من حجم الارتهان للجهات الخارجية؛ وبالأخص؛ منها صاحبة الخطوط الحمراء، فمن تركيا الأردوغانية وحدها صدر أكثر من مئة مرّة خطوطًا حمراء، وصدّقها البعض لآلاف المرّات، ولا غرابة لو قلنا أنّ حجم هذه العاطفة وهذه القيادات (من الطرفين) كان صانعًا مهمًّا لداعش كزمرة: موجودة؛ مستأجرة؛ مستباحة، في ظلّ التغيير المستمر لمشهد التحالفات طيلة السنين العشر المنصرمة، وكانت الأحلاف بما تحمل من أكلاف في إعادة انتاج مستمرّة، فتبدّلت المسمّيات كثيرًة من أصدقاء الشعب السوري إلى التحالف العسكري الإسلامي إلى الضامنين إلى الرّعاة أو غيرها.

ولأنّ المشهد ثوريّ في البدء وفي المتن وفي النهايات؛ لم يحتمل وجود هذين القطبين فقط أو لنقل هاتين التكويرتين فقط؛ فكان؛ لا بدّ من نهج وطريق ثالث: ليس مع النظام وليس مع المعارضة التي تشبه النظام في كل شيء وتختلف معه من يكون في السلطة فقط، والطريق الثالث الذي ظهر في شمال شرق سوريا؛ مكروه؛ محقود عليه؛ تتجنّبه التكويرتين، وببساطة تخاف منه، على عكس التاريخ وشعوبها الظمآى فإنّها تدرك وحدها معنى الحرية، والكُرد أكثر الشعوب في العالم عطشت لمذاق الحرية المغيّب عنه، ودأبت في كل مراحل تاريخه مع الشركاء لصناعة حرية المجتمع المتعدّد، وعلى الرغم من أكثر من مليون من ضحايا الكُرد في القرن العشرين وحده؛ لكنّهم بقوا خارج الدوائر الدولتية المفروضة، وفي الوقت نفسه، بقيت الشعوب الأخرى تعيش في سجون كبيرة مدراءها قيادات سلطوية ارتهنت أيضًا للخارجي الماورائي.

ومن المفيد أن نتناول قضية الفكر الأوجلاني في الحل السوري بالكثير من الواقعية؛ الأخيرة لا تصلح مع أصحاب الرغبات؛ مع أصحاب المواقف المسبقة؛ مع الرؤى الاستعلائية القوموية، مع الكيديين وأيضًا مع أحفاد آنكيدو. وحين الخلاص من هذه العُقَدِ؛ بالإمكان أن نتعامل اللحظة –بشكل مخصوص- أنّنا أمام حالة متقدّمة من توصيف أوجلان لأزمات الشرق الأوسط، ومن الخطأ الإحاطة بهذا الفكر على أنّه مقتصر على الكُرد وحدهم، لأنّه، أي هذا الفكر، أول ما ينطلق يتناول الحالة المستعصية للشرق الأوسط؛ أزمته؛ نكوصه؛ الاستيلاء على ثقافته، وسرق حضارته. ويطرح مفتاح حل قضية/ مشاكل الشرق الأوسط ليس في الحالة الجديدة، أي في وضع الشرق الأوسط الجديد- هذه الحالة إنْ تكن فستكون بعد مرور عقود –لا يمكن التكهّن الدقيق بها- مزدحمة بالمشاكل والاستعصاءات، وتكرار المشكلة مرّة أخرى لكن بأسلوبٍ آخر. وما يطرحه أوجلان هو الشرق الأوسط الديمقراطي بمفتاح حل القضية الكردية؛ الشرق الأوسط الذي هو فضاء مجتمعي واحد لا يمكن تقسيمه.

الرقّة تحرّرت لأنّ فكرًا ظلّ أقوى من الفكر الإرهابي الداعشي الذي أرعب أهل الرقّة وسوريا والعالم، ينطبق ذلك على الباغوز آخر متمحور في فكر الأمّة الديمقراطية (نظرية أوجلان). وينطبق ذلك أيضًا على ما قبلها من مناطق تحرّرت. وعلى عفرين التي ستتحرر وفق ذلك، فقط مكاملةً والبعد الموضوعي المتعلق بحدّ ذاته لطبيعة التدخّلين والتداخلات الإقليمية والدولية في سوريا؛ يُضاف إليه وقبله:  أنّ الشرق الأوسط بالأساس بقعة واحدة من الصعب فصلها نمطيًا.

كتبنا سابقًا حين تحرير الرقّة؛ أنّ الرسالة من رفع صورة أوجلان ليست في وارد الحقد  إلى الشعب التركي لحظة، وليس أيضًا كما يعتقد بعض الواهمين أنّه إشارة إلى احتلال (كردي) لمدينة (عربية)، وليس بالمشهد العبثي الذي يطلقه بعض من الأحياء المتوحّدين في فترة سابقة، سابقة لا تعود، أنّه تحالف تيار (ماركسي لينيني) مع (الامبريالية) الأمريكية. مع العلم أنّ التحالف حدث قبل ستين سنة ما بين روزفلت وتشرشل (الرأسماليان) وستالين (الشيوعي) ضد الظاهرة الفاشية النازية. تصحيحًا أنّ الأوجلانية فكر قائم بذاته؛ غير منقطع لا بل على صلة مع كل الأفكار التنويرية الشرقية والغربية التي سبقته. ومن لا يدرك ما هو الانعطاف في التاريخ؛ عليه أن يراقب حتى يحين وقت الطرق اليسيرة المستقيمة. في العموم الكُرد ليس من استجلب (الاستعمارات) إلى المنطقة بدليل أنّهم أكثر من دفعوا الأكلاف الباهظة في حراك الاستعمارات وتناوبه على المنطقة. في ذلك فإنّ الشعوب تملك ذاكرة جمعية قوية على جميع النقاط والمفصليات التي راكمت وأحدثت المشهد الحالي، وشعوب الشرق الأوسط بات المميّز لديها ذواكرها فقط؛ طالما كانت الأنظمة المستبدّة تحجب عنها المستقبل، لكن يبدو أنّ مثل هذا الحجب بات في معرض التشقق والاهتراء. الرسالة من رفع صورة أوجلان أنّ عاصمة لدولة إرهابية أساءت أول ما أساء إلى شعب سوريا. وشعوب المنطقة. والشعوب في العالم. ولأنّ داعش لم ينبت من الفراغ، ولم يأتِ من الهواء، ولم يسقط من السماء. فإنّه سيعود ولو باسم آخر؛ والإصرار في عدم عودته يعني الاحتكام إلى مشروع أقوى منه. وهذا سيكون الدّال الأساس في كيفية تجفيف منابع الإرهاب الفكرية. واليوم بدل من الاستمرار في حملات التشويه والتشكيك بمشروع أوجلان؛ من الدّهاء أن يتم التعامل مع هذه المرحلة وفكر يخلق الديمقراطية التي نحتاجها، نتعرف عليها وتتعرّف علينا وجه لوجه، والفكر الأوجلاني يخرج منه جميع الثقافات منتصرة، وجميع الانتماءات على قدر متساوي في الحقوق والواجبات.

جان فالجان، في رواية البؤساء، خرج من السجن بعد بقائه تسعة عشر عامًا، التهمة هي سرقة رغيف خبز، بعد خروجه يصبح شخصية مؤثّرة في مجتمعه إلى درجة كان ينظر له في أنّه هو المخلّص. في منتصف شباط المنصرم أتمّ أوجلان اثنين وعشرين عامًا في سجنه، والتهمة المبطّنة له استرجاع الخبز الذي سرقه الديكتاتوريين والسلطويين والفاشيين الذين باتوا يشكّلون عبًأ على شعوب المنطقة. هذه الشعوب وحين ترى اللحظة المناسبة تبدي عزمًا وقوة أن تسقط عروشهم. وقد سقط بالفعل بعض منها. لكن بعضها ما تزال في وضع آيل للسقوط. إنّها مسألة فكر ووقت فقط.