​​​​​​​مجلة أميركية تتساءل: هل الجيش الأميركي مستعد لمغادرة أفغانستان؟

إذا نجح بايدن في إخراج أميركا من أفغانستان في عام 2021، وتجنّب إلزام أميركا بمشاريع مشؤومة مماثلة في المستقبل، يمكنه حينئذٍ تحويل تركيز أميركا نحو حل العديد من المشكلات المحلية التي ابتليت بها البلاد منذ فترة طويلة.

​​​​​​​مجلة أميركية تتساءل: هل الجيش الأميركي مستعد لمغادرة أفغانستان؟
السبت 3 نيسان, 2021   08:21
مركز الأخبار

في صيف 2011، ألقى الرئيس، باراك أوباما، خطابًا للجمهور الأميركي أعلن فيه عن خطته إلى إعادة عشرة آلاف جندي أميركي متمركزين في أفغانستان، وهي الخطوة الأولى في خطته، لسحب أكثر من ثلاثين ألف جندي من الدولة التي مزّقتها الحرب في غضون فترة زمنية قصيرة، بحسب مقال لمجلة ذا ناشيونال إنترست الأميركية.

وبعد ما يقرب من عقد من الزمان، لم يتحقق إلى حدٍ كبيرٍ الوعد بشن حملة مستدامة "لبناء الدولة"، وفي حين تجنّب الرئيس، أوباما، بمهارة التزام أميركا بمشاريع بناء الدولة في أماكن مثل سوريا واليمن، فإنّ الولايات المتحدة الآن في عامها العشرين من حربها في أفغانستان، ولا تزال غارقة في عملية بناء الدولة التي يبدو أنّها لن تحصل.

لا يزال قرار الانسحاب من أفغانستان متقلّبًا إلى حدٍ كبير، حيث يتلقّى بايدن ضغوطًا من كلا جانبي الممر السياسي لتأجيل رحيل القوات القتالية الأميركية، وقال المسؤول التنفيذي نفسه: إنّ الموعد النهائي في الأول من مايو قد يكون من الصعب الوفاء به من الناحية اللوجستية. ويواصل وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، وكبير المفاوضين الأميركيين بشأن أفغانستان، زلماي خليل زاد، العمل ببسالة من أجل إنهاء دبلوماسي للعنف في أفغانستان، والذي قد يكون أكثر ملاءمة لكل من الولايات المتحدة والحكومة الحاكمة في كابول. ويدعو تقرير حديث صادر عن مجموعة دراسة أفغانستان التي عقدها الكونغرس، إلى تأجيل موعد الانسحاب "من أجل إعطاء عملية السلام وقتًا كافيًا لتحقيق نتيجة مقبولة".

كل الدلائل تُشير إلى أنّ بايدن يفكر في تمديد بقاء الجيش حتى تشرين الثاني/ نوفمبر، ويخبرنا التاريخ أنّ تاريخ الانسحاب الحقيقي قد يأتي بعد ذلك بكثير.

ولسوء الحظ، فإنّ منطق البقاء في أفغانستان لا تدعمه الحقائق على الأرض، فالقوات العسكرية والشرطة الأفغانية المدعومة لسنوات من قبل الولايات المتحدة والمسلحة/الممولة بما يصل إلى 87 مليار دولار، مصابة بالفساد المؤسسي العميق، كما أنّ القوات الأفغانية أثبتت عدم فعاليتها في مواجهة حركة طالبان التي حققت مكاسب كبيرة على الأرض منذ دخول وقف إطلاق النار لعام 2020 حيّز التنفيذ، وتسيطر الآن على ما يقرب من نصف البلاد.

ويوضّح تقرير صادر عن صحيفة واشنطن بوست بالتفصيل كيف غذّت الأموال الأميركية، الممنوحة للحكومة الأفغانية مع القليل من الإشراف، ثقافة فساد الدولة.

وعلى الرغم من المساعدة الكبيرة التي قدّمتها الولايات المتحدة لإعادة بناء الاقتصاد الأفغاني، فقد ارتفع معدّل الفقر في البلاد خلال العقد الماضي.

لقد فشلت أميركا في إحلال السلام والاستقرار في أفغانستان، وقد تكون حركة طالبان التي تتمتع بالمرونة بسبب الدعم الذي تتلقاه  جزء مهم من السكان الأفغان، شريكًا مفاوضًا غير جدير بالثقة، لكن من غير المرجّح أن تصبح الجماعة الإرهابية أكثر موثوقية خلال الأشهر الستة المقبلة أو حتى السنوات الست المقبلة. فالجهود الدبلوماسية لتشكيل حكومةٍ انتقاليةٍ تضم طالبان نبيلة، وتستحق المتابعة حتى بعد خروج أميركا من المنطقة، ولكن من غير المرجّح أن تنجح في ظل معارضة الرئيس الأفغاني، أشرف غني، للمقترحات.

إنّ البقاء في أفغانستان سيعرض للخطر 2500 جندي وامرأة أميركيين متمركزين هناك، ويمكن أن يصبحوا أهدافًا لهجمات طالبان.

ويجب على الرئيس بايدن أن يبذل قصارى جهده لمغادرة أفغانستان بحلول الموعد النهائي في الأول من مايو أو بالقرب منه، لأنّ البديل الوحيد المجدي للقيام بذلك هو استمرار الوضع الراهن الفاشل.

إذا تابع بايدن خطط الانسحاب الأميركية، فإنّ أجندته المحلية ترسم صورة واضحة لكيفية استخدام الموارد التي تم الالتزام بها في السابق لجهود بناء دولة فاشلة. قامت إدارة بايدن التي أخذت تعهّد حملة الرئيس بـ "إعادة البناء بشكل أفضل" بالمعنى الحرفي للكلمة، بطرح خطة بنية تحتية بقيمة 2 تريليون دولار، لمعالجة البنية التحتية المتدهورة للنقل في أميركا، وإحياء التصنيع الأميركي، وإعداد أميركا لمواجهة التحدي القادم لتغيّر المناخ.

وتواجه أميركا العديد من العيوب النظامية الأخرى، التي ظلّت لفترة طويلة بمثابة قنابل موقوتة كالرعاية الصحية، حيث إنّ أكثر من ثلاثين مليون أميركي غير مؤمّن عليهم، وأميركا لديها ضعف معدّل الوفيات الذي يمكن تحمّله من العديد من أقرانها الأوروبيين، على الرغم من إنفاقها عدّة مرات على الرعاية الصحية للفرد، كما كشف وباء فيروس كورونا الذي قتل ما يقرب من 550 ألف أميركي، عن المخاطر المأساوية المرتبطة بمثل هذا النظام المكسور.

كما أنّ ما يقرب من واحد من كل ستة أطفال في أميركا يعيش في فقر اعتبارًا من عام 2018، فالتهديد الذي يلوح في الأفق بتغيّر المناخ، والذي يحذّر الخبراء من أنّه قد يتسبب في خسارة 10.52٪ من الناتج المحلّي الإجمالي الأميركي للفرد بحلول عام 2100، (ناهيك عن الدمار البيئي الهائل والإمكانات وخسارة في الأرواح)، سيتطلب جهدًا وطنيًّا مستدامًا يتوسع إلى ما وراء أحكام خطة البنية التحتية لبايدن المصممة لمعالجتها.

إنّ مقارنة الإهمال الطويل لمشاكل أميركا المنهجية بالوقت والطاقة والموارد المخصصة لمشروع بناء دولة فاشل في أفغانستان، يرسم صورة واضحة للحاجة إلى بناء دولة أكبر في الداخل على حساب هذه الجهود في الخارج. في حين أنّ عقدين من الزمن لأميركا في أفغانستان قد فشلوا في التوصّل إلى حلول ذات مغزى للمشاكل الأساسية للأمة التي مزّقتها الحرب، فإدارة بايدن لديها الآن فرصة للتركيز على المشاكل المعقّدة، ولكن في نهاية المطاف قابلة للحل والتي تهدّد الجبهة الداخلية الأميركية، والعديد منها (الفقر، البنية التحتية ومكافحة المخدرات)، وإذا نجح بايدن في إخراج أميركا من عام 2021، وتجنّب إلزام أميركا بمشاريع مشؤومة مماثلة في المستقبل، فيمكنه حينئذٍ تحويل تركيزها نحو حل العديد من المشكلات المحلية التي ابتليت بها البلاد منذ فترة طويلة.

لا يستطيع بايدن ولا ينبغي له أن يدير ظهره لدور أميركا الذي لا غنى عنه في العالم، ولم تعطِ الأشهر القليلة الأولى له أي مؤشّر على أنّ لديه أي رغبة في التراجع إلى حصون أميركا، لكن 2 تريليون دولار تم إنفاقها على تطوير البنية التحتية التي طال انتظارها، تفعل أكثر بكثير لتعزيز مصالحها من 2 تريليون دولار تم إنفاقها على إعادة تشكيل أفغانستان على صورتنا الخاصة، لقد فهم أوباما ذلك قبل عقد من الزمن، والآن يعود الأمر إلى نائبه السابق لجعل هذا الحلم الذي طال انتظاره حقيقة واقعة.

(م ش)