​​​​​​​مسلسل آستانا.. تراجيديا سوداء لشرعنة الاحتلال

باتت نتائج اجتماعات آستانا واضحة في كافة مفاصل حياة السوريين، فما بين رسم خرائط نفوذ جديدة للبلاد وتقسيمها بين "ثلاثي الصفقات"، وتغيير ديمغرافية المناطق السورية من خلال تهجير أهاليها وتوطين آخرين يلائمون مصالحهم، يراقب السوريون بقلق وتساؤل ماذا ستفعل الجولات القادمة بدولتهم؟ 

​​​​​​​مسلسل آستانا.. تراجيديا سوداء لشرعنة الاحتلال
الإثنين 1 آذار, 2021   00:41
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

يستمر مسلسل "آستانا" بتكرار التراجيديا السوداء التي كتبها ويخرجها ما أسماهم السوريين، بثلاثي الصفقات "روسيا وتركيا وإيران" الذين دمروا البلاد، وهجّروا الشعب ويدّعون زورًا وبهتانًا أنهم حريصون على مصالح السوريين.

'بازارات سياسية'

خمسة عشر جولة عقدتها هذه الدول بدءًا من 23 – 24 كانون الثاني 2017، لمناقشة أزمة السوريين دون حضور أصحاب الأزمة، إلا أن النقاشات ونتائجها كانت أهدافها واضحة، وهي استمرار التفاهمات الروسية – التركية، ليس إلا.

جولات متتالية طغى عليها أسلوب الصفقات والبازارات السياسية، فكان يسبق كل جولة من آستانا جولة تصعيدٍ على الأرض، يستثمرها الرابح في طاولة المفاوضات التي تنتهي بتبادل نفوذ في المناطق السورية.

على الأرض، لم يقدّم مسلسل "آستانا" للسوريين أي حلول لأزمته بل استثمرها، فأنتج في جولته الرابعة التي عقدت في أيار 2017 اتفاق "خفض التصعيد"، والذي كان هدفه إعادة سيطرة قوات حكومة دمشق على مساحات واسعة من الأراضي السورية، بعد أن عجزت بدعم روسي وإيراني من تحقيق ذلك عبر القتال.

ووفق اتفاقية "خفض التصعيد" التي شملت 4 مناطق، كانت المجموعات المرتزقة التابعة للاحتلال التركي، وبأمر من الأخير، توقف القتال على كل الجبهات، عندما تهاجم القوات الحكومية منطقة ما، لتتدخل روسيا وتبرم "تسويات" تفضي إلى نقل المرتزقة وعائلاتهم إلى مناطق أقدمت تركيا على احتلالها في الشمال السوري.

وطبّقت هذه السياسة في أرياف دمشق وحمص وحلب التي سيطرت عليها قوات دمشق، بالمقابل احتلت تركيا عفرين وسري كانيه وكري سبي.

عبر مسلسل آستانا، أنهت روسيا وبمساعدة تركيا ما تسمى المعارضة السورية، وأمعنت في إذلالها، عبر تصوير مشاهد نقلها بالباصات الخضراء.

وعلى الرغم من أن الدول الثلاث سعت إلى إعطاء هذه الاجتماعات صبغة سياسية، إلا أنها كانت عسكرية بامتياز ولم تقدم على حل أي من الأمور السياسية والإنسانية التي كانت تتلطى ورائها هذه الدول كذريعة، وأبرزها ملف المعتقلين السياسيين وما تسمى باللجنة الدستورية.

وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي والباحث السياسي إبراهيم مسلم: "جرت عدة جولات سابقة من آستانا، ورعاة هذه الجولات يريدون تبديلها بمؤتمر جنيف. موسكو تريد أن تستلم الملف السوري، لكن الثمن يكون بإضفاء شرعية على الوجود التركي والإيراني في الأراضي السورية".

وأضاف مسلم: "ينص البند الأول من اجتماعات آستانا على وحدة الأراضي السورية، ولكن بخلاف ذلك، نرى أن سوريا مقسّمة بين موسكو وطهران وأنقرة، ومعروف عن تركيا أنها دولة محتلة، بينما تعتبر إيران وجودها في سوريا بموافقة من حكومة دمشق، لكن تركيا ترى وجودها في سوريا شرعيًّا وذلك عن طريق المرتزقة الموالين لها، وفي الوقت نفسه يناقشون ملفات الإرهاب، بينما المجموعات التي تموّلها تركيا جميعهم "إرهابيون"، وصنفتهم غالبية الدول المنخرطة في التحالف الدولي والأمم المتحدة كمجموعات إرهابية، في تناقض واضح، لموقفهم، فيما هم يركزون أكثر على مناطق الإدارة الذاتية".

وتابع: "يطالبون بوحدة الأراضي السورية، من دون التطرق إلى التهديدات التي تتعرض لها الأراضي السورية، وجميعنا يعلم أن الدولة التركية هي التي تهدد وحدة الأراضي السورية، وكذلك التدخل الإيراني، وبهذا الشأن يرون أنفسهم بديلًا عن مؤتمر جنيف".

'أفعال عكس الأقوال'

كانت الدول التي تسمّي نفسها الضامنة بينما يطلق عليها الشعب اسم "ثلاثي الصفقات"، تنسخ بياناتها عن الجولات السابقة وتدعي وحدة الأراضي السورية وسيادتها والحفاظ على ثرواتها وخيراتها، بالإضافة إلى مهاجمة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تمنعهم من السيطرة على سوريا وخيراتها.

وعلى الأرض كان الواقع مختلفًا بشكل كلّي، احتلت تركيا عبر "آستانا" مساحات كبيرة من شمال غرب سوريا وشمال شرقها مثل "عفرين وكري سبي وسري كانيه وإدلب وأجزاء من أرياف حماة واللاذقية وحلب".

هذه المناطق، وبتوثيق وسائل إعلامية ومنظمات كثيرة، أصبحت تابعة إداريًّا لولايات تركية، بالإضافة إلى رفع الأعلام التركية وفرض العملة التركية بدلًا من السورية وافتتاح مدارس وكليات تركية.

وعمل الاحتلال التركي ومرتزقته السوريون خلال السنوات الماضية، على تنفيذ عدد من الإجراءات التي تهدف إلى تغيير هوية المناطق السورية المحتلة كجرابلس والباب وإعزاز وعفرين وسري كانيه وكري سبي.

ومن هذه الإجراءات، إعلان ما تسمى الحكومة المؤقتة والمجالس التابعة لها في وقت سابق، بأنها تحضر لإصدار بطاقات شخصية، في خطوة خطيرة تهدد الهوية الوطنية السورية.

وبعد أن غيّرت ديمغرافية هذه المناطق من خلال ترحيل سكانها الأصليين وتوطين الآلاف من المرتزقة وأسرهم وخصوصًا التركمان، بالإضافة إلى رفع الأعلام التركية، فرض الاحتلال التركي التداول بالعملة التركية بدلًا من السورية.

وفي آخر خطوة لضرب مقومات الدولة السورية وهويتها، أصدر رئيس دولة الاحتلال التركي رجب طيب أردوغان، مرسومًا رئاسيًّا يقضي بافتتاح معهد وكلية تابعة لجامعة تركية في المناطق السورية المحتلة.

واتبع الاحتلال التركي سياسة التتريك في عفرين على وجه الخصوص، عبر إزالة أي رمز كردي في المدينة وتغيير أسماء الشوارع والساحات الرئيسة، وتجريدها من أي إشارة إلى هويتها الكردية، ونشر الأعلام التركية وصور أردوغان في الدوائر الرسمية والمدارس والأماكن العامة.

وقالت تقارير إعلامية عام 2019 إن ما يسمى مجلس عفرين التابع لمرتزقة الاحتلال التركي يتبع إداريًّا لولاية أنطاكيا (هاتاي) المجاورة.

'معاداة شمال وشرق سوريا والكرد’'

وعقد ثلاثي الصفقات "روسيا وتركيا وإيران" الجولة الـ 15 من اجتماعاتهم في مدينة سوتشي الروسية على مدار يومي 16و 17 من شباط الجاري.

وكعادتها، أطلقت هذه الدول، في بيان اجتماعها الختامي، المزيد من الاتهامات لشمال وشرق سوريا والكرد.

وختمت الدول بيانها بقرار عقد الجولة الـ 16 من مسلسل آستانا في مدينة نور سلطان عاصمة دولة كازخستان منتصف العام الجاري.

ورفض "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) ما تضمنه البيان الختامي لـ "آستانا 15" عبر بيان.

 واعتبر المجلس، البيان الختامي الذي أصدرته (إيران وتركيا وروسيا) "لا يمت بصلة لحقيقة واقع شمال وشرق سوريا، ودور الإدارة الذاتية".

وأضاف البيان: "مجلس سوريا الديمقراطية يندد ويدين ما ورد في بيان آستانا بخصوص شمال وشرق سوريا، ويعتبره إجحافًا بحق السوريين، ومشوّهًا ومُحرِّفًا للحقائق الموجودة”.

وحول ذلك قال مسلم: "عمليًّا، تعتبر هذه الجولة من آستانا، مسألة تفاوض بين روسيا وتركيا وإيران، حول كيفية إدارة مناطق سيطرتهم، وناقشوا من خلالها الوضع في إدلب ومناطق خفض التصعيد، وفي نفس الوقت الإدارة الذاتية، فهم يريدون إفشال مشروع الإدارة بكافة الطرق".

وأضاف: "إن المشاركين في آستانا يتفاوضون دائمًا حول شمال وشرق سوريا، وندرك جيدًا أن الدولة التركية هي التي تقف وراء ذلك".

'اجتماعات تشرعن الاحتلال'

وحول الهدف من استمرار عقد هذه الاجتماعات قال مسلم: "إن آستانا والمشاركين فيها يشرعنون لأنفسهم التدخل في الأزمة السورية، وبهذا فهم يريدون استمرار آستانا لضمان بقاء وجودهم على الأراضي السورية".

وأضاف: "التدخل التركي في الأراضي السورية كان بضوء روسي، وبموافقة من حكومة دمشق التي تتحرك بأوامر من الإدارة في موسكو، ابتداءً باحتلال تركيا لعفرين إلى سري كانيه، وكري سبي، وجميعهم متفقون على ضرب مشروع الإدارة الذاتية في المنطقة. وعليه، يمكن تعريف آستانا بأنه شرعنة لكل من الاحتلال التركي والإيراني على حد سواء".

'يقفون وراء ما يعانيه السوريون من معاناة'

وتطرق مسلم إلى الوضع الإنساني في سوريا، وقال إنه يمكن وصفه بالكارثي، بسبب انتشار جائحة كورونا المستجد، والتهجير، وأيضًا وجود أكثر من مليون ونصف المليون ما بين متوفى ومفقود، بالإضافة إلى ما يقارب 7 إلى 8 مليون، بين نازح ولاجئ ومهجّر، داخل وخارج سوريا. وأكد أن المتدخلين في الأزمة السورية يقفون وراء كل هذا.

واختتم مسلم حديثه قائلًا: "بعد القضاء على داعش من قبل قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي، استقرت الأوضاع قليلًا، لكن الهجمات التركية بعدها في الأراضي السورية واحتلالها لبعض المناطق، خلقت لدى حكومة دمشق فكرة أن الهجمات العسكرية على شمال وشرق سوريا من شأنها إضعاف الإدارة، وبالتالي إعادة السيطرة على هذه المناطق".

'التفاف روسي على العملية السياسية'

وبدوره قال المعارض والسياسي السوري علي رحمون: "مسار آستانا منذ انطلاقته كان محاولة حثيثة من قبل روسيا للالتفاف على قرار مجلس الأمن الدولي 2254 الساعي لحل الأزمة السورية".

وحول المرحلة التي وصل إليها مسار آستانا قال رحمون: "من خلال إحاطة بيدرسن أمام مجلس الأمن تبين أن حقيقة الوضع وصلت إلى مرحلة حرجة جدًّا، وبالتالي إلى انسداد الأفق أمام اللجنة الدستوريةـ ودعا المبعوث الأممي إلى ضرورة وجود تدخل وتنسيق دولي جاد للتقدم في هذا الملف، لكن كما ذكرنا مسار هذه اللجنة أصبح في مرحلة حرجة جدًّا، وبالتأكيد أن النظام السوري هو الطرف المعطل لكل ما قدم له من اقتراحات، لذلك فإن المسار بشكله الحالي أصبح صعبًا جدًّا، وأن الأفق مسدود إن لم يطرأ أي تغيير في الدفع الدولي لهذا الملف".

وأوضح أنه "حتى الآن كل ما يقوم به بيدرسن أو المجموعات الدولية غير واضح المعالم، وهذا دليل على أن المجتمع الدولي غير معني حتى الآن بشكل جدّي بإيجاد الحل السياسي المنشود لسوريا، ورغم محاولات بيدرسن في الفترة الأخيرة عبر زيارته للنظام السوري الذي باعتقادي أنه قد أطلق رصاصة الرحمة على العملية التفاوضية من خلال رفضه التعاطي الجدي مع أي عملية سياسية وضمن أي أطار سياسي، وبرز ذلك بشكل أساسي عندما طالب وزير خارجية النظام فيصل المقداد بعدم التدخل الخارجي بشؤون اللجنة الدستورية وعدم فرض أي إطار زمني لعملها، إضافة إلى أن المقداد شن هجومًا واضحًا على الوجود الأمريكي وتصريحات أخرى غير مسؤولة من قبل هذا الوزير".

'دول محتلة وليست ضامنة'

رحمون تحدث عن دور الدول التي تسمي نفسها "الضامنة" قائلًا: "هي لم تكن ضامنة أبدًا للاتفاقات التي تم التوافق عليها، كل منها حاولت أن تعمل وفق مصالحها وأهوائها، ونلاحظ أن الروس منذ دخولهم سوريا كان همهم الوحيد هو المحافظة على هذا النظام، والأتراك كان همهم هو أيضًا أن تكون لهم اليد الطولى في تقرير مصير السوريين، لذلك كانت تركيا الرابح الأكبر من هذا المسار، إذ احتلت أجزاء من الأراضي السورية، على رأسها عفرين وتمارس عملية تتريك واضحة فيها، وهناك الآن في سري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض انتهاكات متعددة من قبل المرتزقة التي تدعمها تركيا، والتي تنتهك كل حقوق البشر الموجودين في تلك المنطقة بعد أن قامت بتهجير أكثر من 250 ألف مواطن من تل أبيض ورأس العين، وسابقًا تم تهجير أكثر من ذلك في عفرين".

وأضاف: "استغلت هذه الدول من خلال تواطئها مع بعضها البعض كي تقضم جزءًا من الأراضي السورية وتحتلها، حيث سيطرت روسيا على مقدرات هذا البلد الاقتصادية، ولاحظنا أن هناك اتفاقات اقتصادية كبيرة من استثمار حقل الشاعر للغاز إلى مرفأ طرطوس وبعض حقول النفط ومناجم الفوسفات".

'أكاذيب وحرب إعلامية على شمال وشرق سوريا'

وحول الاتهامات التي أطلقتها الدول الضامنة لمناطق شمال وشرق سوريا قال رحمون: "هي أكاذيب باطلة، فالنظام يستخدم نظرية كوبلز الشهيرة "اكذب ثم اكذب، لا بد من أن تجد من يصدقك" وبالتالي نتيجة ضعفه وعجزه يمارس هذه السياسة الديموغاجية، ويأتي موقفه أيضًا متناغمًا مع الموقف الروسي، بحيث يحاول إعادة السيطرة على كل الأراضي السورية، وبالتالي لم يتعامل في أي لحظة بجدية مع أي محاولات حل الأزمة السورية بالشكل السياسي المطروح".

وأضاف: "النظام السوري يحاول من خلال الأكاذيب ومن خلال القوة والبطش من جهة أن يستعيد كامل المناطق السورية تحت سيطرته ليعود نظام الاستبداد كما كان عليه عام 2011 وما قبل".

وتابع: "النظام السوري لا يزال يستجر النفط من هذه المناطق، يضاف إلى أنه اشترى جزءًا من القمح الموجود في المنطقة لكن نتيجة فارق الأسعار الذي تم بموجبه تسعير حبوب القمح استنكف عن شراء الكميات التي تكفي له لأن الإدارة الذاتية قد سعّرت القمح بسعر أعلى، وبالتالي حاولت أن تعوض الفلاح عن حقوقه ومستحقاته، لكن النظام وكما تعودنا عليه دائمًا وأبدًا يرغب أن يستغل الجميع ويسرقهم لجيوبه الخاصة، وبالتالي فشل في أن يحقق ما كان يفعله سابقًا لذلك يلجأ إلى الأكاذيب وإلى الديموغاجية الإعلامية من أجل تحريض الناس على هذا السلوك".

 وأوضح أنه "لو لاحظنا كمحايدين أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية في شمال وشرق سوريا هي أفضل مما لا يقاس من المناطق التي يسيطر عليها النظام، إذ أصبحت نسبة الفقر في المناطق التي يسيطر عليها النظام تفوق التسعين بالمئة ومستوى الدخل واضح تمامًا".

واختتم المعارض والسياسي السوري علي رحمون حديثه قائلًا: "من يعمل على تقسيم سوريا هي الدول المحتلة والضامنة لمسار آستانا وغيرها، وفي مقدمتها روسيا وتركيا وإيران وبموافقة ومشاركة النظام السوري".

(ح)

ANHA