أزمة البنزين تستمر.. وطوابير السيارات تزداد طولًا

تشهد معظم المناطق السورية أزمة انقطاع مادة البنزين الذي يستمر سعره في الارتفاع، وسط اتخاذ الحكومة قانون قيصر تبريرًا لتضليل الشعب، فيما يقول الشارع السوري إن الوضع الاقتصادي بات "لا يُحتمل".

أزمة البنزين تستمر.. وطوابير السيارات تزداد طولًا
أزمة البنزين تستمر.. وطوابير السيارات تزداد طولًا
أزمة البنزين تستمر.. وطوابير السيارات تزداد طولًا
الجمعة 22 كانون الثاني, 2021   01:29
حلب

وتستمر أزمة انقطاع مادة البنزين في التفاقم، في المدن والمناطق السورية وفي مقدمتها مدينة حلب، خصوصًا عقب تخفيض الحكومة "مستحقات المحافظات من مادتي البنزين والمازوت". 

وعلى الرغم من الوعود التي قدمتها الحكومة على لسان مسؤوليها لإنهاء الأزمة "قريبًا"، إلا أنها لم تنفرج بل بدأت بالتفاقم، وطرأت على إثرها العديد من المنعكسات التي ضربت الشارع السوري المنهك، وأبرزها في قطاع المواصلات (الداخلية منها على وجه الخصوص).

'مشكلة النقل الداخلي'

إن المشاكل التي خلّفها نقص مادة البنزين كثيرة، ولعل أبرزها ظهور طوابير تمتد كيلومتراتٍ، وتغلق العديد من الطرق الفرعية والرئيسة، نتيجة تكدّس السيارات بانتظار دورها أمام محطة الوقود (الكازية).

فنتيجة ارتفاع أسعار مادة البنزين في السوق السوداء ارتفعت معها أجور السيارات العمومية التي تعمل على البنزين، مما أدى إلى توجّه معظم فئات المجتمع إلى وسائل النقل العامة لتلبية متطلباتهم في التنقل.

فمثلًا إذا أردت أخذ سيارة أجرة من حي الأشرفية باتجاه جامعة حلب بمسافة تقدر بـ 3 كيلو مترًا، تسعيرة العداد تشير إلى 725 ليرة سورية، لكن صاحب التكسي (سيارة أجرة) يطلب حوالي 3000 ليرة، أي أن كل كيلو مترًا بألف ليرة سورية.

بينما يقطع باص النقل الداخلي وبالتحديد خط "الدائري الشمالي" وسط المدينة، حوالي 7 كيلو مترًا بتسعيرة محددة، وهي 100 ليرة سورية، أي أقل بـ 30 مرة من تكلفة التكسي ما يجعله محط إقبال للأهالي.

لكن مع الإقبال يزداد الضغط عليها، ما يظهر حقيقة ضعفها الجدّي في القيام بمهامها، نتيجة النقص الحاصل في عدد مركباتها.

حيث إن أردت التنقل مثلًا من أحد الأحياء الواقعة على مسار خط الدائري الشمالي في مدينة حلب، والذي يبدأ من حي الشعّار وينتهي عند كلية الهندسة المعمارية في مدينة حلب، فلابد لك من الانتظار على الموقف (موقف الباص) ما يقارب النصف ساعة كإجراء روتيني، هذا إن توفر لك مكان لتكمل طريقك واقفًا في إحدى الباصات.

'ليس ذنبنا'

وعند السؤال عن أسعار مادة البنزين في السوق رأينا أن لتر البنزين المدعوم، أوكتان 90، يباع في محطات الوقود وفق مخصصات البطاقة الذكية بسعر 450 ليرة، بعد فترة مكوث في الدور تقارب الـ 3 - 4 أيام.

أما إن أردت اختصار الطريق على نفسك، فتلجأ إلى السوق السوداء بحسب نصيحة العم أبو عبدو أحد سائقي التكسي في المدينة.

إن أسعار السوق السوداء تتضاعف 7 إلى 8 مرات عن السعر الحقيقي للبنزين، فتختلف الأسعار من بائع إلى آخر، حيث يبدأ من 2600 ليرة سورية، ويصل إلى 3000 ليرة سورية.

وعلى الرغم من وجود قانون تشريعي يحمل رقم (42) صادر عن الرئيس السوري بشار الأسد عام 2008، يجرم فيه كل من يحاول تهريب المشتقات النفطية أو المتاجرة بها أو كل من يمتلك كميات من هذه المواد تزيد عن الحدود الطبيعية، أو حيازتها دون مسوغ قانوني.

بيد أن بعض الباعة يعمد إلى التخفي والتواري عن الأنظار أثناء البيع، والبعض الآخر من فئة "المدعومين" أو "الشبيحة" فيبيع بالعلن وأمام أنظار الجميع كما يقال "على عينك يا تاجر" دون حسيب أو رقيب.

عندما تحدثنا إلى العم أبو عبدو، أوضح لنا أنه لا ذنب لهم في رفع التسعيرة، فهم يقومون قدر المستطاع بتوفير لقمة عيشهم، ويقول بهذا الخصوص: "إن وقفت في الدور النظامي 4 أيام، فعلّي زيادة الأجرة في الأيام الثلاث الباقية من الأسبوع كي أستطيع إخراج فارق مكوثي في الدور وإطعام أسرتي".

وأمضى متابعًا " أما إذا أردت اختصار الطريق والشراء من السوق السوداء فعليّ دفع تسعة أضعاف ثمنها الأصلي، وبالتالي الحساب واحد ولا تحتاج إلى اثنين للنقاش بها".

أما عن الخوف من المسألة القانونية في رفع التسعيرة يقول أبو عبدو: "أي مسألة، ألا تعلم الحكومة بأحوالنا؟ وفي أسوأ الأحوال سيصدقنا شرطي مرور ويقبل بـ 500 ليرة كبرطيل (رشوة) لغض النظر عن ذلك"

'المواصلات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية'

إن المواصلات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ليست أقل سوءًا من باقي أحياء المدينة، فالمواقف تشهد ازدحامًا، والكثير من الأهالي يقفون لأوقات طويلة أمام المواقف، لكن دون جدوى.

إحدى المواطنات المتوجهات إلى مناطق الحكومة السورية (ن، ب) قالت إنهم يعانون من الوقوف لساعات تحت أشعة الشمس بانتظار وصول "سرفيس" لينقلهم إلى وجهتهم.

واشتكت (ن، ب) من الواقع الحالي للسرافيس، وقالت إنها لا تستطيع السير، فهي تبلغ من العمر (52 عامًا)، وتعاني من التهاب المفاصل، وإلا لكانت قد أنهت جميع مشاويرها سيرًا على الأقدام، دون الحاجة إلى وسائل للنقل.

'الأزمة على لسان المتعايش'

عند تواصلنا مع أحد طلاب كلية العلوم الإنسانية في حلب، والذي يسكن في حي الشيخ مقصود، وفضّل عدم الكشف عن اسمه، بيّن أنهم يواجهون صعوبة من ناحية التنقل للوصول إلى الجامعة نتيجة النقص في عدد وسائل النقل الداخلي.

فبدلًا من أن يمشي الطالب مسافة 400 متر من بيته ويركب في باص خط "الدائري الشمالي" ليذهب إلى جامعته، يضطر يوميًّا إلى المشي مسافة 1،5 كيلو مترًا للوصول إلى الدوار الأول في حي الأشرفية، وركوب إحدى السرافيس للوصول إلى وجهته.

ويقول بهذا الخصوص: "إن الباصات التي تعمل على خط الدائري الشمالي، والتي كانت تقلنا، باتت لا تتوقف على المواقف المخصصة لها، لعدم وجود مكان للتوقف حتى"، ويشير إلى أن موقف حي الأشرفية الذي يتوجه إليه، يعتبر نقطة الانطلاق، لذلك يحصل على مقعد بعد المشي مدة نصف ساعة، والوقوف مدة عشر دقائق أمام النقطة.

أما (م، ر) فهو أحد المصطفين في دور الكازيات يقول "منذ يومين، و50 سيارة أمامي، لو أن الدور يمشي بشكل نظامي وشريف، لكنت أخذت مستحقاتي خلال ساعتين على الأكثر، إلا أنني جالس هنا منذ يومين ولم أتحرك سوى 15 مترًا فقط، لأنني لم أدفع 10 آلاف للضابط المراقب".

ويشير (م، ر) إلى أن كل شيء غالي وباهظ الثمن، "حتى إن الرشوة العلنية ارتفع سعرها خلال هذه الفترة، من 5 آلاف إلى 10 آلاف" على حد تعبيره.

ويلجأ بعض المواطنين إلى دفع هذه المبالغ للحصول على مستحقاتهم، وتجنب الوقوف في الدور لأيام، لكن بعضهم لا يستطيع تحمّل تلك التكاليف، فيضطر إلى الوقوف لأيام إلى أن "يفرجها الله" على ما أفاد (م، ر).

'إبرة بنج، ورفع السعر رغم الأزمة'

الأزمة ما زالت قائمة وطابور السيارات على الكازيات لم يختلف، سوى أن عدد السيارات ازداد أضعافًا، وبات الدور يمكن رؤيته من منطقة الجبانات في حي الشيخ مقصود، وقد وثّقت كاميرا وكالتنا هذه الأعداد الهائلة من السيارات المصطفة خلف بعضها البعض.

في أول تعليق على أزمة الوقود التي بدأت آثارها بالظهور على الأرض، أعلنت وزارة النفط في حكومة دمشق أنها خفضت بشكل مؤقت كميات البنزين الموزعة على المحافظات بنسبة 17 في المئة، وكميات المازوت بنسبة 24 في المئة.

وأضافت أن التخفيض مستمر إلى حين وصول التوريدات الجديدة، التي يتوقع أن تصل قريبًا، وبما يتيح معالجة هذا الأمر بشكل كامل، وبررت الإجراء لـ "إدارة المخزون المتوفر وفق أفضل شكل ممكن".

هذا ما يصفه الشارع السوري بإبرة بنج، لكبح الشعب إلى حين إيجاد منفذ لتأمين شحنات النفط، أو التمهيد لرفع أسعار المحروقات كسياسة تنتهجها الحكومة في كل مرة أرادت رفع أسعارها.

وبالفعل فقد أقرت وزارة التجارة الداخلية بتاريخ 19 كانون الثاني الجاري، أمرًا يقضي بتحديد سعر مبيع ليتر البنزين الممتاز المدعوم للمستهلك بـ 475 ليرة سورية.

وحددت وزارة التجارة في القرار سعر مبيع ليتر البنزين الممتاز غير المدعوم للمستهلك بـ 675 ليرة سورية، كما حددت الوزارة سعر مبيع ليتر البنزين “أوكتان 95” بـ 1300 ليرة سورية.

وبهذا يرتفع سعر البنزين 25 ليرة سورية لليتر الواحد بإجمالي زيادة 500 ليرة سورية للتنكة الواحدة.

وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك قد رفعت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي سعر البنزين المدعوم وغير المدعوم إلى 450 ليرة سورية للمدعوم، بينما حددت سعر ليتر البنزين الممتاز غير المدعوم بـ 650 ليرة سورية.

'إلقاء اللوم على قيصر'

رئيس مجلس الوزراء في حكومة دمشق، حسين عرنوس، قال أمام مجلس الشعب في 24 من أيلول عام 2020، "سنعمل بكل الوسائل على ألا تتكرر هذه الأزمة، لكن الحصار يفرض علينا تحديات تتطلب منا التعامل معها بشكل آني" في إشارة منه إلى العقوبات الأميركية.

وعند مراجعتنا لقانون قيصر المفروض من قبل الولايات المتحدة الأميركية على سوريا، وبالتحديد المادة 101 الفقرة الثانية "ب" التي تنص على ما يلي:

يكون الأجنبي عرضة للعقوبات المالية إذا تعمد إلى: بيع أو تزويد سلع وخدمات وتكنولوجيا ومعلومات مهمة، أو تقديم دعم قد يفيد مباشرة وبشكل أساسي في تسهيل صون أو زيادة الإنتاج المحلي السوري من الغاز الطبيعي، أو المنتجات البتروكيميائية أو النفط أو المنتجات النفطية ذات المنشأ السوري.

البيع إلى سوريا أو تزويدها بنفط خام أو مكثفات، أو منتجات نفطية مكررة، أو غاز طبيعي مسال، أو منتجات بتروكيميائية بقيمة سوقية تبلغ 500 ألف دولار أو يزيد، أو تلك التي تصل قيمتها السوقية الإجمالية إلى مليوني دولار أو يزيد خلال 12 شهرًا.

أي أن البضائع التي يستهدفها قانون قيصر تشمل التي تستخدمها الحكومة السورية في كافة نشاطاتها، ولا يمكن تجاهل صعوبة تأمين النفط النابعة من ضعف القدرة الشرائية للحكومة في وقت تنهار فيه العملة الوطنية.

يأتي ذلك نتيجة استهداف القانون بالدرجة الأولى التعاملات المالية للمصرف السوري المركزي، مما سبّب تدهور الليرة وفقدان القطع الأجنبي، وبالتالي خلقت للحكومة صعوبات في تأمين متطلباتها المتنوعة.

ويرى المراقبون أن هذه الأزمة ستستمر وتتفاقم وتزداد على مدار عام كامل، إلى أن تنتهي فعالية القانون في 31 ديسمبر من عام 2021، هذا إن لم تقبل الحكومة السورية بالعمل وفق مقررات جنيف 2254، وتتخذها حلًّا ومخرجًا من الأزمة السورية.

(م، ع/س ر)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/BMnyfv8gLxE" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>