قرارات حكومة دمشق تزيد العبء على المواطنين .. رفع أسعار الاسمنت نموذجاً

بدلاً من أن تصب قراراتها في مصلحة الشعب السوري وتأمين حياة كريمة له في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها، تصدر الحكومة السورية بين الحين والآخر قرارات تزيد العبء على المواطنين وتزيد من نفوذ وتحكم القوى الداعمة له في التحكم بالاقتصاد السوري.

قرارات حكومة دمشق تزيد العبء على المواطنين .. رفع أسعار الاسمنت نموذجاً
الثلاثاء 12 كانون الثاني, 2021   03:36
دمشق – نسرين خليل

وتسبب القرار الذي أصدرته وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، بتحديد أسعار مادة الاسمنت إلى ارتفاع أسعار العقارات وهذا ما يجعل من الصعب على المواطنين شراء واستئجار المنازل.

وأصدرت الحكومة السورية في النصف الأخير من شهر كانون الأول من العام الماضي، قراراً يقضي برفع سعر مادة الاسمنت 80 %.

وكان سعر الطن من مادة الاسمنت المعبأ والفرط المنتج لدى المعامل والشركات التابعة للمؤسسة العامة للاسمنت ومواد البناء، يبلغ قبل القرار 70 ألف ليرة سورية، وبموجب هذا القرار وصل السعر الجديد إلى 125 ألف ليرة سورية.

وبحسب وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، فإن القرار جاء بناء على "توصية اللجنة الاقتصادية" وبناء على كتاب وزارة الصناعة تاريخ 16/12/2020، المتضمن تكاليف الانتاج.

وهذا الارتفاع في أسعار مادة الاسمنت لم يكن الأول خلال العام المنصرم، إذ سبقه في شهر آب/أغسطس رفع سعر الطن من 64 ألف ليرة سورية، إلى 70 ألف ليرة سورية.

سخط شعبي ..

وعلى الرغم من أن المؤسسة العامة للاسمنت قالت إن الحركة العمرانية في مناطق سيطرة الحكومة ستنتعش رغم رفع أسعار الاسمنت، وكذلك تأكيد نقابة المقاولين بأن رفع سعر الاسمنت لن يؤثر أكثر من 2% على أسعار العقارات، إلا أن هذه الخطوة لاقت استياء المواطنين، مع استحالة شراء منازل جديدة في ظل تدهور قيمة صرف الليرة السورية أمام العملات الصعبة، إذ بلغ سعر صرف الليرة مقابل الدولار حوالي 2900 ليرة للدولار الواحد.

ويبلغ متوسط سعر الشقة السكنية الجاهزة للسكن في مناطق سيطرة الحكومة حوالي 50 مليون ليرة سورية، ولكن بالمقابل يحصل الموظفون لدى الحكومة وكذلك العاملون في القطاع الخاص على رواتب ضئيلة جداً تبلغ بالمتوسط 50 ألف ليرة شهرياً.

وبناء على هذه المعطيات، فأن المواطن يحتاج إلى حوالي 80 سنة كي يستطيع أن يمتلك شقة جاهزة للسكن.

وفي هذا السياق قال المواطن "ل. م" بأنه يمتلك شقة غير مجهزة "على العظم" تبلغ مساحتها 112 متر مربع، وهي بحاجة للكساء.

ولفت بأنه حتى يتمكن من تجهيز هذه الشقة فأنه بحاجة إلى 15 مليون ليرة على الأقل، وقال بأنه ينوي بيعها لأنه لا يمتلك مبلغ تجهيزها.

أما "ت. ص" وهي طبيبة في أحد المشافي الحكومية أي أنها موظفة من الدرجة الأولى وقضت أكثر من 20 عام من حياتها في البحث والدراسة، فتقول بأنها بحاجة إلى "سنة ضوئية" حتى تستطيع شراء شقة في أحد ضواحي العاصمة دمشق من مرتبها الشهري الذي تتقاضاه من الحكومة.

ومن جانبه تساءل المواطن "ح. ف" عن الطرف الذي سهّل خروج مدير فرع مؤسسة العمران في طرطوس، أحمد السيد محملاً بـ 20 مليار ليرة سورية من صالة شرف المطار إلى خارج البلد؟ وقال بلهجة عامية "الفاس عم تقع براس كم موظف مسكين اعتقلوهن..".

وأكد أن حلم كل سوري في الوقت الحالي هو امتلاك سقف يأويه في ظل ما يعيشه من معاناة.

وكان مدير فرع مؤسسة العمران في طرطوس "أحمد السيد" أعفي من منصبه بسبب عمليات بيع للتجار بطريقة مباشرة وبدون ثبوتيات، ولكنه غادر البلاد بطريقة شرعية في 10 كانون الأول 2020.

خبير عقاري: الاسمنت متوفر فقط في السوق السوداء في ظل الفساد الإداري

وأكد خبير عقاري من العاصمة دمشق (لم يذكر اسمه لأسباب أمنية)، أن الاسمنت متوفر فقط في السوق السوداء، وأسعاره تكون مضاعفة.

ولفت أن سبب عدم توفر الاسمنت يعود إلى عدم كفاية المنتج الحكومي وسوء توزيعه بسبب الفساد الإداري المستشري في مؤسسات الحكومة.

ولفت الخبير إن قرار رفع سعر طن الاسمنت إلى 125 ألف وعدم توفره إلا في السوق السوداء وبأسعار مضاعفة، يعني أن تكاليف البناء سترتفع أكثر من 50 %.

وأوضح أن تكلفة المتر المربع من الشقة السكنية أصبحت بحدود 200 ألف على الهيكل، وهذا بدوره انعكس على سعر العقار إن كان سكنياً أو تجارياً، وقال مختتماً: "أصبح سوق العقار محصوراً بقلة من المغتربين السوريين".

نفوذ القوى المتدخلة ..

وأعاد هذا القرار ما تسمى "اللجنة الاقتصادية" للواجهة، إذ تشكلت هذه اللجنة في تموز عام 2017 بناء على قرار صادر من رئاسة مجلس الوزراء، وهي تتبع له وتضم وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية كرئيس للجنة، وعدد من الوزراء بينهم وزير الزراعة والإصلاح الزراعي، وزير التنمية الإدارية، وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وزير الصناعة، وزير المالية، وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وزير الدولة لشؤون الاستثمار والمشاريع الحيوية، رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي، رئيس المنظمة الشعبية أو النقابة المهنية أو الاتحاد "المعني"، ممثل عن الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء كأمين سر ومقرر.

وهذه اللجنة المسؤولة عن اتخاذ قرار رفع سعر الاسمنت، سبق لها أن اتخذت قراراً بمنع استيراد الحديد، وادعت أن قرارها جاء من أجل حماية الصناعة الوطنية مع وجود إنتاج محلي وفق أعلى المعايير العالمية، وذلك بالاستناد لدراسة تقدمت بها وزارة الصناعة في الحكومة.

ولكن باحثاً اقتصادياً (لم يذكر أسمه لدواعٍ أمنية) من مناطق سيطرة الحكومة، قال بأن مثل هذه القرارات تتيح الفرص بشكل أكبر أمام الشركات الروسية للسيطرة على السوق السورية بشكل كامل، وأكد أن الشركات الروسية استثمرت في المعامل السورية في مختلف المجالات بما فيها الحديد والاسمنت عبر اتفاقيات اقتصادية أبرمتها مع الحكومة.

وأوضح أن الاتفاقية التي وقعتها الحكومة مع روسيا عام 2018 في مجال الحديد، تضمنت إقامة مصانع في مجال صهر الحديد وما يتعلق به، ما يعني أن هذه المعامل باتت جاهزة لتزويد السوق السورية بهذه المواد، وقد حصرت الحكومة تجارة الحديد في السنوات السابقة بتجار معروفين بصلاتهم الداخلية والخارجية.

وفي ختام حديثه أكد الباحث الاقتصادي أن الحكومة تهدف بقرار منع استيراد الحديد إلى إخلاء السوق السورية من هذه المواد، لتنحصر فقط بالشركات الروسية، فهذه المواد معروفة بصعوبة دخولها إلى سوريا، وخاصة بعد العقوبات الدولية عليها بموجب قانون قيصر، الذي يفرض عقوبات على كل من يبرم عقودًا تتعلق بإعادة الإعمار أو إقامة مشاريع متعلقة بالبناء والهندسة في المناطق التي تندرج تحت سلطة الحكومة وحلفاؤها.

(ح)

ANHA