مساعي ترامب لإنقاذ أردوغان بشأن قضيّة بنك خلق ساهمت في تهرّب إيران من العقوبات

لم يستطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إدراك أنّ حماية بنك خلق التركي وأردوغان من شأنه أن يجعل تهرّب إيران من العقوبات أسهل، وبأنه بذلك سيضر بالأمن القومي الأميركي.

مساعي ترامب لإنقاذ أردوغان بشأن قضيّة بنك خلق ساهمت في تهرّب إيران من العقوبات
السبت 9 كانون الثاني, 2021   13:03
مركز الأخبار

في 1 آذار/مارس، ستبدأ محكمة أميركية في نيويورك ما يُزعم أنه أكبر مخطط للتهرب من العقوبات على الإطلاق، حيث يقول المدعون العامون إنّ خطة الـ20 مليار دولار التي نفذها بنك خلق التركي المملوك للدولة، بالتواطؤ مع كبار المسؤولين الحكوميين الأتراك، كانت لمساعدة إيران على تجنب العقوبات الاقتصادية الأميركية، بحسب تقرير لمجلة الفورين بوليسي الأميركية.

وإذا تم إثبات التهمة على البنك التركي وانتهى به الأمر خارج النظام المالي الأميركي، فقد تكون التداعيات الاقتصادية على الاقتصاد التركي المترنح بالفعل هائلة. وبالمثل، قد تكون الهزات السياسية الارتدادية في تركيا نتيجة المحاكمة مدمرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ومنذ أن بدأت القضية قبل أكثر من أربع سنوات، سعى دونالد ترامب، مرارًا وتكرارًا إلى حماية بنك خلق من أي عقوبة لدوره في مساعدة إيران، بما في ذلك إقالة اثنين من المدّعين العامين الفيدراليين الذين تعاملوا مع القضية ومطالبة كبار مسؤولي الحكومة بالضغط على وزارة العدل لإسقاطه التهم على بنك خلق.

وطوال الوقت، كان هناك سؤال واحد: لماذا يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب - الذي اتخذت إدارته موقفًا متشددًا ضد إيران، بما في ذلك ما تصفه بحملة "الضغط الأقصى" لخنق اقتصادها - مرارًا وتكرارًا حماية أحد من أكبر مساعدي إيران في التهرب من تلك العقوبات بالذات؟

الجواب البسيط؟ يبدو أن ترامب لم يفهم أبدًا التهم الموجّهة إلى البنك أو علاقتها بإيران وأراد فقط أن يقدّم خدمة لرفيقه، أردوغان.

وفي هذه السياق، قال مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون "إن هذا النهج يتعلق بإعجاب ترامب بالقادة الاستبداديين ونهجه الشخصي في التعامل مع السياسة الخارجية".

المخطط الذي يقول ممثلو الادعاء إنه أكبر جهداً للتهرّب من العقوبات في التاريخ بدأ في أواخر عام 2012 بطلب من أردوغان، رئيس وزراء تركيا آنذاك، وفقًا لشهادة الرجل في قلب الخطة.

وقال المدير السابق لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية جون سميث: "هذه المزاعم غير مسبوقة إلى حد ما من حيث خطورة ونطاق الخداع والتهرب".

ووفقًا للائحة الاتهام الأميركية، دفع أحد المتهمين ويدعى رضا ضراب، وهو تاجر ذهب، رشاوى لضمان الإفراج عنه وعن زملائه المتهمين وتأمين رفض القضية في عام 2014، وبأن ضراب ناشد بنك خلق لإعادة تشغيل مخطط التهرب من العقوبات بعد إغلاقه لفترة محدودة، وأشارت لائحة الاتهام إلى أنّ أردوغان ورفاقه "أصدروا تعليمات لبنك خلق باستئناف المخطط، ووافق بنك خلق".

واستمر المخطط حتى قرر ضراب القيام برحلة إلى الولايات المتحدة، وفي آذار/مارس 2016، وتم اعتقاله في ميامي، وأغلق البرنامج نهائيًا.

وعلى الفور، ولسنوات بعد ذلك، بدأت الحكومة التركية في الضغط على المسؤولين الأميركيين للتخلي عن القضية، بدءًا من الاعتماد على نائب الرئيس آنذاك جو بايدن، حيث حاول أردوغان في وقت لاحق إقناع الرئيس باراك أوباما بالتدخل، ولكن بايدن وأوباما رفضا ذلك رفضاً قاطعاً.

ولكن بعد ذلك جاء تنصيب ترامب، وفي شباط/فبراير 2017، سافر رودي جولياني، وهو مستشار في البيت الأبيض والذي أصبح محامي ترامب الشخصي بعد ذلك، والمدّعي العام السابق في عهد جورج دبليو بوش مايكل موكاسي، إلى تركيا لمناقشة القضية مع أردوغان.

وفي آذار/مارس 2017، تمّ فصل المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك بريت بارارا - الذي كان يشرف على قضية بنك خلق - على الرغم من ضمان ترامب المسبق بأنه سيبقى في منصبه، لكن القضية استمرت.

وفي وقت لاحق من عام 2017، حاول ترامب إقناع وزير الخارجية آنذاك ريكس تيلرسون، للضغط على وزارة العدل لإسقاط القضية ضد ضراب. وقال تيلرسون إنه رفض ذلك واعترض على جهود ترامب معتبرًا أنه تدخل غير قانوني.

وقال تيلرسون لمجلة فورين بوليسي إنه "لم يكن متأكدًا حقًا من أن ترامب فهم حجم قضية بنك خلق"، وحاول شرح خطورة قضية بنك خلق دون نجاح. واستمر جولياني وموكاسي، في الضغط على تيلرسون للتدخل في القضية.

ولسنوات، استمرت تركيا - وجماعات الضغط التي عينتها في واشنطن - في محاولة إقناع المسؤولين في إدارة ترامب بإلغاء التحقيق في بنك خلق. وحاول ترامب إقناع حلفائه المعنيين، وكذلك القائم بأعمال النائب العام السابق ماثيو ويتاكر والمدعي العام السابق ويليام بار، بإسقاط القضايا ضد البنك، وقاد بار الجهود للتفاوض على صفقة يتجنب البنك بموجبه العقوبات.

واستمرت مشاركة ترامب الشخصية، وفي 1 كانون الأول/ديسمبر 2018، اجتمع ترامب وأردوغان في اجتماع مجموعة العشرين في بوينس آيرس، وناقشا قضية العقوبات.

وبعد أسبوعين، تحدث القادة عبر الهاتف، وأخبر ترامب، وفقًا لبولتون، نظيره التركي أننا "نقترب جدًا من الحل بشأن بنك خلق" وفي نيسان/أبريل 2019 أخبر ترامب أردوغان أنه كلف بار ووزير الخزانة ستيفن منوتشين، بمعالجة القضية. وفي ذلك الشهر، في اجتماع بالمكتب البيضاوي التقى ترامب وصهره جاريد كوشنر ومنوتشين ببيرات البيرق، صهر أردوغان ووزير الخزانة التركي في ذلك الوقت.

وبحسب لائحة الاتهام، فإنّ البيرق متورط في المخطط، وعقد منوتشين ست اجتماعات إضافية مع القيادة التركية العليا بين عامي 2017 و2019 واستمرت الجهود حتى عام 2020، عندما أمر ترامب بإقالة مدعي عام آخر في المنطقة الجنوبية في نيويورك، وهذه المرة جيفري بيرمان.

وأشار بولتون في كتابه الأخير إلى ميل ترامب إلى تقديم خدمات شخصية للطغاة الذين يحبهم،  ولكن في قضية بنك خلق، فإن تقديم خدمة لحاكم مستبد كان بمثابة تضارب مباشر مع المصالح الأميركية المعلنة وقانون الولايات المتحدة.

وقال تيلرسون إنه لم تكن هناك سياسة خارجية أو هدف استراتيجي وراء سلوك الرئيس مع أردوغان وبنك خلق.

وأوضح: "هذا ما جعل الأمر صعبًا دائمًا في التعامل مع المواقف الذي يبدو أن الرئيس يريد فيها منح الإغاثة لشخصيات استبدادية للغاية، سواء أكان أردوغان أو زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون".

ومن نواح كثيرة، عكس تعامل ترامب مع تركيا وقضية بنك خلق علاقته الأوسع مع أنقرة، وعندما اشترت تركيا أنظمة دفاع جوي روسية الصنع، يعاقب عليها بعقوبات إلزامية بموجب القانون الأميركي، تردد ترامب.

وعندما طلبت تركيا من ترامب سحب القوات الأميركية من شمال سوريا وتمهيد الطريق لهجوم تركي من شأنه أن يهدّد شركاء الولايات المتحدة على الأرض، امتثل ترامب.

وقال في هذا السياق الباحث في المؤسسة الهيلينية للسياسة الأوروبية والخارجية نيكولاس دانفورث: "في كثير من القضايا الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا، لأسباب لا تزال غير قابلة للتفسير إلى حد ما، بدا ترامب سعيدًا تمامًا بانحيازه إلى جانب أردوغان". وأشار دانفورث إلى أنه في قضية الأسلحة الروسية وقضية بنك خلق، تضمنت جهود ترامب لاستيعاب أردوغان تقويض سيادة القانون في الولايات المتحدة.

وسيبدأ اختيار هيئة المحلفين في محاكمة البنك الشهر المقبل، بعد بضعة أسابيع، وبعد سنوات من الجهود التركية الفاشلة لإلغاء القضية، ستبدأ المحاكمة. وقال العضو السابق في البرلمان التركي والمدير الأقدم لبرنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أيكان إردمير، إن الأمر سينطبق أيضًا على مشاكل أردوغان السياسية والاقتصادية.

وقال تيلرسون: "كان استنتاجي أنّ السبب وراء اهتمام أردوغان المستمر بهذا الأمر هو أنه قلق بشأن ما سيظهر أو سيكشف عن تورطه في هذه القضية".

(م ش)