​​​​​​​مؤسّسة المناهج تمزج بين ثقافة وتاريخ مكوّنات المنطقة

لبناء جيل واعٍ يحترم الإنسانية ويحافظ على لغته وثقافته وتاريخه، تسعى مؤسسة المناهج التابعة لهيئة التربية والتعليم في الإدارة الذاتية إلى إعداد مناهج تواكب التطوّر العلمي، وتساهم في تعزيز القيم الأصيلة لشعوب المنطقة، وتسعى إلى رأب الصدع الذي سببته السلطات الحاكمة بين المكونات، بعيدة عن التسيّس والنظرة الأحادية.

​​​​​​​مؤسّسة المناهج تمزج بين ثقافة وتاريخ مكوّنات المنطقة
الجمعة 18 كانون الأول, 2020   03:03
قامشلو- ليلاف ديواني – سيما بروكي

تعدّ المناهج الدراسيّة جسراً يربط الناشئة بثقافتهم وتاريخهم القديم، وفق منظور حديث، بهدف خلق جيلٍ واعٍ ومشبع بالثقافة والقيم، مدركٍ للتاريخ ومواكبٍ للحضارة والتطور، محافظٍ على تاريخه ولغته.

ولإعادة إحياء ثقافة وتاريخ المجتمعات التي تعرّضت للاضطهاد من قبل السلطات الحاكمة، تأسست مؤسسة المناهج التابعة لهيئة التربية والتعليم في شمال وشرق سوريا عام 2014، وتحتضن أعضاء من كافة المكونات، ومقرّها في ناحية عامودا التابعة لمقاطعة قامشلو.

وتعمل هذه المؤسسة على إعداد كتب للمراحل الدراسية الثلاث (الابتدائية والإعدادية والثانوية)، وباللغات الكردية والعربية والسريانية، إذ تمر عملية إعداد الكتب بعدة مراحل إلى أن تُعتمد في المدارس، وهي مرحلة التأليف، ثم المناقشة، المتابعة، التدقيق التربوي والعلمي واللغوي، التصميم والإخراج النهائي ثم الطباعة وصولاً إلى مرحلة التوزيع على الطلبة في المدارس.

الرئيس المشترك لمؤسسة المناهج، مكسب الصياح، أوضح أنّ مؤسسة المناهج تأسست عام 2014، حيث كانت الكتب في البداية تُعد للمكون الكردي فقط، وفي بداية عام 2015 انضم كل من المكون العربي والسرياني أيضاً إلى العمل في المؤسسة، لتُعدّ المكونات الثلاثة الكتبَ وفق خطة "الحياة المشتركة"، مع الأخذ بعين الاعتبار لغة وثقافة كل مكون.

'المشاكل الّتي واجهتها المؤسسة'

وعن المشاكل والمعوقات التي واجهتها المؤسسة أثناء إعداد المناهج وبشكل خاصّ عند انتقالهم من مرحلة إلى أخرى، بيّن الصياح: "من المشاكل التي عانينا منها، قلة المصادر التي تفتقر إلى الحياديَّة، خصوصاً في بعض الأمور العالقة، مما صعّب علينا الوصول إلى قلب الحقيقة، وهو هدفنا المنشود الذي نسعى إليه، بعيدًا عن التسيّس والأفكار المؤدلجة، وكذلك الضغوطات الخارجية والداخلية".

ونوه الصيّاح إلى أنّهم سيستمرون بالعمل على إنجاح المنهاج وتطويره.

'أهداف المؤسّسة'

وبيّن الصياح أن الهدف الأساسي من تأسيس مؤسسة المناهج هو إعداد مناهج تساهم في إحياء التاريخ والثقافة والعادات والقيم الأصلية للمجتمعات، التي لطالما بقيت بعيدة عن هويتها وحقيقتها، وقال: "بدأت المجتمعات تنسلخ شيئًا فشيئًا عن تاريخها وثقافتها وعاداتها وقيمها الأصيلة، وبدأت نوعًا ما تخضع لنظام غربيّ، إذ أصبحت الأفكار غربية في مضمونها، ولهذا عمدت المؤسسة إلى إحياء وإعادة ثقافة وتاريخ كل مكون، شريطة أن يتعلّم المتلقّي بلغته الأم في الأعوام الدراسية الثلاثة الأولى".

هذا ومن الشروط الأساسية لمؤسسة المناهج تعليم المتلقي أو الطالب الناشئ بلغته الأم خلال السنوات الدراسية الثلاث الأولى، ومن بعدها تلقينه لغة الجوار، ومن ثم اللغة العالمية إلى جانب لغته الأم.

'آلية عمل المؤسسة وأسس اختيار كوادرها'

وأوضح الصياح أنّ المؤسسة اختارت كادرها على أساس الكفاءة والخبرة والثقافة والحسّ التربوي، مؤكّداً أنّهم سعوا إلى أن تشمل أعضاء من كافة مناطق شمال وشرق سوريا، وذلك بمشاركة جميع المكونات، للوصول إلى منهاج يتمتّع بالحيادية والحسّ الوجداني، ويساهم في نقل المعلومة الصحيحة بعيداً عن أي إملاءات أو ضغوطات خارجية، وقال: "هذا أساس تطور المؤسسة".

وعن آلية عمل المؤسسة والسياسة التربوية التي اتبعتها حتى وصلت إلى هذه المرحلة، قال الصيّاح: "من الأشياء التي قامت بها المؤسسة، والتي تعمل على ترسيخها كسياسة تربويّة هي الاطلاع الدائم والمستمر عمَّا يحدث في العالم من تطورات، وما توصلت إليه المناهج العالمية نتيجة أبحاثها، وآلية تأليفهم للمنهاج، للوصول إلى منهاج يواكب التطورات العالمية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي عاشتها المنطقة".

ومن جانبها قالت الرئيسة المشتركة لمؤسسة المناهج فريال سليمان، إنّ المؤسسة عمدت خلال العام 2019 إلى إجراء مراجعة شاملة للمناهج، ليتم إعادة صياغتها بما ينسجم مع مبادئ الإدارة الذاتية، وبما يضمن لكل مكون التعلم بلغته الأم.

ونوهت فريال سليمان إلى أن قوانين حقوق الإنسان العالمية تضمن حق كل شعب بالتعلم بلغته الأم، لأنّ اللغة هي من عوامل وجود الإنسان، وأضافت أيضًا: "الإنسان يُعرف من خلال لغته، ويتم نسب كل شخص إلى أمته نسبة إلى لغته. فعلى سبيل المثال: نحن كرد ولغتنا هي الكردية، أي إننا نعرف بلغتنا. واللغة العربية تدل على الشعب العربي".

'هدفنا خلق جيل مثقّف واعٍ حرّ يحترم الإنسانيّة '

وأكّد الصيّاح في ختام حديثه، أنّ المنهاج يهدف إلى خلق جيل واعٍ مثقّفٍ حرّ يحترم الإنسان لكونه إنسانًا، بعيدًا عن الطائفية والقومية والدين والنظرة الأحادية وطريقة التفكير، كذلك تعليم الناشئ ماهية العلم الحرّ والتعليم الحر الهادف إلى خلق إنسان مدرك وواعٍ غير متّجه نحو اتجاهات لا تخدم الإنسانية.

وبدورها بيّنت عضوة لجنة مادة الرياضيات في مؤسّسة المناهج ختام سليمان، أنه يتم الاتفاق بين اللجان الثلاثة التي تحتضن المكونات الثلاثة (الكردي والعربي والسرياني)، في بداية العمل، على وضع خطة مشتركة وتحديد الخطوط العريضة، لتباشر بعدها كل لجنة العمل بلغتها الأم، منوهة إلى أنهم ألّفوا حتى الآن 13 كتابًا يشمل المرحلة التحضيرية وصولًا إلى الثالث الثانوي.

وأوضح عضو لجنة التصميم والإخراج الفني في المؤسسة خلف الكرو أنّ مهام لجنتهم هو تعديل الصور وتنسيق الكتب المؤلفة من قبل أعضاء اللجنة، وقال: "نعمل في اللجنة على إيجاد الصور، وذلك حسب طلب الأعضاء، ونقوم بتجهيزها ومن ثمّ تسليمها، أما فيما يخصّ الكتب الجاهزة التي تم النقاش عليها ومتابعتها، فنقوم بإعادة تنظيمها كتنسيق الألوان والصور الموجودة".

عضوة لجنة تعليم اللغة العربية في المؤسسة عائشة نعامة، أشارت إلى أنه يوجد قسمان في اللجنة، قسم يختص باللغة العربية، وقسم يختص بتعليم العربية للمكونات الأخرى، وقالت: "في هذه المنطقة يوجد أكثر من مكوّن ويختص عمل اللجنة بتعليم اللغة العربيّة للمكوّنات الأخرى، إذ بدأنا بتأليف الكتب من الصف الرابع إلى الصف الثالث الثانوي".

ونوهت عائشة إلى أنه خلال المرحلة الابتدائية، وابتداءً من الصف الرابع ووصولًا إلى السادس يتم التركيز على تعليم الحروف ومن ثم تعليم القراءة، ليصل الطالب إلى المرحلة الإعدادية والثانوية، وهو متمكن من اللغة العربية بشكل جيد.

وعن الصعوبات التي واجهتها اللجنة، قالت عائشة نعامة:" هناك الكثير من الصعوبات التي واجهتنا، منها قلّة المصادر والمراجع التي تساعدنا على تأليف الكتب للمكوّنات الأخرى". 

عضو لجنة مادة التاريخ مامد ميرزا قال إنّ منهاج مادة التاريخ يتم بما ينسجم مع إظهار تاريخ جميع المكونات من العرب والسريان والكرد: "منذ أن بدأنا بإعداد المناهج، نسعى من أجل إظهار تاريخ المكونات الثلاثة في المنطقة".

وحول المشاكل التي تعترض العمل قال ميرزا: "نحن نعمل على تجاوز العقبات، نعاني أحياناً من قلة المصادر والكتب الكردية، ونحن نبذل ما بوسعنا لتأمينها. نحن نعتمد بشكل أساسي على مجموعة من المصادر المعتمدة على المستوى الكردستاني".

وحول آلية متابعة المناهج قال ميرزا: "نعمل على متابعة المناهج عبر المدارس والمعلمين والطلبة، ونراقب مدى استيعابهم للمناهج. كما أنّنا سنعمل مستقبلاً لتوسيع العمل في هذا المجال، ونعمل على استطلاع الآراء حول المناهج من مختلف المدن، وهيئة التربية تقدم لنا الدعم في هذا المجال".

أما عضو لجنة مادة الفلسفة عدلة فرعو قالت إنّهم يعملون بداية على وضع الخطوط الأساسية والوصول إلى صيغة مشتركة بين جميع المكونات من الكرد والعرب والسريان، وأضافت: "يتم إعداد منهاج الفلسفة باللغة الكردية وفق التسلسل التاريخي، يتم الآن إعداد منهاج المرحلة الإعدادية، نسعى بداية إلى تعريف الفلسفة، وما هي أهمية الفلسفة للمجتمعات. وفيما بعد نتحدّث عن الفلسفة عبر التاريخ، في اليونان وفي الشرق الأوسط وكيف وصلت إلى يومنا الراهن، وفي الصفوف الأخرى نطرح فلسلة الأمة الديمقراطية".

عضو لجنة الأدب الكردي عبد الرحمن سلي قال إنّ التعرّف على الأدب المكتوب بلغة ما، يغني تلك اللغة. ونوه سلي إلى المشاكل التي يعانون منها تنحصر في قلة المصادر الكردية، وقال بهذا الصدد: "المصادر المتعلقة بالأدب الكردي والمكتوبة باللغة الكردية قليلة جداً، لذلك فإننا نجلب مصادر مكتوبة باللغة العربية أو باللغات الأخرى ونترجمها إلى اللغة الكردية. وعليه فإن من المشاكل التي نعاني منها بشكل أساسي هو الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة الكردية".

عضو لجنة اللغة الكردية ولجنة التنقيح بشير سليمان قال إنّ عملية إعداد المناهج تمر بعدة مراحل قبل أن تصل إلى مرحلة الطباعة، وقال: "في البداية يتم وضع خطة عمل لكل صف دراسي، ويتم تقسيم المنهاج إلى أقسام، ويتم العمل عليه وفق هذه الأقسام.

وفيما بعد يتم تحويل الكتاب إلى غرفة التقييم والنقاش، حيث يتم التوقّف عن الملاحظات وتصحيحها، ومن ثم يتم تحويل الكتاب إلى قسم الإخراج والتصميم، ومنها إلى الإدارة حتى تصل إلى مرحلة الطباعة".

 (م ح)

ANHA