​​​​​​​علاقات المد والجزر.. هل تعود السعودية إلى العراق من البوابة الاقتصادية؟

مرّت العلاقات السعودية العراقية بمراحل مد وجزر، كانت مرتبطة دومًا بالموقف من طهران، والآن يجري الحديث عن تعاون اقتصادي وعسكري بين الطرفين، فهل تعود السعودية إلى العراق من البوابة الاقتصادية وتنتشلها من حضن إيران لتحقق مكاسب في اليمن ومناطق أخرى؟

​​​​​​​علاقات المد والجزر.. هل تعود السعودية إلى العراق من البوابة الاقتصادية؟
الأربعاء 9 كانون الأول, 2020   03:46
مركز الأخبار آزاد سفو - أماني عزام

مرت العلاقات السعودية العراقية بمراحل عديدة، بدأت بدعم صدام حسين في حربه ضد إيران، حتى وصلت إلى القطيعة بعد غزوه للكويت، ومع سقوط نظام صدام، لم تشهد العلاقات تطورًا ملحوظًا بسبب الاتهامات المتبادلة بين الطرفين على خلفية التدخل الإيراني بالشأن العراقي، ولكنها وصلت اليوم إلى مرحلة يجري فيها الحديث عن تعاون عسكري مشترك.

'خلافات تاريخية'

في الفترة الأولى من عهد صدام حسين ما بين أعوام 1979- 1990 كانت العلاقات السعودية – العراقية في أحسن أحوالها، إذ كانت السعودية تدعم العراق في حربها ضد إيران، وكانت الرياض تمد بغداد بالأسلحة والمال، ولكن سرعان ما تدهورت تلك العلاقة مع اجتياح العراق للكويت عام 1990.

ومع الاجتياح العراقي، بدأت الرياض بتغيير لهجتها تجاه بغداد، وشهدت تلك الفترة أسوأ أشكال العلاقة بين البلدين، وقصف حينها صدام حسين الأراضي السعودية بأسلحة "قيل" إنها كيماوية، وصواريخ سكود نجح الجيش السعودي في صدها.

وعملت السعودية على مواجهة صدام حسين بسبب غزوه للكويت وأرسلت جنودًا لتحرير جارتها الخليجية، إضافة إلى فتح حدودها لقوات التحالف المكونة من 34 دولة حينها؛ وهو ما تسبب في إلحاق الهزيمة بالجيش العراقي.

وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 عقب التدخل الأمريكي، تبادلت العراق والسعودية الاتهامات، إذ اعتبرت السعودية الحكومات العراقية طائفية تميل إلى طهران، في حين اعتبرت العراق السعودية داعمة لبعض المسلحين الذين يقوضون الاستقرار في البلاد.

ورغم زيارات قام بها رؤساء الحكومات العراقية إلى السعودية - زيارة رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي عام 2004، ثم زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي 2006، ورئيس الوزراء حيدر العبادي، ووزير الداخلية قاسم الأعرجي، ووزير الخارجية ابراهيم الجعفري- إلا أن العلاقات لم تشهد انفراجة.

وفي نهاية عام 2014 ومع وصول حيدر العبادي إلى رئاسة الوزراء في العراق، عادت العلاقات إلى التحسن، حيث حاول الأخير التخفيف من التوتر بين بلاده والسعودية، وفي كانون الأول/ديسمبر 2015، أعادت السعودية فتح سفارتها رسميًّا في العراق بعد نحو 25 عامًا على إغلاقها بسبب اجتياح الكويت.

وعادت العلاقات إلى التراجع من جديد عام 2016؛ بعد طلب الخارجية العراقية من السعودية سحب سفيرها من بغداد، وإرسال سفير جديد، على خلفية الهجوم الإعلامي الإيراني واتهام السفير السعودي بالتدخل في الشؤون الداخلية من خلال مهاجمته لقوات الحشد الشعبي.

وبعد التذبذب الطويل في العلاقات بين الطرفين على مدار السنوات الماضية، أوفد رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي، 21 أيار/مايو من العام الجاري، نائبه ووزير المالية ووزير النفط بالوكالة علي عبد الأمير علاوي إلى الرياض لبحث الملف الاقتصادي بين البلدين.

وتوجه علاوي إلى المملكة مبعوثًا من رئيس مجلس الوزراء لمناقشة العلاقات الثنائية والأوضاع الاقتصادية في المنطقة وتشجيع الاستثمار.

'الاقتصاد.. نجاح لنقطة محددة'

بعد أعمال مجلس التنسيق السعودي العراقي في دورته الرابعة التي اعتمدها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، اعلنت وسائل إعلام سعودية في 18 تشرين الثاني/نوفمبر أن أمير منطقة الحدود الشمالية، فيصل بن خالد رعى حفل تشغيل معبر عرعر بين المملكة العربية السعودية والعراق.

وأشارت وكالة الأنباء السعودية إلى أن فتح ذلك المعبر الحدودي المهم بين البلدين جاء بناء على أعمال مجلس التنسيق السعودي العراقي في دورته الرابعة التي اعتمدها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، هذا ويقع مشروع إنشاء وتحسينات منفذ (جديدة عرعر) من الجانب السعودي ومنفذ (عرعر) من الجانب العراقي على مساحة إجمالية تبلغ مليونًا و666 ألفًا و772 مترًا مربعًا.

ويضم المشروع "منطقة لوجستية" ستكون بمثابة البوابة الاقتصادية للجزء الشمالي من المملكة، والانطلاقة نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية السعودية العراقية، كما سيُسهم المشروع في تيسير حركة التجارة البينية بين البلدين، وفقًا لخبراء اقتصاديين، حيث أُغلق المعبر عام 1990 إبّان الحرب العراقية الكويتية، ولم يجر فتحه بشكل رسمي حتى الآن باستثناء مواسم الحج.

وفي سياق محاولات لتطوير العلاقات بين السعودية والعراق فشلت أحد خطواتها التي اعتبرها الخبراء أحد أقوى وأكبر الخطوات الاقتصادية تقدمها السعودية للعراق والتي تمثلت برفض الشركات السعودية الاستثمار في العراق.

وكشف وزير الزراعة العراقي محمد كريم الخفاجي، في 22 تشرين الثاني عن "اعتذار" الشركات السعودية عن الاستثمار في العراق، ونقلت صحيفة "الصباح" الرسمية عن الخفاجي قوله: "إن شركات سعودية أبدت رغبتها بإنشاء محطات لتربية الأبقار على مساحة 10- 50 ألف دونم في محافظات المثنى والأنبار والنجف، إلا أن وزارة الموارد أكدت عدم قدرتها على توفير مياه مستدامة لمدة 50 سنة، ولذلك اعتذرت الشركات السعودية عن تنفيذ هذا المشروع".

'بداية جديدة.. السعودية تتحدث عن علاقات عسكرية مع العراق'

وبدأ الحديث مجددًا عن عودة العلاقات بين العراق والسعودية في 30 من تشرين الثاني/ نوفمبر ولكن عسكريًّا هذه المرة، وذلك خلال اجتماع بين رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الأول الركن عبد الأمير رشيد يارالله، مع الملحق العسكري السعودي بالعراق.

الدفاع العراقية، في اليوم نفسه، أعلنت أن الطرفين بحثا التنسيق المشترك في المجال العسكري، فيما أكد الملحق العسكري السعودي في العراق حرص بلاده على دعم المؤسسة العسكرية العراقية، مشيدًا بقدرات الجيش العراقي وبالتضحيات والبطولات الكبيرة التي قدمها من أجل المحافظة على أمن وسلامة العراق والمنطقة، متعهدًا باستمرار تقديم كل أشكال الدعم للمؤسسة العسكرية العراقية.

واستؤنفت العلاقات العسكرية السعودية - العراقية عام 2012، حيث تبادل البلدان الوفود في مجال أمن الحدود والتعاون الاستخباري، كما زار المملكة مسؤولون أمنيون كبار، مثل قاسم الأعرجي وزير الداخلية الأسبق، وفالح الفياض مستشار الأمن الوطني السابق.

فيما أعلن للمرة الأولى خلال الاجتماع الذي عُقد في 30 تشرين الثاني إمكانية بدء تعاون عسكري بين السعودية والعراق. دون كشف أي من الطرفين تفاصيل هذا التعاون.

ماذا تجني السعودية من وراء الاتفاق؟

ومع الإعلان عن بدء التعاون العسكري، يقع العراق بين ناري السعودية وإيران، فطهران بقيت إلى الآن صامتة تجاه الاتفاق العراقي – السعودي.

وأفادت تسريبات أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حثَّ السعودية والإمارات على دعم حكومة الكاظمي كي لا تفشل في إدارة المرحلة الحالية، إذ يجد المحور الأمريكي ومن خلفه دول الخليج، أن الفرصة مواتية لسحب العراق إلى الحضن العربي بعيدًا عن إيران، حيث أن الأخيرة تعاني من ضائقة اقتصادية كبرى ليس سهلًا عليها تخطيها، فضلًا عن أن تساعد العراق على تخطيها.

وإلى جانب محاولة السعودية إعادة العراق إلى الحضن العربي من خلال محاولة استغلال الوضع العراقي الاقتصادي والذي بدورها ستبعدها في البداية اقتصاديًّا من إيران، تجد الرياض الفرصة مثالية لتخفيف الخطر الإيراني المتمثل بدعمها لجماعة أنصار الله "الحوثية" وإدامة حرب اليمن إلى ما لا نهاية قريبة لها، فالدعم السعودي للعراق سيكون مشروطًا بتدخل عراقي لاستثمار علاقاته مع إيران، لتخفيف وطأة حرب اليمن على السعودية.

وتعتبر هذه الفوائد التي سوف تجنيها السعودية من استثمارها للعلاقات مع العراق، أكبر فرصة لها للتخفيف عنها، وخاصة في الوقت الذي تتخلى الولايات المتحدة تدريجيًّا عن حمايتها أمام التحديات التي تشكلها إيران.

'رحلة جديدة من الصداقة والتعاون'

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي السعودي يحيى جابر في تصريح خاص لوكالتنا أن هناك رحلة جديدة من الصداقة والتعاون والتصدي للأخطار الإقليمية والتهديدات المشتركة من إرهاب وتدخل في شؤون الوطن العربي بين السعودية والعراق.

وأضاف: "نحن والعراق جسد واحد وشعب واحد تجمعنا أواصر القرابة والدين والعرق، السعودية داعم قوي للعراق في كل النواحي، وأعتقد أن الجانب العسكري مهم للغاية فتقوية الجيش العراقي أمر مهم والسعودية داعم قوي لذلك من خلال نقل التجارب والتدريب وغيرها ".

وبيّن المحلل السياسي السعودي أن المنطقة مضطربة وتشهد قلقًا متسارعًا بسبب طمع بلدان مجاورة تعادي الوطن العربي وترغب في احتلال والسيطرة على البلاد وثرواتها وشعوبها ونشر القتل والدمار.

ومن جانبه، قال الباحث والمحلل السياسي العراقي، غانم العابد، إن ما يربط العراق بالمملكة العربية السعودية هو الدم والتاريخ والجغرافيا، وجميعها روابط تحتم على الجميع أن تكون هناك علاقات قوية وكبيرة جدًّا.

وأضاف العابد: "إن دخول المملكة العربية السعودية من البوابة الاقتصادية بالتأكيد سيكون له مردود كبير على تقوية العلاقات السياسية"، مشيرًا إلى أن العراق بحاجة إلى وجود السعودية بثقلها المالي والسياسي، وبالتالي فإن دخولها إيجابي سيعود بالمصلحة على العراق، من ناحية انتشال البنى التحتية وخلق فرص عمل كبيرة عكس التدخلات السلبية التي تقوم بها إيران لتتدخل بالقرار العراقي والسياسي، مؤكدًا أن دخول السعودية "مرحب به" داخل العراق.

'العلاقة تأخرت..'

أما الكاتب الصحفي العراقي، عمر الجنابي، فأكد أن عودة العلاقات العراقية السعودية جاءت متأخرة وقال: "ظروف العراق الحالية وسيطرة الميليشيات على المشهد العراقي، بالإضافة إلى الأزمة الخليجية جميعها أسباب عكرت الأجواء وأخرت قرارات فتح المعابر، خاصة معبر عرعر والمعابر الجوية والأمن المشترك".

ونوه الجنابي أنهم يطمحون بأن يكون لهم علاقات متوازنة مع الدول العربية والإسلامية والدول المحاذية للعراق مبنية على التفاهم وحسن الجوار والتعاون المشترك، خاصة في القضايا الأمنية والسياسية المشتركة.

وكشف الصحفي العراقي أن سيطرة المجموعات المسلحة منعت الاستثمار السعودي في باقي الأراضي العراقية مثل المحافظات الجنوبية، لافتًا إلى أن العراق بحاجة إلى استثمارات أخرى غير النفط والمعابر.

'عودة العلاقات..'

فيما يرى الصحفي العراقي، عمر عبد اللطيف، أن عودة العلاقات العراقية - السعودية تعود بالمنفعة على البلدين، وأكد أن حجم استثمارات السعودية في دول المنطقة معروف على المستوى العالمي، وإذا ما استُثمرت في العراق، سيكون هناك فوائد اقتصادية كبيرة للعراق وشعبه، وستؤدي إلى خروجه من عنق الزجاجة.

(ح)

ANHA