​​​​​​​"ضبابية" في أجواء تشكيل الحكومة اللبنانية .. تأنيب فرنسي واستياء أمريكي

مرّ نحو شهر ونصف على تكليف الحريري بتشكيل الحكومة، ولكن دون بادرة تفاؤل، بل على العكس من ذلك تزداد الأمور سريةً وضبابيةً، فمعوقات تعثر تشكيل الحكومة اللبنانية تتجاوز هذه المرة الساحة الداخلية لتمتد إلى التأثيرات الخارجية، إضافة إلى اعتراض الرئيس اللبناني بتسمية الوزراء وليس عدد الحقائب الوزارية.

​​​​​​​"ضبابية" في أجواء تشكيل الحكومة اللبنانية .. تأنيب فرنسي واستياء أمريكي
الأحد 6 كانون الأول, 2020   03:14
بيروت – زياد أبو غزالة

في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كلّف رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، بتشكيل حكومة جديدة، عقب اعتذار سلفه مصطفى أديب لتعثر مهمته في تشكيلها، بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس الماضي.

الحريري وضع تركيبته!

ووضع الحريري مسودة كاملة متكاملة من 18 وزيرًا، وقد انطلق من ركيزة واحدة فقط لا غير لتأليفها، وهي المبادرة الفرنسية، أي أنه اختار الوزراء على أساس الكفاءة والاختصاص والجدارة فقط، وهدفُه أن يكونوا قادرين على نيل ثقة المجتمع الدولي والمانحين واللبنانيين، رغم أن بعض الحقائب بقيت مع أطراف معينة، إلا أن ذلك لم يحل دون اختيار الأفضل لتولّيها، وهي ستؤول إلى شخصيات مستقلة غير حزبية.

وإذ يؤكد الحريري، عبر الوسطاء، أنه هو من اختار الوزراء والأسماء وألّف حكومة نموذجية للإنقاذ والإصلاح، فإنه ينتظر، ضوءًا أخضر من رئيس الجمهورية له لزيارة القصر وتقديم تشكيلته الكاملة إليه، وهذا ما يعمل الوسطاء على تأمينه، ذلك أن الرئيس المكلف يبدو مُصرًّا على الحصول على موافقة مبدئية من الفريق الرئاسي على المسودة – التي يمكن إدخال تعديلات عليها بالتشاور والتنسيق بينهما – قبل التوجّه إلى بعبدا، لأنه يرفض أن يخرج من القصر خالي الوفاض أو برفض مطلق للتشكيلة، في خطوة ستشكّل إحباطًا كبيرًا للبنانيين وتعيد عملية التشكيل كلّها إلى النقطة الصفر.

محاولة الحريري تقديم تشكيلة أمر واقع إلى عون وفرضها عليه أمام الرأي العام والجهات الدولية، هي محاولة قد تعقد الأمور أكثر، وحتمًا ستبوء بالفشل وسترفضها بعبدا مهما كانت العواقب، إلا إذا اقتنع الحريري بالكلام الذي قاله الرئيس له في أحد اللقاءات: "قدّم تشكيلتك وفق ما هو متفق عليه مع ثنائي أمل وحزب الله وتيار المردة والتقدمي الاشتراكي كاملة بالأسماء والحقائب وتعا لنحكي".

'العُقدة الأبرز'

العقدة الأبرز التي تحول دون تشكيل الحكومة هي الاختلاف حول عدد الوزراء، وخصوصًا بين فريق رئيس الجمهورية ميشال عون و"حزب الله"، الذي يريدها من 20 وزيرًا وأكثر، بهدف تمثيل كل الطوائف والمذاهب، ولا سيما النائب طلال أرسلان خصم رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، الذي يطالب بحقيبة وزارية، وهي ما عرفت بـ"العقدة الدرزية"، في خطوة تؤمن لهم أيضًا الثلث المعطّل، في حين يصرّ الحريري على حكومة من 18 وزيرًا.

ومن الخلافات أيضًا، "تمسّك فريق رئيس الجمهورية بمبدأ المداورة في كل الحقائب، في حين يضع الرئيس نبيه بري حقيبة المال خارج التداول، ويتمسّك بها لـ"حركة أمل" التي يتزعمها من بوابة حقوق الطائفة الشيعية، وهو ما يدفع "التيار الوطني الحر" برئيسه النائب جبران باسيل إلى رفع سقف مطالبه على صعيد الوزارات السيادية والخدماتية، مقابل طلب كل حزب سياسي "حصة" وزارية دسمة له، وتحديدًا على صعيد وزارات الداخلية، والاتصالات، والطاقة، والمال، والأشغال، والخارجية والدفاع، والإعلام، والصحة، والعدل، في مشهد معهود عند تشكيل أي حكومة في لبنان".

هل يعتذر الحريري؟

عضوة كتلة "المستقبل" النائبة رولا الطبش أكدت لوكالتنا أن "الحريري لن يعتذر عن التشكيل، والمصلحة الوطنية تقتضي تشكيل حكومة مهمة من أجل مصلحة البلد، وليس العودة إلى الدائرة الأولى والاعتذارات، لأننا لا نملك ترف الوقت".

وأوضحت أن "الحريري ليس مترددًا في تقديم التشكيلة الحكومية، لكنه مصرّ على أن تكون ضمن قواعد المبادرة الفرنسية لما فيه مصلحة لبنان".

وأكدت رولا الطبش، أن "الحريري يسعى إلى حكومة أخصائيين خالية من المحاصصة، وتكون قادرة على التفاوض مع المجتمع الدولي من أجل تحسين الوضع الاقتصادي في لبنان، وبالتالي في حال لم تتوفر هذه العوامل فإن الحريري لن يُقدّم تشكيلته".

وعن معادلة باسيل مقابل الحريري في الحكومة، أكدت رولا الطبش أن "هذه المعادلة مرفوضة منذ اليوم الأول"، مشددة على "ضرورة السير بالمبادرة الفرنسية، لأن لبنان بحاجة ماسّة إلى عملية إنقاذية".

عندما يتحول الدعم إلى تأنيب!

وتحوّل مؤتمر "دعم الشعب اللبناني" الذي عُقد يوم الأربعاء الماضي، إلى "تأنيبٍ" للطبقة السياسية، استنادًا إلى المقولة الشهيرة التي أطلقتها فرنسا بعد انفجار مرفأ بيروت، ومفادها "ساعدونا لنساعدكم"، ليتبيّن أنّ اللبنانيّين لم ينفّذوا حتى اليوم الشقّ المطلوب منهم، ويطالبون الآخرين بالمساعدة، فيما هم يتصارعون، ويعجزون عن تشكيل حكومة.

وما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تمّ تسريب ما هو أقسى منه قبل بدء المؤتمر، عبر تصريحات نسبت لمسؤول في الرئاسة الفرنسيّة، حملت الكثير من التأنيب للطبقة السياسية اللبنانية التي لم تنفذ شيئًا ممّا وعدت به، فضلًا عن كونها لم تُحرز أيّ تقدّم على صعيد مراجعة حسابات مصرف لبنان.

وأكّد ماكرون أنّ "فرنسا تساهم في دعم الشعب اللبناني"، لكن في الوقت نفسه دعا إلى ضرورة القيام بإصلاحات، وقال إنه سيتوجه إلى لبنان خلال هذا الشهر للضغط على الطبقة السياسية.

'لا حكومة قبل 3 أشهر'

وقال مرجع سياسي لـ"إذاعة صوت لبنان" لم تسمه: "لا حكومة في الوضع السياسي الراهن، وهي لن تتشكل قبل ثلاثة أشهر ونقطة على السطر"، لكن المصادر المتابعة، ما زالت تأمل بأن تترك خطابات رؤساء الدول وممثليها في باريس، أثرًا إيجابيًّا تخجل معه هذه الطبقة من نفسها، فتبادر إلى خطوات تنازلية متقابلة، وتشكل "حكومة مهمة" قبل زيارة صاحب المبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان هذا الشهر.

وليس أدل على تلك المهانة، مما جاء في البيان الختامي للمؤتمر من معاينة البنك الدولي للبنان، وفيه أن الفساد متعمد وهو ناتج عما حققته أيادي سياسيين، إضافة إلى وجوب إعادة بناء المناطق المهدمة بانفجار المرفأ بالتشاور مع السكان، فضلًا عن التنديد العلني من الرئيس الفرنسي بسلوك المسؤولين اللبنانيين الذين لم يفوا بتعهداتهم... ومن هنا اعتماد المؤتمر تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اللبناني وليس للسلطة اللبنانية.

'استياء أمريكي'

وفرضت خطوة وزارة الخزانة الأمريكية، نفسها على الملف الحكومي في لبنان، لتنضم إلى جملة العراقيل التي تحول دون تأليف الحكومة، وتهدد استمرارية المبادرة الفرنسية، علمًا أنّ مقصلة العقوبات من المرتقب أن تشمل مقرّبين من الحريري، في خطوة، إذا حصلت، توضع في إطار سياسة الحصار والتحجيم السياسي التي تنتهجها الإدارة الأمريكية ضد "حزب الله" والأحزاب المتحالفة معه، والتي ستنتقل إلى دائرة رئيس "تيار المستقبل" للتأثير عليه وتحميله تبعات إشراك الحزب، سواء في الحكومة أو في المشاورات الحكومية.

وتنظر واشنطن بقلق بالغ إلى الوضع في لبنان، وكانت لها رسالة واضحة عبر وزير خارجيتها مايك بومبيو، وكذلك عبر السفيرة الأمريكية في بيروت دوروثي شيا، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتطلع إلى تشكيل حكومة لبنانية تكون ملتزمة وقادرة على تطبيق الإصلاحات لمعالجة الوضع الاقتصادي الصعب، وتلبي متطلبات اللبنانيين وفي مقدّمها وضع حد للفساد المستشري، إلا أن ذلك لم يلقَ استجابة من المسؤولين في لبنان حتى الآن، ويخشى أن يكون ذلك مؤشرًا لعدم وجود رغبة جدّية في إجراء هذه الإصلاحات.

ولدى الإدارة الأمريكية برنامج واسع ومكتمل للعقوبات، وبناء عليه، فإن توجّه الإدارة الأمريكية لمحاسبة السياسيّين الفاسدين في لبنان سيستمر ولن يتوقف، والدفعة الجديدة من العقوبات قد لا يتأخّر الوقت على صدورها، كما ذكر مسؤولون أمريكيون في أكثر من مناسبة.

(ح)

ANHA