لبنان وتداعيات العقوبات الأمريكية على جبران باسيل

من المبكر لأوانه قياس تداعيات فرض عقوبات على النائب اللبناني جبران باسيل على الوضع الداخلي وتأليف الحكومة، إلا أنّ هناك ثمّة تداعيات حكمًا ستحصل على الساحة اللبنانية، وبخاصةٍ بعد النظر إلى موقف باسيل الرافض لفك التحالف مع "حزب الله"، بالإضافة إلى كون باسيل هو رئيس أكبر كتلة نيابية مسيحية.

لبنان وتداعيات العقوبات الأمريكية على جبران باسيل
الأحد 8 تشرين الثاني, 2020   22:36
بيروت- زياد أبو غزالة

من الواضح أن رئيس الجمهورية ميشال عون لا ينظر بعين الرضى على ما حصل، إلّا أنّه يتصرَّف اليوم من منطلق أنه رئيس كل لبنان، ليس رئيس تيار، أو "عمّ جبران باسيل"، رغم ذلك طالب وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبة، بإجراء الاتصالات اللازمة مع السفارة الأميركية في بيروت والسفارة اللبنانية في واشنطن، للحصول على الأدلة والمستندات التي دفعت بوزارة الخزانة الأميركية إلى توجيه اتهامات وفرض عقوبات بحق رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير السابق النائب جبران باسيل.

وشدّد عون، على "تسليم هذه الإثباتات إلى القضاء اللبناني ليتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بذلك"، لافتًا إلى أنه "سيتابع هذه القضية مباشرةً وصولًا إلى إجراء المحاكمات اللازمة في حال توفر أي معطيات حول هذه الاتهامات".

مصادر مطلعة تحدثت لجريدة "الأنباء" عن "انزعاج عون الشديد من العقوبات"، وأنه "طلب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الوقوف على حيثيات هذا الإجراء والدوافع له"، في المقابل، تمنى ماكرون على عون "الإسراع في تشكيل الحكومة وعدم ربط هذا الاستحقاق بموضوع العقوبات".

باسيل: "هذا ما طلبته أمريكا مني"

وقال باسيل إنّه تبلّغ من رئيس الجمهورية أنّ مسؤولًا أميركيًّا كبيرًا اتصل به وطلب منه ضرورة فك علاقة التيار الوطني الحرّ بـ "حزب الله" فورًا، وطلب منه أن يبلّغني بعجالة الأمر، وفي اليوم التالي تبلّغت مباشرة بضرورة تلبية 4 مطالب فورًا وإلا ستفرض عليّ عقوبات أميركية بعد 4 أيّام وهي فك العلاقة فورًا مع "حزب الله" وثلاث نقاط أخرى."

وخلال مؤتمر صحفي له أضاف باسيل: "طبعًا، بالمطالب وبالحديث كاملًا، لا كلمة عن الفساد، وردّة فعلي الطبيعية السريعة كانت أنّ الأمور لا تمشي معي بهذا الشكل، وأنني أرفض هذا الموضوع، وأنّه يخالف مبدأً أساسيًّا من مبادئ التيار؛ وهو رفضه أخذ تعليمات من أي دولة خارجيّة، وقلت أيضًا إننا إذا قبلنا بأن تمشي العلاقة معنا بهذا الشكل، نصير مثل غيرنا، أي نقبل أن ننفّذ أوامر وتعليمات ونصير عملاء بينما نحن نريد أن نكون أصدقاء.. فنحن أصدقاء ولسنا عملاء".

وتابع قائلًا: "بعدها، صار هناك مداخلات معي لإقناعي على أنّ الهدف عند الأمريكيين هو فرض العقوبات عليّ، إنمّا استقطابي لأكون شريكًا وصديقًا والبرهان أنّ غيري لم يتمّ تحذيرهم، أمّا أنا فأرادوا إعطائي فرصة لأخلّص نفسي لأنهم يريدونني، وسمعنا على عدّة مستويات كلامًا أننا لا نريد أن نخسر علاقتنا بباسيل"، ومرّ 25 تشرين الأوّل، وأنا كنت بانتظار العقوبات تصدر يومها، ولكن قرّرت أمريكا بعدها أنّ يعطوا مهلة ثانية لـ4 تشرين الثاني، يعني ثاني يوم الانتخابات بأمريكا وتخلّوا عن البنود 2 و3 و4 بل حصروا مطلبهم بإعلان قطع العلاقة مع "حزب الله"، ولكن على قاعدة ثانية هي العصا والجزرة".

باسيل ليس الوحيد

تؤكد مصادر دبلوماسية أن العقوبات الأمريكية والتي أكدت واشنطن استمرارها ستشمل مجموعة من القادة والوزراء السابقين وأعضاء البرلمان المتهمين بالفساد وتسهيل سياسة "حزب الله" التوسعية في هيكل الدولة اللبنانية، وتشدد المصادر على أن لوائح العقوبات تضم وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق.

وقال مسؤول رسميّ أمريكيّ، إنه "تم إدراج 23 فردًا لبنانيًّا على القائمة السوداء"، بعد تعرض رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، كأول سياسيّ لبنانيّ لعقوبات أمريكيّة بموجب قانون "ماغنتسكي"، القاضي بمعاقبة الفاسدين ومنتهكي حقوق الإنسان.

ونقلت صحيفة "عرب نيوز" السعودية عن المسؤول الأمريكي قوله "قبل شهرين، تواصلت وزارة الخارجية مع الأفراد الـ 23 الذين تم تحديدهم أسوةً بباسيل، وأنذرتهم لتغيير سلوكهم وإلا مواجهة العزلة التي تولّدها العقوبات".

وأخبر المسؤول الأمريكي "عرب نيوز" أنه "بينما تمكن أربعة أفراد من الخروج من القائمة، حاول التسعة عشر الآخرون الالتفاف على الالتزامات المطلوبة منهم ومراوغة الإدارة الأمريكية".

وأضاف: "بعض ممن تربطهم صلات وثيقة بباسيل لم يتوانوا عن طعنه بالظهر، معتقدين أن ذلك سيخرجهم من المأزق، ولكن هذا لم ينقذهم".

وحذّر المسؤول الأمريكي من أنه "لا ينبغي لأي سياسي لبناني أن يشعر بالسّعادة، فإن بعض الأفراد المدرجين على القائمة السوداء هم مقرّبون من الرئيس سعد الحريري، فالحبل على الجرّار وسيتبعه عدد أكبر من السياسيين اللبنانيين وحلفاؤهم".

ولفت المسؤول الأميركي أن "وزارة الخارجية تواصلت مع باسيل مرة أخرى قبل عشرة أيام وطلبت منه أن ينأى بنفسه علانية عن حزب الله".

وأردف: "باسيل حاول في اللقاء الأخير مع الجانب الأمريكي إقناعهم بفوائد تحالفه مع حزب الله، وإيجابيات هذا التحالف، ملقيًا الضوء على الدور المهم الذي قام به لتسهيل مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، غير أن هذه الحجج لم تقنع الجانب الأمريكي فصدرت العقوبات".

عقوبات باسيل.. والحكومة المعلقة

يدرك باسيل أن كلفة وضعه على لائحة العقوبات باهظة، وقد تكلفه مستقبله السياسي، فكيف سيكون تأثير هذا التطور غير المسبوق على المشهد اللبناني الداخلي وعلى تشكيل الحكومة؟

عُقدٌ كثيرة لا تزال تواجه التشكيلة الحكومية، حقائب الطاقة والداخلية والأشغال والصحة.. وكيفية توزيعها أو الاحتفاظ بها، وبعيدًا عن العُقَد، يعيش الحريري اليوم في مأزق، ماذا سيفعل مع "حزب الله" بعد تسليمه بمطالبهم، ورفضه التعامل وفق وحدة المعايير مع "التيار الوطني الحر"، وكيف سيتعامل باسيل مع الواقع الحكومي اليوم بعد العقوبات؟

وفي هذا السياق، أكّدت مصادر مطلعة لوكالتنا أنّه "لا تقدُّم في ملف التشكيل، والإيجابية الوحيدة هي عودة التواصل بين عون والحريري بعد انقطاع دام لأيام"، لافتةً أنّ "الحريري منهمك في عملية توزيع الحقائب، ولا يبدو أنه تمكن من إنجاز الأمر، وبالتالي لم تصل الأمور بعد إلى مرحلة إسقاط الأسماء".

وشدّدت المصادر، على أنّ "الاجتماع الذي حصل بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري مؤخرًا، لا علاقة له بالعقوبات التي فُرضت على باسيل وكان مُحدّد سابقًا".

وفي الختام، رجّحت المصادر إمكانية أنّ يكون هناك تداعيات إيجابية تتمثل بـ "إعادة النظر بمقاربة مجمل المواضيع الحسّاسة المطروحة على بساط البحث وبخاصة الملف الحكومي"، مُشيرةً إلى أنّه "ثمة تداعيات منتظرة والإيجابية تفوق السلبية، واليوم أصبح لزامًا على الرئيس الحريري أن يُعبّر عن خياراته الحكومية بطريقة أو بأخرى".

(ي ح)

ANHA