تهديد ثم تنازل.. لماذا فكك الاحتلال التركي نقاطه؟

بعد سلسلة من التهديدات والوعيد، بدأ الاحتلال التركي بتفكيك نقاطه التي سقطت تحت حصار قوات الحكومة السورية بدعم روسي، فما بين حديث عن رضوخ تركي وترويج لمقايضة جديدة لاحتلال مناطق سورية أخرى، يترقب السوريون حراك ما يسمى بـ "ثنائي الصفقات" بمزيد من القلق، فإلى أين تتجه الأحداث؟

تهديد ثم تنازل.. لماذا فكك الاحتلال التركي نقاطه؟
الخميس 22 تشرين الأول, 2020   22:23
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

ويواصل الاحتلال التركي تحضيراته للانسحاب من نقاطه العسكرية المتواجدة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الحكومة السورية في ريفي حماة وإدلب.

ونقلت القوات التركية معداتها من مورك في حين تواصل تفكيك معداتها وحزم أمتعتها في كل من شير مغار بريفي حماة الشمالي والغربي، والصرمان وتل الطوقان والترنبة ومرديخ ومعر حطاط ونقطة شرق سراقب التي تقع في ريفي إدلب الشرقي والجنوبي الشرقي، وذلك بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ونقل المرصد معلومات عن مصادر تفيد بانسحاب مرتقب للاحتلال التركي من نقاطه في ريف حلب والواقعة ضمن مناطق تسيطر عليها قوات الحكومة أيضاً.

وعقب التفاهمات الروسية التركية الإيرانية تحت غطاء اتفاق سوتشي تم تثبيت 29 نقطة مراقبة تتوزع على 12 نقطة تركية ضمن مناطق المرتزقة، و10 نقاط روسية و7 نقاط إيرانية ضمن مناطق قوات الحكومة السورية.

ومع سيطرة قوات الحكومة السورية وبدعم روسي خلال الحملة الأخيرة أواخر عام 2019، وتقدمها في مناطق واسعة بأرياف حلب وحماة وإدلب، بقيت العديد من النقاط التركية ضمن مواقعها وأصبحت محاصرة من قبل قوات الحكومة وأبرز هذه النقاط "تل الطوقان، والصرمان، وجبل عندان، والراشدين، وتل العيس، وتل الصوان شرق مورك، ومعرحطاط ونقاط حول مدينة سراقب".

وطوال الفترة الماضية أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسؤولوه التهديدات وطالبوا قوات الحكومة السورية بالانسحاب إلى ما خلف النقاط.

وفي شهر أيلول من العام الجاري حصلت مشاورات روسية - تركية في أنقرة، طالبت خلالها موسكو من الأخيرة تقليص عدد نقاطها في إدلب.

"اعتراف تركي بالحدود الجديدة"

وحول ذلك تحدث الصحفي والباحث السياسي مالك الحافظ قائلًا: "عملية تفكيك بعض نقاط المراقبة التركية تؤكد على ألّا معارك كبرى ستقع في الشمال الغربي من سوريا، وذلك بفعل تفاهمات روسية - تركية قد تكون خارج الحدود بشكل من الأشكال".

وأوضح أن "نقاط المراقبة لم تكن تصلها الإمدادات العسكرية وهي بطبيعة الحال معزولة، وبهذا الانسحاب تؤكد تركيا على اعترافها بالحدود الجديدة التي فرضتها العملية العسكرية التي كانت أطلقتها كل من موسكو ودمشق مطلع العام الجاري وسيطرت فيها على كامل الطريق الدولي M5، ومناطق من أرياف إدلب وحلب، رغم الرفض التركي لما كان قد حصل في ذلك الوقت".

وأضاف الحافظ: "لذلك فإن عمل نقاط المراقبة التركية معدوم القيمة في تلك المنطقة في ظل سيطرة روسية والانسحاب التركي لا يعني أن التصعيد في إدلب قد انتهى، لكنه بالتأكيد ليس بين الروس والأتراك".

وبدوره قال مدير مركز كرد بلا حدود كادار بيري: "منذ فترة بدأت تركيا بتفكيك بعض المواقع التي تريد إخلاءها حسب الاتفاقات الروسية – التركية، فمثلًا عندما بدأ المرتزقة بتفكيك المفاعل الحراري في منطقة زيزون علمنا تمامًا بأن التركي تخلى عن تلك المنطقة، وخلال أيام أو أشهر سيتم تسليم تلك المناطق للنظام".

"تفاهمات روسية - تركية خارج الحدود"

وحول مستقبل التفاهمات الروسية – التركية قال الحافظ: "ملف جنوب القوقاز هو طرف في معادلة التفاهمات الروسية - التركية، وهو الملف الذي قد يكون ساهم بدفع عجلة نقاط المراقبة التركية خطوة إضافية بعد تأجيل تركي متكرر للانسحاب منها خلال الفترة الماضية، وهذا يعني أن الاستجابة التركية قد تؤدي إلى حصول تبادل نفوذ في مناطق الشمال السوري".

وأضاف "تركيا تدرك أن روسيا تريد أكثر من الانسحاب من نقاط المراقبة التركية غير الفعالة، فالروس يذهبون لأبعد من ذلك حيال تفعيل الطريق الدولي M4 والسيطرة على محيطه كاملاً وتفريغ المنطقة من القوى الإرهابية، وهذا يفسر عدم عودة الروس إلى الدوريات المشتركة الذين تذرعوا باستمرار "الهجمات الإرهابية" على تلك الدوريات".

"المقايضة بين الجانبين في الملف السوري غير كافية"

وحول التقارير التي تحدثت عن مقايضة جديدة بين روسيا وتركيا في شمال غرب وشمال وشرق سوريا رأى مالك الحافظ أن "المقايضة بين الجانبين داخل الملف السوري غير كافية، فتداخل المسائل المتعلقة بينهما تدفع للقول أن أي تفاهم يُبنى فقط على تبادل مناطق نفوذ بين الشرق والغرب الشمالي من سوريا هو نظرة قاصرة، لكن في المقابل فإن الروس ولو أنهم يتابعون انسحاب الأتراك من بعض نقاط المراقبة فإن تنفيذ أي انسحاب من قبل الروس من مناطق في شمال وشرق سوريا مثل كوباني أو منبج هو أمر غير وارد طالما أن نفوذ القوى الإرهابية ما زال متمثلاً في محيط الطريق الدولي، فضلاً عن أن خطوة الانسحاب من نقاط المراقبة هي خطوة تنفيذية أولى باتجاه الاتفاق على تفعيل الطرق الدولية كما ترتأي موسكو".

وأضاف: "الحديث عن ذلك غير ممكن بالشكل الذي يتم الحديث فيه عن توسيع نفوذ كبير لتركيا في تلك المناطق، فالروس يعتبرونها أيضاً مناطق حيوية لهم، وفرض نفوذ حيوي للروس أمر لن تقبل موسكو التفريط به، لذا فأي تقدم للأتراك في شمال شرق سوريا سيتم بشكل محدود قد يتمثل بالوصول إلى منبج، ومناطق أخرى في شمالي حلب بالقرب من مناطق النفوذ التركي من أجل أن تضمن أنقرة تأمين "حزام أمان" يحيط بتلك المناطق، ولكن لن يحدث ذلك دون تقدم نفوذ روسي ملموس في الشمال الغربي، وليس الاكتفاء فقط بالانسحاب من بعض نقاط المراقبة التركية".

وبدوره كادار بيري رأى بأن ما يحدث هو عبارة رضوخ تركي لروسيا من جهة ومقايضة بين الطرفين من جهة أخرى قائلًا: "كان هذا ضمن الاتفاقيات السابقة بين تركيا وروسيا باحتلال بعض المناطق من الأراضي السورية، كما لاحظنا بأن هناك تصريحات روسية قبل فترة بأن تركيا لم تلتزم بالإيفاء بوعودها وعندما تكون التصريحات من دبلوماسيين على مستوى لافروف فهذه رسالة إلى القيادة التركية وتحديداً لأردوغان بأن عليك الالتزام بالاتفاقيات التي تم إبرامها بيننا وهي الانسحاب من تلك المناطق مقابل المناطق التي تم احتلالها".

"لا اتفاق على احتلال مناطق جديدة ولكن نتوقع كل شيء من تركيا"

وأردف بيري قائلًا: "أستبعد أن يكون هناك اتفاق جديد على احتلال مناطق سورية جديدة لأن هناك طرفين موجودين على الأرض وهما روسيا وأمريكا، والتركي لا يمكنه أن ينفذ أي شيء إلا بموافقة كلا الطرفين".

وأضاف: "هذا الاستبعاد يأتي من قراءة  سياسية للواقع الجيوسياسي للمنطقة بشكل عام ولكن التركي دائماً نتوقع منه كل ما هو سيء وخاصة سياسات حزب الإخوان المسلمين الإرهابي المسمى العدالة والتنمية".

"تركيا تخطط لاستثمار تداعيات تقدم قوات الحكومة"

كادار بيري أشار إلى الفائدة التركية من سحب نقاطه قائلًا: "نقطة أخرى تستفيد منها تركيا بتسليم تلك المناطق وهروب ونزوح عشرات الآلاف ممن سكنوا في منطقة إدلب، هي جلب هؤلاء الإرهابيين وعوائلهم وتوطينهم في مناطق كري سبي/ تل أبيض وسريه كانيه/رأس العين وعفرين والمناطق التي تم احتلالها، من أجل أن يدّعي أردوغان بأن هناك أزمة لاجئين لديه وعليه أن يتقدم خطوات أو أن يبني، ويريد الدعم وأن يكون شريكاً في إعادة الإعمار وشريكًا في بناء مستوطنات جديدة في تلك المنطقة، ويريد إحداث التغيير الديمغرافي الذي يحلم ويسعى إليه التركي بعد أن فشلت جميع سياساته باحتلال كامل سوريا أو المناطق الحيوية منها مما كان يدّعيه الأتراك بالاتفاق الملي التركي".

وأضاف: "فشل تركيا السياسي أدى بها للتفكير بأشياء إجرامية أخرى وهي تثبيت التغيير الديمغرافي وهذا ما يسعى له أردوغان من الاتفاقيات الحالية أو من الانسحاب الحالي".

"روسيا تبحث عن مصالحها فقط"

وحول الموقف الروسي قال كادار بيري: "أنا أحد الأشخاص الذين لا يؤمن بأن روسيا تريد الخير لسكان سوريا كاملةً، روسيا تبحث عن مصالحها فقط".

وأوضح أن "أحد المصالح الروسية هي أن يكون هناك توافقات بينها وبين التركي ليس فقط في سوريا وإنما في القرم وأرمينيا والمتوسط وليبيا، وهناك الكثير من الأمور الشائكة وهي نقيض القطبين مع التركي الذي يحاول أن يكون على توافق بين القطبين الأمريكي والروسي، وهذا ما يعطيه بعض القوة في بعض الأماكن وأعتقد ستكون نهاية الدولة التركية على نفس النقطة التي يأخذ منها هذه القوة".

وقال بيري مختتماً: "لأن حالة النقيض أو التوافق بين النقيضين هو احتلال وهو يريد أن يكوّن لنفسه رقماً بين هؤلاء وهذا غير ممكن بسبب سوء الإدارة التركية والتعامل السلبي مع كل دول الجوار والوضع الاقتصادي المنهار جداً في تركيا".

(ح)

ANHA