"عد إلى بلادك".. منشورات عنصرية ضد السوريين في تركيا

تصاعد مؤخرًا وبشكل كبير الخطاب العنصري ضد السوريين في تركيا، ليصل في بعضه إلى القتل، وسط اتهامات من قبل صحفيين وناشطين سوريين بدور سلبي لسياسيين ومعارضين أتراك، أدى إلى تزايد هذه الموجة من الجرائم العنصرية.

"عد إلى بلادك".. منشورات عنصرية ضد السوريين في تركيا
الخميس 10 يلول, 2020   01:03
بيروت- زياد أبو غزالة

آخر ما تم توثيقه في هذا المجال، توزيع منشورات في غازي عنتاب كُتب عليها بلغة عربية ركيكة "عد إلى بلادك السوريين أنت غير مرحب به"، إضافة إلى ما حصل في ولاية هاتاي، عندما اعتدى بعض الشبان الأتراك على شابين سوريين بالضرب الوحشي، وهم يصرخون في وجوهم: "إما أن ترجعوا إلى بلادكم، أو سنقتلكم".

استخدام تركيا للوجود السوري سياسيًّا

الطبيب السوري محمد كتوب تحدث لوكالة أنباء هاوار بهذا الخصوص قائلًا: "بالحقيقة اختلف التعاطي مع السوريين بشكل كبير، في العام 2014 كان الشعب السوري مرحب به بشكل كبير، ولكن كثير من وسائل الإعلام نسبت كل ما يحصل في تركيا من توتر علاقات مع عدة دول، وتراجع في سعر الصرف، وبالتالي القدرة الشرائية للمواطن التركي، والكثير من الأشياء، إلى الوجود السوري، في المقابل يرى المواطن التركي حكومته تصرّح عن مصاريف هائلة تقع على عاتقها نتيجة الوجود السوري، وهذا لا ينكره أحد، ولكن وظف في غير مكانه".

ويؤكد كتوب أن "خطاب الكراهية يتفاقم، ولا يمكن لوم التركي كمواطن، هو ضحية هذا الخطاب غير الواضح مثله مثل اللاجئ، لكن الإعلام التركي يردد ما تقوله الحكومة، أو ما تقوله أحزاب المعارضة، وكلا الخطابين يستخدمان قضية اللجوء السوري في تركيا سياسيًّا".

من ينظر إلى القضية بشكل أشمل، فإنه لا يمكن إهمال دور السلطات التركية السلبي في هذا المجال، عبر ممارستها في أحيان كثيرة دور المتفرج على الخطاب العنصري الصادر من قبل سياسيين ونواب ومعارضين، دون أي إجراءات قانونية حاسمة تستطيع قطع الطريق على مثل هذه التجاوزات والجرائم، وإن تدخلت – هذه السلطات – فيكون عبر رد الفعل والوقوف موقف المدافع الذي يحاول دفع التهمة عن جريمة ليست موجودة أصلًا، أو عبر رد فعل على نشر ناشطين سوريين رصدوا هذه الاعتداءات وروجوا لها في مواقع التواصل الاجتماعي.

عوامل تصاعد الخطاب العنصري

ما سبب تصاعد الخطاب العنصري ضد العرب، خاصة السوريين الذين استقبلوا استقبال الأبطال بداية الأزمة؟ يؤكد كتوب الذي عاش في غازي عنتاب خمس سنوات، أن عدة عوامل ساهمت بتصاعد هذا الخطاب العنصري "أولها خطاب غير ناضج من الحكومة التركية بدأ في ٢٠١١ بمهاجرين وأنصار، وتمييز إيجابي للسوريين، وإفساح المجال لهم بالعمل دون تراخيص ودون تنظيم وإعفاء من المخالفات وإعطاء بطاقة الحماية المؤقتة وفتح كامل للحدود بدون أي تحقق من ثبوتيات أو أوراق، لينقلب فجأة إلى تدقيق وترحيل ورفض طلبات أذونات العمل والإقامة وإغلاق حسابات بنكية وتوظيف مخابراتي للسوريين، وخطاب إعلامي يتاجر بالسوريين ويتباهى بالإنفاق عليهم، ويخاطب باقي حكومات العالم بأنه حمل مسؤولية السوريين وحده عنهم، حتى وصل في النهاية لاستخدام السوريين كفزاعة ضد أوروبا ومرتزقة في حروب خارج البلاد، وتخلل ذلك استخدام لخطاب ديني يستحضر الحنين لأيام السلاطين ويستقطب الإسلاميين".

سبب آخر لتصاعد الخطب العنصري في تركيا يؤكد كتوب أن "مؤسسات سورية مولودة حديثًا من دون خبرات، اتجهت للتعامل مع الحكومات وليس مع المجتمع والمؤسسات الأهلية التي تشبهها، واضطرت للتماهي مع تقلبات سياسة الحكومة التركية للحفاظ على وجودها، عدا أن جزءًا كبيرًا منها لم يستطع التخلي عن ثقافة الحزب الواحد والقائد الخالد، فوجدوا لأنفسهم سلطانًا بدل القائد الخالد، وبرروا كل شيء بما فيه ترحيل سوريين مثلهم، ذنبهم أنهم لم يحصلوا على ثبوتيات فقط".

ويختم الطبيب السوري كلامه بالقول: "هذا إنذار خطير ولن تستطيع أي إجراءات صارمة أو حملات إعلامية الآن تغيير هذا النفس العنصري، هذا يحتاج إلى سنوات من العمل من كل هذه الأطراف".

العنصرية المتنامية ضد العرب

العداء الموجه ضد العرب يرتكز على محورين أساسيين: الأول ضد السياح القادمين من الخليج العربي، والذين يتصفون بالغنى ويتدفقون إلى المدينة بشكلٍ كبير للعيش أو للتسوق وإجراء عمليات زراعة الشعر، حيث يطلق عليهم أهل المدينة لقب "بدو مع مرسيدس"، كما أن سلوك بعض السياح من الشباب "المتحررين" من قيود الخليج يثير السخرية لدى الأتراك على نحو كبير.

أما المحور الثاني فيدور حول مجموعة أفقر ماديًّا بكثير مقارنة بالأولى، وهم اللاجئون الفارون من الحرب السورية، فبحسب إحصائيات الأمم المتحدة، تستضيف تركيا أكبر عدد لاجئين في العالم، بما في ذلك ما يزيد على 3.6 مليون لاجئ سوري، حيث يعيش نحو نصف مليون لاجئ سوري في اسطنبول بشكلٍ رسمي ويشكلون 3.4 في المئة من سكانها.

العنصرية تُزرع في المدارس

تثير اللغة العربية التي دخلت إلى المجتمع التركي والحياة العامة القلق من أن اللاجئين سيعملون على "تغيير أو تلويث" الثقافة التركية، وقد شدّدت وزارة الداخلية مؤخرًا على استخدام اللغة العربية على 25 في المئة فقط من اللافتات على واجهات المحال، كما تبنى عمدة اسطنبول أكرم إمام أوغلو لغة عنصرية، فقد قدّم خلال حملته الانتخابية وعودًا بترحيل السوريين إلى بلادهم، إلى "سورية الآمنة"، وبالرغم من معارضته لأردوغان، إلا أن خطابه هذا ساهم في تحقيقه للفوز في منطقة الفاتح، وهي معقل حزب العدالة والتنمية ومكتظة باللاجئين السوريين.

الحالة العنصرية ضد العرب في تركيا ليست بجديدة، فبحسب أحد المحاربين القدامى والمؤيدين لأردوغان، فإن بذرة العنصرية تزرع في المدارس، حيث تُعلّم الكتب المدرسية الأطفال الأتراك أن العرب خذلوهم وتخلوا عنهم في الحرب العالمية الأولى، ومن قبل أزمة اللاجئين السوريين، يحب القوميون المتشددون في تركيا استخدام مصطلح "الأتراك الأصليون"، وهو مصطلح يستخدم لاستبعاد الكرد، وجميع الأقليات غير المسلمة مثل الأرمن واليهود، لكنه اليوم يُستخدم لاستبعاد العرب، فحظر استخدام اللغة الكردية، في الأماكن الخاصة أيضًا وليس فقط العامة، قد رُفع فقط في العام 1991، ولا يزال الكرد، الذين يشكلون 20 في المئة من سكان تركيا، يتعرضون لشتى أنواع القمع في شرق تركيا وإلى الضغوط السياسية في شتى أنحاء البلاد.

العنصرية تطال معظم العرب

ولا تقتصر العنصرية في تركيا على جنسية أو فئة بعينها، فكل من هو ليس تركيًّا معرّض للعنصرية، وهي ليست شائعة على المستوى الشعبي فقط، فقد يواجه المقيمون عنصرية من جانب بعض المصالح الحكومية، مثل مديرية الهجرة أو أقسام الشرطة.

شاب مصري تحدث شرط السرية خوفًا من الترحيل، قال إنه "تعرض لموقف عنصري وتعنت من جانب مأمور قسم تركي في حي كوجك جكمجة بإسطنبول، عندما ذهب إليه لعمل محضر فقدان جواز سفر"، وأضاف أن "الضابط تغيرت لهجته عندما أدرك أن محدثه عربي، وقال له إنهم غير مختصين في عمل محاضر جوازات لغير الأتراك، ثم قال له "لن نحمل هم العرب، يكفينا الأتراك".

وعندما رد عليه الشاب بأن ما يطلبه هو حقه القانوني سواء كان عربيًّا أم غير ذلك، قال الضابط "يمكنني خدمة بقية الجنسيات لكني لا أريد التعامل مع العرب، ولا يشرفني الدخول لأي دولة عربية"، وبعد مشادة مع ضابط القسم توجه الشاب المصري إلى قسم آخر، حيث استطاع استخراج محضر فقدان جواز سفر قبل ذهابه إلى القنصلية المصرية في إسطنبول لاستخراج جواز سفر جديد.

ويصل عدد العرب بشكل عام في تركيا إلى 5 ملايين مقيم، يتراوح عدد المصريين بين 10 إلى 15 ألفًا، يتركز معظمهم في إسطنبول، فيما يبلغ عدد السوريين في إسطنبول نحو 559 ألف شخص بحسب بيان لـ"المديرية العامة للتعلم مدى الحياة" التركية نشر في العام 2018، وقد يزيد هذا العدد إذا أضيف إليه غير المسجلين.

(ي ح)