​​​​​​​إرث بيروت التاريخي يعصف به انفجار المرفأ و"صيّادو العقارات"

أتى انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب ليحول بعض الأبنية الأثرية إلى ركام، خاصة أن عدداً كبيراً منها يتوزع في مناطق قريبة من موقع الانفجار، هذه الأبنية التي سبق أن دُمّر عدد منها وكان القسم المتبقي مهدداً بالتدمير في غياب أي خطة من الدولة اللبنانية للمحافظة عليها.

​​​​​​​إرث بيروت التاريخي يعصف به انفجار المرفأ و"صيّادو العقارات"
الجمعة 28 آب, 2020   02:22
بيروت- زياد أبو غزالة

عشرات الأبنية الأثرية في الأشرفية ومحيطها، لم يرحمها الانفجار بعصفه الشديد الذي بلغ 4.5 على مقياس ريختر، قوة كانت كفيلة بإحداث تدمير جزئي أيضاً لمبانٍ أخرى لم تصمد أمام قوة الانفجار شأنها شأن مئات اللبنانيين الذي سقطوا بين قتيل وجريح ومفقود.

ومن بين هذه المباني الأثرية المتضررة ما يعرف بـ"البيت الأصفر" أو "مبنى بركات" الواقع في منطقة "السوديكو" المحاذية لمنطقة الأشرفية، والذي لحقت به أضرار محدودة في المنشآت، لا سيما في النوافذ والأبواب إضافة إلى الألواح الخشبية المثبتة في محيطه.

هذا المبنى الذي يعتبر من أبرز وأهم المباني الأثرية في بيروت، حيث يعود تشييده إلى عام 1924 على يد المهندس المعماري اللبناني يوسف أفندي أفطيموس، والذي كان حريصاً أن يترك فراغاً في وسطه، ثم أضيف إليه طابقان بناهما المهندس المعماري فؤاد قزح الذي استعمل الباطون "الخرسانة" كدلالة على تطور العمارة من الحجر الرملي إلى الباطون في عشرينيات القرن الماضي.

تضرر معالم تاريخية

وحول هذا الموضوع الذي أمسى الشغل الشاغل للكثير من اللبنانيين، قال المؤرخ اللبناني الدكتور حسان حلاق لوكالتنا: "نتيجة لانفجار مرفأ بيروت المحروسة فقد تضررت الكثير من المناطق والأحياء التراثية البيروتية، ومن بينها مناطق الأشرفية والجعيتاوي والجميزة ومار مخايل ومار متر وسواها من الأحياء والمناطق البيروتية".

وأكد المؤرخ اللبناني أن "هذه الأحياء تتميز بتراث معماري من العهدين العثماني والانتداب الفرنسي، وقد حافظ الأجداد على هذه المباني والبيوت، وقد سكنها الأحفاد، وتلك المناطق تعدّ مناطق سياحية، لأنها تستقطب الكثير من القادمين إلى بيروت المحروسة بسبب فن العمارة العثمانية والأوروبية، كما أن بعضها لا سيما منطقة الأشرفية تضم متحفاً مهماً وفريداً هو متحف سرسق، فضلاً عن قصور السرسق وبسترس وتويني...".

من بين 1200 منزل أثري انتشر بين شوارع وأحياء العاصمة، لم يبق منها اليوم أكثر من 250 منزلاً، وبعضها على طريق الهدم والزوال لأسباب ربحية وتجارية دون وجود حسيب أو رقيب يمنع هدم هذه البيوت ومحو الوجه المعماري والتراثي للعاصمة، وذلك في ظل مشروع قانون لا يزال يقبع في أدراج المجلس النيابي، بعدما كان مجلس الوزراء قد أقر مشروع قانون لحماية المواقع والأبنية التراثية في لبنان عام 2017، وتم تحويله إلى اللجان المختصة في مجلس النواب مطلع 2018 لدراسته، تمهيداً لإحالته إلى الهيئة العامة وإقراره.

استغلال "صيّادي العقارات" للوضع الاقتصادي

سألنا أستاذ التاريخ في جامعة بيروت العربية إن كان هناك خوف من استغلال هذه الكارثة لهدم هذه البيوت العريقة بذريعة السلامة العامة بدلاً من ترميمها، أو بيعها؟ يؤكد لنا الدكتور حسان أن "بعد انفجار مرفأ بيروت وانهيار الكثير من المباني التراثية وتضررها ضرراً كبيراً، وبما أن الكثير من البيارتة يعانون من ضيق الحال نتيجة الأوضاع المالية المتردية، فقد نشط بعض السماسرة لشراء هذه المباني والعقارات بمبالغ مغرية، غير أن أصحاب المباني وأفراد المجتمع المدني والأهلي والجمعيات في جميع المناطق والأحياء طردوا السماسرة مع إصرارهم على البقاء في بيوتهم ولو مهدمة والتي عاش فيها الأجداد".

يضيف المؤرخ اللبناني لوكالتنا: "نشطت المؤسسات المدنية والاجتماعية والخيرية والبلدية، لا سيما بلدية بيروت والهيئة العليا للإغاثة واليونسكو ومنظمات أخرى بهدف ترميم البيوت التراثية والحفاظ عليها ومنع إنشاء أبراج مكانها، والعمل الأهلي مستمر يومياً من أجل الترميم وإعادة البناء".

"بيروت المحروسة باقية"

لم يكن أحد من أبناء بيروت يتوقع أن يتلقى اتصالاً بعد كارثة بحجم انفجار مرفأ بيروت، لسؤاله ما إذا كان يرغب ببيع منزله الذي تضرر نتيجة عصف الانفجار، وهو الذي لم يفكر في أي وقت من الأوقات برغبته عن التخلي عن بيته، فقد تلقى عدد من أهالي بيروت اتصالاً من شخص عرّف عن نفسه بأنه موظف في مكتب عقارات، وأن لديه معلومات عن شقق للبيع، لكن الغالبية العظمى - إن لم نقل جميع من تلقوا مثل هذا الاتصال - كان ردهم السريع أن لا رغبة على الإطلاق بالبيع.

إصرار أهالي بيروت على إصلاح ما تهدم من منازلهم وعدم الموافقة على أي عملية بيع أياً كانت المغريات المالية، وحول ذلك تحدث لنا أستاذ التاريخ في جامعة بيروت العربية قائلاً: "بالرغم من أن الأبنية الأثرية دمرت نتيجة الانفجار، فإن أسعارها لم تنخفض، بل العروض كانت سخية جداً، والحقيقة إن طبيعة السماسرة والمستغلين هي استغلال مصائب الناس أثناء النكبات وبعدها، ولكن أحداً لم يتجاوب من السكان، بل هناك حرص كبير وتصميم على ترميم البيوت الأثرية والعودة للسكن فيها من جديد"، ينهي الدكتور حسان حلاق كلامه لوكالتنا بالقول: "إنها إرادة الحياة، بيروت المحروسة باقية باقية باقية...".

قرار محلي ودولي للحفاظ على هوية بيروت

وقال وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى: "إنّ المسح الميداني الأولي للبيوت المتضرّرة شارف على الانتهاء، وإنّه جرى مسح 400 بيت حتّى نهاية الأسبوع الماضي، وبدأنا تحضير ملفات لكلّ مبنى تتضمّن تفاصيل عن حجم الأضرار لتقديمها إلى الجهات المعنية التي ستقوم بعملية الترميم، ويفترض أن تكون هذه التقارير جاهزة"،  ويلفت إلى أنّ هناك عشرات البيوت وضعها حرج جداً ومهددة بالسقوط: "صراعنا اليوم مع الوقت لتدعيم هذه البيوت قبل فصل الشتاء، تدعيم أوّلي كي لا نخسرها، وبدأت هذه العملية بالتعاون مع شركات تبرّعت بذلك".

ويتحدث مرتضى عن دعم دولي للبنان في هذا الموضوع تحديداً من شركات دولية في طليعتها اليونسكو، ويكشف عن "العمل على تشكيل لجنة وطنية تمثَل فيها كلّ الجهات المعنيّة والجهات الحريصة على بيروت، وتاريخ المدينة"، وينقل وزير الثقافة حرص المعنيين اللبنانيين أيضاً على الحفاظ على النسيج الاجتماعي والحضاري والتراثي والثقافي لبيروت.

من جهته المنسق الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش كتب عبر حسابه على "تويتر": "إما أن يبادر المجتمع الدولي بصورة فورية بالمساعدة في تأهيل المنازل المهدمة وإعادة تزويدها بالخدمات الأساسية من مياه وكهرباء في الأحياء التي دمرت بسبب انفجار ميناء بيروت، أو ستواجه بيروت خطر فقدان جزء من تاريخها وتراثها المعماري وطابع أحيائها القديمة إلى الأبد".

(ي ح)