تركيا تسعى إلى إلغاء اتفاقية إسطنبول فما غايتها من ذلك؟

فجّر إعلان حزب العدالة والتنمية الانسحاب من اتفاقية إسطنبول لمناهضة الاعتداءات ضد المرأة وحمايتها من العنف المنزلي، موجةً من الاحتجاجات من قبل النساء، وسط مواصلة تركيا لسياساتها القمعية، وذلك من خلال مظاهرات مُنددة بإلغائها، واعتقال الناشطات والصحفيات، فما غاية تركيا من إلغاء هذه الاتفاقية؟

تركيا تسعى إلى إلغاء اتفاقية إسطنبول فما غايتها من ذلك؟
الأحد 23 آب, 2020   21:05
مركز الأخبار/ سوزدار وقاص

يعد العنف ضد المرأة انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، حيث تعاني أكثر من 70% من النساء من العنف في حياتهن، أي أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم يتعرضن للعنف بأشكاله بحسب إحصائية نشرتها الأمم المتحدة، وينجم ذلك عن التمييز ضد المرأة قانونيًّا وعمليًّا، وكذلك عن استمرار نهج اللامساواة بين الجنسين.

لوحظ في الفترة الأخيرة ارتفاع عدد حالات القتل والاعتداء الجنسي والنفسي ضد النساء في جميع البلدان، ونخص بالذكر الدولة التركية التي ازدادت فيها نسبة الاعتقالات والقتل بحق المرأة، بالإضافة إلى تراجع مؤشر الحريات، وهي تحتل الآن المركز الثاني من بين أكثر دول العالم تدهورًا خلال السنوات العشر الأخيرة.

والسؤال هنا، ما هي الخطورة التي تشكلها المرأة لتتلقى كل هذا الاعتداء من قبل السلطة الذكورية المهيمنة؟، ولماذا يتم تجاهل ظاهرة قتل النساء هناك؟ وهل اتفاقية إسطنبول بحاجة إلى تعديل قوانينها لتفعيلها حقيقة؟

تبنى مجلس أوروبا، وهو منظمة أوروبية تدافع عن حقوق الإنسان ودولة القانون مقرها ستراسبورغ، «اتفاقية إسطنبول» عام 2011، وهي أول آلية فوق وطنية تضع معايير ملزمة قانونيًّا ترمي إلى منع العنف ضد المرأة، ووقّعت عليها تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، وصادق عليها البرلمان بتصويت من جميع نوابه (550 نائبًا في ذلك الوقت)، فيما يسعى الحزب نفسه الآن إلى الانسحاب من الاتفاقية بذريعة أنها لا تتناسب مع الدين والعرف في تركيا.

لكن.. ما تم إبرامه بقي حبرًا على ورق، فما يحصل في الحياة اليومية في تركيا يوضح أنه لا يتم تطبيق بنود اتفاقية إسطنبول وتدابير الحماية للنساء، فما يجري الآن يثبت ذلك، ووفقًا للإحصائيات، فقد قُتلت حوالي 124 امرأة في غضون الستة أشهر الأولى من هذا العام في تركيا، وفي شهر حزيران فقط قُتلت 27 امرأة أما في شهر تموز فقتلت 36 امرأة من قبل الرجال.  

بالطبع، حكومة العدالة والتنمية التي يترأسها أردوغان وحزبه ترفض تطبيقها، أولًا لأنها إذا انسحبت من هذه المعاهدة ستضعف مكانة المرأة في المجتمع، وتفرض السلطة الذكورية التي ستؤدي إلى ارتفاع حالات القتل، وبالتالي إلغاء هذه الاتفاقية يعني السماح للرجل باستخدام العنف ضد النساء، وذلك تحت حماية الحكومة، في الوقت الذي يتطلب فيه منها تحديد الحقوق والمساواة وعدم التمييز بين الجنسين.

ويأتي الحراك النسائي هذا وسط تزايد حالات العنف المنزلي في تركيا خلال الأشهر القليلة الماضية، مع تزايد الحديث من مسؤولي حزب العدالة والتنمية عن فكرة الانسحاب من اتفاقية إسطنبول الذي شكل ردود فعل غاضبة من الجمعيات والمنظمات المعنية بحقوق المرأة.

وضاعف من حدة الغضب تجاه الدعوة إلى الانسحاب من الاتفاقية أنها تزامنت مع وقوع جريمة قتل بشعة لفتاة جامعية تدعى بينار غولتكين في السابعة والعشرين من عمرها في تركيا، الأمر الذي أثار غضبًا شديدًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وحرك دعوة قوية لتنفيذ اتفاقية إسطنبول.

ليس هذا فحسب، بل تداولت العديد من وسائل الإعلام التركية، مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، أنباء عن استعدادات يجريها النظام الحاكم لعرض مشروع قانون "الزواج من المغتصب" الأمر الذي قوبل برفض شديد، لا سيما من قبل المنصات والمنظمات الحقوقية المعنية بحقوق النساء والأطفال.

ويسمح مشروع القانون المذكور للرجال المتهمين باغتصاب فتيات تحت سن 18 عامًا بتجنب العقوبة إذا تزوجوا من ضحاياهم.

وأثار مشروع القانون كثيرًا من الجدل والغضب في صفوف الجمعيات الحقوقية ومنظمات المرأة، التي تقول إنه يشرع للاغتصاب، فيما تصر الحكومة على أنه يهدف إلى معالجة ظاهرة زواج الأطفال التي تنتشر على نطاق واسع.

لذا يوضح عدم السماح بتطبيق الاتفاقية إعفاء السلطات من حماية المرأة من العنف الأسري والمنزلي.

وإذا جمعنا كل تلك التحاليل نتوصل إلى أن الهدف من كل هذه الأفعال هو عدم رغبة تركيا التخلي عن سلطتها، فإذ وصلت المرأة إلى حريتها ستكون بالنسبة لتركيا تخليها عن السلطة، لأن المرأة المنظمة تدير المجتمع بكل عقلانية، وهذا ما يثير المخاوف لدى أردوغان.

ونستطيع إثبات ذلك من خلال حملات الاعتقالات التي تشنها الدولة التركية ضد النساء في تركيا وباكور كردستان ونساء في الحركات النسوية والصحفيات.

لذلك، لا يمكن تفادي العنف والتمييز ضد النساء إلا إذا نفذت العدالة والسلطات الاتفاقية بشكلها الصحيح.

كيف يمكن تجنب العنف وتحديد المساواة بين الجنسين؟

بدون شك إذا استمر الوضع على ما هو عليه اليوم في تركيا، والذي أثار جدلاً واسعًا من قبل النساء، وتنظيمهن للاحتجاجات الواسعة، رافضات إلغاء هذه الاتفاقية وقوانين العقاب ضد المجرمين فإنها سوف تتجه إلى كارثة حقيقة، ليس في تركيا فقط بل في جميع بلدان العالم.

لذا.. لتجنب هذه الكوارث يمكن طرح بعض الحلول، ألا وهي التغير في ذهنية الرجل نفسه، وماذا عليه فعله للوقوف تجاه العنف المُمارس ضد المرأة؟

ونظرًا لما نمر به، يتطلب التغير في النظرة الثقافية للمجتمع والرجل، أي النظرة السلبية لحرية وحقوق المرأة، وأيضًا التشريعات الدينية الخاطئة التي تُعزّز تميز الذكور عن الإناث للتخلص من النظرة الدونية للمرأة على أنها في أدنى مكانة من الرجل، فالتميز وعدم المساواة لا يهدد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل يُهدد جميع أشكال الحقوق، لذا من الضروري عودة الرجل إلى ذاته لخلاص المجتمع من مساره الخاطئ الذي يعنّف المرأة.

ANHA