التدخلات التركية تهدد أمن المنطقة وتنعكس بشكلٍ سلبي مباشر على العرب

التدخلات التركية تهدد أمن المنطقة وتنعكس بشكلٍ سلبي مباشر على العرب
الأحد 21 حزيران, 2020   02:17
هاني سليمان

إن أهداف ومحددات التحركات التركية الأخيرة في المنطقة؛ يحكمها عدة اعتبارات، فهي تعبير عن تحول استراتيجي في السياسة الخارجية التركية ناحية مزيد من الانخراط في قضايا الشرق الأوسط بشكلٍ مباشر، بدلاً من الاعتماد على الوسطاء من حركات الإسلام السياسي والميليشيات، وبالتوازي معها، إدراكاً من ضرورة حسر التراجعات الأخيرة التي لحقت بالمصالح التركية.

زيادة الضغوط على النظام التركي سواءً على المستوى الاقتصادي والحاجة إلى تأمين موارد جديدة دفعه إلى البحث عن مصالح اقتصادية في المتوسط وتأمين النفط في الداخل الليبي والسطو على مقدرات الشعب الليبي، علاوةً على الضغوط السياسية والعزلة الإقليمية، وهو ما جعل تركيا تبحث عن تحركات جديدة تضمن لها ضغوط على دول المنطقة للابتزاز، ولتسريب الضغوط وخلق معارك خارجية لتحقيق مكاسب سياسية.

إن السلوك التركي الفترة الأخيرة في الإقليم مبعثه دوافع أيديولوجية تستدعي دائماً أمجاد الدولة العثمانية، وهو ما يتضح جلياً في بعض الأمور المراسمية، وفي تحليل مضمون خطابات أردوغان، وفي التحركات التركية الخارجية الفترة الأخيرة، والبحث عن دور إقليمي كبير لتركيا، في ظل انشغال الدول الكبرى بأزماتها الداخلية ومكافحة وباء كورونا.

غير أن هذا السلوك التركي يفرز عددًا من الملاحظات المهمة، فيؤكد الهجوم العسكري التركي على إقليم كردستان العراق على أن عمليات "مخلب النمر" التي تقوم بها تركيا حاليًا لن تكون الأخيرة إذا ما استمر النهج الدولي على ذلك الصمت والترقب، علاوةً على أن تلك الهجمات تشكل انتهاكًا للسيادة العراقية واعتداء على دولة مستقلة ذات سيادة وتتعارض مع قواعد ومبادئ القانون الدولي والمواثيق الأممية، ويسهم بشكلٍ كبير في زيادة عدم الاستقرار وتأزيم الموقف، على الرغم من أن الدولة العراقية ووزارة الداخلية والدفاع العراقية قد أعربت أكثر من مرة استعدادها للتعاون المشترك مع تركيا في ضبط الأمن على الحدود بالشكل الذي يؤمن مصالح الجانبين، ودعوة تركيا لوقف العمليات العسكرية الأحادية، وهو ما يكشف أن الادعاءات التركية ما هي إلا مجرد حجج واهية وذرائع للتدخل وتحقيق أهداف خاصة للقضاء على فصائل الكرد، وهو ما يتضح من حجم العمليات الحالية التي تعد ثاني أوسع هجوم تركي على تلك المناطق وبخاصة منطقة شنكال-سنجار، بعد هجوم نيسان/أبريل سنة 2017، الذي يدخل ضمن دائرة "الإبادة الثقافية" في ضوء وحشية الهجمات والقضاء على مكون ثقافي اجتماعي أصيل.

والتحركات التركية الأخيرة في المتوسط هي محاولة لإقحام وتموضع تركيا وخلق فرص التنقيب بفرض الأمر الواقع، لكن أعتقد أن تحركات ترسيم الحدود البحرية بين إيطاليا واليونان قد قطع الطريق أمام مخططات أردوغان، علاوةً على اتفاق خطوط الأنابيب بين اليونان وقبرص وإسرائيل.

التدخل التركي في الأزمة الليبية أسهم بشكلٍ كبير في تعقيد الأمور وتغيير موازين القوى نوعيًا ومرحليًا على الأرض، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للدولة الليبية المفترض ذات السيادة والمستقلة، ونقص من مواردها وفرصها في ضوء حديث حول منطقة اقتصادية خالصة وتنقيب تركي عن النفط والسيطرة على النفط الليبي والبنك المركزي، وهو ما يدعم سيناريو عدم الاستقرار، وهو نفس الأمر المفروض على سوريا ووجود ميليشيات تركية في الشمال السوري وممارسات قمع ضد الكرد.

جملة تلك المحددات، وبنك الأهداف التركية، أصبح يهدد أمن واستقرار المنطقة وينعكس بشكلٍ سلبي مباشر على الدول العربية، وبخاصة سوريا وليبيا، وبشكل غير مباشر مصر، وهو الأمر الذي بات يقلق ليس فقط كثيرًا من الدول العربية، وإنما أيضًا عددًا من الدول الإقليمية والقوى الدولية، وهو الأمر الذي بات يدعو إلى القلق بشكلٍ كبير، غير أنه يمكن القول أن الدور التركي في رأيي لا يستطيع أن يذهب أكثر من ذلك، خاصة أن الإقدام للتوغل في سرت أو مساحات جديدة في ليبيا لن تستطيع تركيا تأمين مسارات الإمداد ولا بسط النفوذ وسيهدد بشكلٍ مباشر مصر، مما يجعل هناك تحركات مختلفة، علاوة على أن الأوضاع على الأرض ما زالت غير محسومة في ظل سيطرة قوات حفتر على مساحات واسعة.

كما أن الوضع في سوريا يمكن وصفه بالجامد، وهو ما يجعل الأمور عالقة لكنها ليست متصاعدة، في ظل توازن قوى موجود من النظام السوري وروسيا وإيران من جانب، ومساحات خاضعة لتركيا والميليشيات في محيط إدلب، ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المقابل, وهو ما يجعل الأمر مؤجلًا إلى حين.

كما أن مسارات ومحاولات تركيا في المتوسط يتم التضييق عليها من خلال استراتيجية الفعل ورد الفعل، وكلما فتحت تركيا طريقًا للتوغل، أغلقته الدول الأخرى قبرص واليونان ومصر وإيطاليا وإسرائيل.

تبقى قضية الضربات التركية للكرد في سوريا وفي العراق وهي أكثر الملفات الشائكة من حيث أنه معقد يتداخل فيه العسكري مع السياسي مع الأمني والإنساني، جراء جملة الممارسات القمعية التي تتنافى مع حقوق الإنسان، وحق الأقليات والأقاليم في التعبير عن هويتها وثقافتها.

إذن، النفوذ التركي الآن متمثل في الملف الليبي، وهو في رأيي غير محسوم، وأيضاً الهجمات ضد الكرد، وهو ملف ممتد ولا يمكن حسمه في وقتٍ قصير، الأمر الذي يجعلنا نؤكد أن الخطر التركي على الإقليم هو خطر كبير وليس بالهين، وهناك قلق عربي جراء الممارسات التركية، لكن في نفس الوقت هو خطر مركب ومرتد، يمكن أن يكون له آثاره السيئة على تركيا في الأمد المتوسط في ظل ضيق العديد من الدول من الممارسات التركية، وبخاصة أنه سيكون له تكلفته الاقتصادية والسياسية.