القبب الطينية في منبج لا تزال تحافظ على رونقها وجمالها

الحضارة السورية مليئة بإرث ثقافي وأثري تميزت ولازالت تتميز به، والبيوت الطينية أحد أبرز معالم هذه الحضارة التي كانت ولازالت مسكن الانسان قديماً وحديثاً, ومن هذه البيوت القبب الطينية التي مازالت تحافظ على رونقها وجمالها, وتنتشر في مناطق مختلفة من سوريا لتحكي وتروي تاريخها لكل من تقع عينه عليها.

القبب الطينية في منبج لا تزال تحافظ على رونقها وجمالها
القبب الطينية في منبج لا تزال تحافظ على رونقها وجمالها
القبب الطينية في منبج لا تزال تحافظ على رونقها وجمالها
القبب الطينية في منبج لا تزال تحافظ على رونقها وجمالها
الثلاثاء 26 مايو, 2020   02:46
منبج-- سلوى عبد الرحمن

في القرى الغربية الجنوبية لمدينة منبج والتي تبعد عن مركز المدينة بـ27 كيلو متر، تلفت البيوت الطينية القديمة ذات القبب الأنظار في قرى محترق, عريمة, عوسجلي, الريحانية(المروح), وغيرها من القرى التي مازالت متمسكة بتراثها القديم في بناء البيوت القديمة التي يمتد عمرها لما يقارب 100 عام.

لماذا السكن في القبب قديماً؟

سكن الإنسان قديماً عبر مراحل من التاريخ في بيوت متعددة الأشكال والأحجام منها الكهوف  في العصر الحجري, البيوت الطينية, والخيم في الصحراء, وصولاً إلى وقتنا الحاضر حيث البنايات الحديثة المبنية من الإسمنت والحديد.

تختلف حياة البشرية من حقبة إلى أخرى حسب الظروف المعيشية والبيئة والجغرافية التي يعيشها الإنسان، فبعض الحقب والحضارات الثقافية والتراثية كانت موجودة منذ القدم ولا تزال تحافظ على وجودها بما تبقى منها.

تميزت القرى ببناء القبب لأنه لم تكن الأعمدة والمواد الأساسية الأخرى في البناء متوفرة، لذلك لجأ سكان القرى إلى البيوت الطينية، ولحفظها من ماء المطر عمدوا في بنائها على شكل قبب دائرية.

يقول العم محمد عرب(95عاماً) من أهالي قرية الريحانية(المروح) في الريف الغربي لمبنج "كنا نبني القبب على شكل دائري لكي لا تدخل مياه الأمطار إلى الداخل في فصل الشتاء، لأن البيوت ذات الشكل المربع أو المستطيل يدخلها الماء من السقف أثناء هطول الأمطار، وفي ذلك الوقت لم تكن أكياس النايلون موجودة لتغطية الأسقف وكذلك الاسمنت والحديد كوقتنا هذا".

المشاركة والتعاون أساس العمل في تلك الحقبة

القبب الطينية بقيت لسنوات طويلة المسكن المثالي لسكان الأرياف، فالمواد الأولية المستخدمة في البناء  اقتصرت على التراب والماء والتبن؛ وهي مواد متوفرة لكل أهل الريف.

بناء القبب كان يستغرق من الأهالي مدة 6 أيام، وكان فصلا الربيع والصيف أفضل الأوقات لبنائها، ولا يستحسن بناؤها في الخريف والشتاء لأن تقلبات الجو والأمطار لم تكن تسمح لمواد البناء أن تجف وتكون بالتالي عرضة للانهيار.

كان الأهالي يجتمعون لبناء القبب سويةً فكل منهم يقوم بعمل، فالبعض كان يقوم بصنع الطين بالمواد الأولية والبعض الآخر يقوم بتقطيعه "الطوب"، والبعض يقوم ببناء القبة فكانوا يتقاسمون العمل بين بعضهم البعض وكل منهم يستلم مهمة لإنجازها.

وفي هذا السياق، يقول العم محمد "أيام بناء القبب كانت هناك بركة ولذة واعتماد على الذات  في الإعمار، كان الجميع يعيش حياة تشاركية جميلة لا توصف، لم يكن هناك أي شيء صناعي، بينما الآن كل شيء صناعي وليس فيه بركة أو لذة أو تعاون".

الانسان ترك السكن في القبب بسبب التحضر وحداثة البناء

ساهم توفر الاسمنت والحديد ومواد البناء الحديثة إلى انتقال الإنسان من السكن في القبب والبيوت الطينية إلى أخرى حديثة من عدة طوابق  وقصور وبيوت اسمنتية مختلفة الأحجام والأشكال, وباتت البيوت الطينية سكن الإنسان في القرى فقط، ولكن بنسبة قليلة وبقيت البيوت الطينية إرثا أثرياً وثقافياً.

ويوضح العم محمد بأنهم كانوا يبنون عدة غرف من طين وذات قبب، منها غرفة للجلوس وغرفة للمطبخ وأخرى للمونة كونها باردة صيفاً ودافئة شتاءً، كما استعملت لتربية الماشية ووضع التبن فيها.

بقاؤها إرث ثقافي وحضاري

تنتشر القبب بكثرة في بعض القرى في منبج، حيث يحافظ عليها بعض سكان القرى لتبقى إرثاً تاريخياً وثقافياً، لذلك عمد البعض إلى ترميمها بالإسمنت لكي لا تنهدم وتقفد أثرها وجمالها, وباتت صرحاً أثرياً يحافظ عليه من قبل الأجيال.

ويؤكد العم محمد أنه يفضل الجلوس فيها حتى في هذا الوقت رغم بناء منزل حديث إلى جانب القبب, لأنها تمثل تاريخهم القديم وإرثهم الذي لا يستطيعون محوه من ذهنهم.

كانت البيوت الطينية في حقبة من الزمن الملاذ الآمن للإنسان من البرد والحرارة ومياه الأمطار، لذا نجد من عاش تلك الحقبة وما يزال يتنفس حتى يومنا هذا متعلقاً بها لأنها آوته وأمضى فيها أيام طفولته وشبابه.

(ج)

ANHA