حكومة الكاظميّ .. تحدّيات كبيرة ومصير مجهول

شهدت محافظات الجنوب العراقيّ تظاهرات تطالب بإسقاط حكومة الكاظميّ وسط تحديدات كبيرة تنتظر هذه الحكومة التي استلمت السّلطة التنفيذيّة في ظلّ أزمة اقتصادية حادّة بالعراق وارتفاع حدّة التوتّر بين أمريكا وإيران، ما يجعل طريقها محفوفاً بالمخاطر.

حكومة الكاظميّ .. تحدّيات كبيرة ومصير مجهول
الخميس 14 مايو, 2020   00:59
مركز الأخبار – آزاد سفو – كيفارا شيخ نور

تمكّن مصطفى الكاظمي على عكس سابقيه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، من تمرير كابينته الحكومية من قبة البرلمان، بعد أن شارك في الجلسة 255 نائباً من أصل 329، والذين منحوا فيها الثقة لـ15 وزيراً في حكومة مؤلّفة من 22 وزيراً, في حين تم تأجيل التصويت على وزارتي النفط والخارجية.

وخلف الكاظمي حكومة عادل عبد المهدي، التي قدّمت استقالتها مطلع كانون الأول/ديسمبر 2019 تحت ضغط احتجاجات شعبية تطالب برحيل ومحاسبة الطبقة السياسية المتّهمة بالفساد وهدر أموال الدولة.

وبعد انتخاب الكاظمي يلاحظ أنّ هناك تغيراً سياسياً جديداً بدأ يفرض نفسه بثبات على الحياة السياسية وحتى الحزبية في العراق، وهناك مؤشّرات ودلائل تؤكّد بقوّة أنّ هناك تطوراً إيجابياً، وطنياً وعربياً، يمكن ملامسته بالفعل كواقع ينبغي متابعته.

ترحيب دولي بالكاظمي

ومنذ تسلم الكاظمي مسؤولية إدارة السلطة التنفيذية، تلقّى اتصالات التهنئة والتبريك من دول كبرى وأخرى كبيرة في المنطقة والعالم، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والصين والسعودية، مع وعود صريحة بتقديم كل ما من شأنه مساعدة العراق على عبور أزماته المركبة.

وبدأ النائب في البرلمان العراقي هشام السهيل واثقاً من أن "علاقات الكاظمي الدولية والعربية الواسعة، ستوفّر له فرصاً كبيرة للنجاح".

وقال السهيل في تصريحات صحفية، إنّ أعضاء البرلمان العراقي نظروا إلى الكاظمي عندما منحوا كابينته الثقة، وهم واثقون من قدرته على صناعة تغيير ملموس في الواقع الراهن.

وحينما يضع المراقبون نصّ الحديث الذي وجّهه الكاظمي لسفيري الولايات المتحدة وإيران في العراق، ينتهون إلى رؤية واضحة، تقوم على النظر إلى العلاقات مع واشنطن وطهران من زاوية مصالح بغداد.

وقال الكاظمي حين لقائه مع  السفير الإيراني، الذي زاره مهنّئاً، إنّ "العراق لن يكون ممّراً أو مقرّاً للإرهاب أو منطلقاً للاعتداء على أي دولة أو ساحة لتصفية الحسابات"، فيما أبلغ السفير الأميركي بأنّ "العراق لن يكون ساحة لتصفيات الحسابات والاعتداء على أي دولة جارة أو صديقة".

عودة عبد الوهاب وتعيينه قائد لجهاز مكافحة الإرهاب!

ويؤكّد العديد من السياسيين العراقيين على جدّية رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في تحدي النفوذ الإيراني داخل العراق والمضي نحو سلسلة قرارات على شاكلة إعادة الاعتبار للجنرال عبد الوهاب الساعدي وجعله قائداً لجهاز مكافحة الإرهاب، والتي تستهدف تقويض نفوذ المجموعات التابعة لإيران وتحرير مؤسّسات الدولة من هيمنتها، ويرون هذه القرارات هي المقياس الأهم للحكم على نجاح أو فشل الحكومة العراقية الجديدة في مهمتها.

وكان قرار إعادة الساعدي إلى الخدمة وترقيته ليتسلم قيادة أهم تشكيل عسكري نظامي ظهر في العراق بعد 2003، من بين الحزمة الأولى التي أطلقها الكاظمي عقب إنهائه الاجتماع الأول على رأس وزارته التي يبلغ عمرها عدة أيام فحسب.

ولم يتوقّف الكاظمي عن تعيين الساعدي فقط بل أمر بالتحقيق في الاعتداءات التي تعرّض لها متظاهرو تشرين الأول/أكتوبر وتعويض ذوي الضحايا منهم، وإطلاق سراح من احتجزتهم حكومة عادل عبد المهدي تعسّفاً.

جنوب العراق يتظاهر مجدّداً ضدّ الحكومة

وتشهد محافظات وسط وجنوب البلاد تظاهرات حاشدة ليلية تقريباً بشكل يومي، منذ بداية حكومة الكاظمي، وأكّدت موقفها الرافض لحكم الأحزاب والمحاصصة الطائفية والمذهبية، وطالب المتظاهرون العراقيون في ساحة التحرير ببغداد بتقديم قتلة المتظاهرين إلى المحاكمة وتحديد موعد قريب لإجراء انتخابات برلمانية مبكّرة.

كما عمّت محافظات النجف وميسان والبصرة وذي قار وواسط وبابل تظاهرات شعبية حاشدة أعلنت رفضها لحكومة الكاظمي.

وشهدت محافظة بابل تظاهرة حاشدة شارك فيها الآلاف، أعقبها إغلاق مبنى الحكومة المحلية في المحافظة من قبل المحتجّين، مشدّدين على رفضهم لعودة المحافظ وإدارته إلى مناصبهم بسبب تورّطهم بالفساد.

وفي الناصرية، بدأ المتظاهرون أولى خطوات التصعيد السلمي بقطع العديد من الجسور والطرق الرئيسية، احتجاجاً على هيمنة الأحزاب والميليشيات على المشهد السّياسي في البلاد.

وفي ميسان والنجف طالب الآلاف بإقالة الحكومة الجديدة، متّهمين الأحزاب الحاكمة بتمرير حكومة حزبية خلافاً لمطالب المتظاهرين.

أمّا البصرة، فقد عمّ الغضب شوارعها، بعد مقتل متظاهر وإصابة آخرين بنيران ميليشيات متنفّذة هاجمت جموع المحتجّين أثناء مرورهم من أمام مقرّ حزب “ثأر الله” بمنطقة المعقل.

من يسيطر على الجنوب العراقي..

وتعدّ غالبية سكّان منطقة جنوب العراق هم من العرب الشّيعة الذين يشكّلون حوالي 95% تقريباً في جميع مدن الجنوب العراقي مع وجود الأقلّيات مثل العرب السنّة ويوجدون في مناطق الزبير والفاو والناصرية وهم حوالي 3.5% تقريباً بينما يوجد الصابئة قرب الماء على الأنهار والأهوار ويوجد المسيحيون في البصرة والعمارة وهم حوالي 1.5% تقريباً.

وتشهد هذه المناطق التي تعيشها الأغلبية الشيعيّة تظاهرات في عموم المدن ضدّ حكومة الكاظمي، وتطالب بإسقاط الحكومة مجدّداً.

أزمة طهران وواشنطن على الأرض العراقيّة

ولا يمكن إخراج مشهد الأزمة السياسية في البلاد من نطاق التدخلات الخارجية في البلاد، حيث تدخّلت كل من إيران وأمريكا بالعراق في زمن صدام حسين لأنّه كان معادياً لسياسة الطرفين؛ الطرفان كانا مستفيدين من سقوط صدام حسين على الرغم من العداء بين طهران وواشنطن، حيث توصّل الطرفان إلى صيغة توافقية في العراق، ولم يستمرّ ذلك طويلاً، وارتفع التصعيد بين الطرفين خاصةً بعد اغتيال أمريكا لقاسم سليماني، ووصل الخلاف بينهما إلى مستويات خطيرة للغاية كادت أن تتسبّب بحرب كبرى لا تبقي ولا تذر بين الطرفين.

تفشّي كورونا والأزمة الاقتصادية التي ترافقت مع انهيار أسعار النفط في طهران وواشنطن أدّى إلى تجنّب الطرفين لأي تصعيد، واللجوء إلى توافق سياسي حول مرشح توافقي.

خروج إيران وواشنطن وأبرز الحلول للبلاد

مجلّة الفورين بوليسي الأمريكية في تحليل لها تحدّثت عن بضعة نقاط قد تخرج العراق من الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وتقول المجلّة: "يمكن أن تتوافق الولايات المتحدة وإيران على معاملة العراق على أنّه "مجال ضبط النفس" أو منطقة محايدة، مثلما اتفقت الحكومتان الأمريكية والسوفيتية على معاملة دول مثل فنلندا والنمسا خلال الحرب الباردة.

وتؤكّد الصحيفة بأنّ الأمر يتطلّب التزام إيران والولايات المتحدة بالوحدة الإقليمية للعراق أي كما كان الحال في معاهدة الدولة النمساوية، وموافقة الحكومتان الأمريكية والإيرانية على سحب قواتهما، وسيشمل ذلك الجنود الذين يعملون تحت إمرة الحرس الثوري الإسلامي، وكذلك القوات الأمريكية والمقاولين، وتضيف الصحيفة: "لم يستطع العراق استضافة أي قواعد أجنبية معادية للولايات المتحدة أو لإيران، ويجب تسليم جميع القواعد الأجنبية العاملة حالياً إلى بغداد أو تفكيكها".

"الكاظمي ينتهج خطاً مختلفاً"

مدير المركز العراقي للبحث والتحليلات السياسية محمد حسين قال في لقاء مع وكالتنا إنّ عدنان الزرفي ومحمد توفيق علاوي لم ينجحوا في تشكيل الحكومة لأسباب مختلفة، أولاً محمد توفيق علاوي لم يقبل بأسلوب المحاصصة، بينما عدنان الزرفي رُفض لأسباب مختلفة، أولاً من قبل قوى أو حركات سياسية قريبة من إيران لأن طهران تعتبر الزرفي مواطن أمريكي أو صديق للأمريكان أو للتحالف القريب من أمريكا في العراق، وأيضاَ كان له سابقة غير جيدة من ناحية علاقاته ببعض الأحزاب والقوى السياسية الشيعية مثل منظمة بدر وكتلة الفتح بشكل عام".

وبيّن محمد أنّ إيران لها عداء قديم مع عدنان الزرفي وأيضاً لها بعض التبريرات القانونية بأنّ عدنان الزرفي ليس مرشح الكتلة الأكبر والرئيس برهم صالح رشح الزرفي بشكل خارج سياقات دستورية أو توافقات في المشهد السياسي العراقي.

الكاظمي استلم الحكم بإجماع سياسيّ

وأشار محمد حسين أنّ مصطفى الكاظمي يختلف عن توفيق علاوي وعدنان الزرفي من عدة نواحي، أولاً الكاظمي مرشح تيار فتح أو كتلة فتح القوة القريبة من إيران وهو أيضاً محل رضى التيار الصدري والقوى الكردية تقريباً، وهنالك إجماع سياسي حول ترشيح الكاظمي وهو أيضاً مرشّح من قبل الرئيس برهم صالح وحصل على موافقة القوى السياسية الكردية والعربية الشيعية والسنية أيضاً.

وأكّد محمد حسين أنّ الكاظمي ومحمد توفيق علاوي ليسا بعيدين عن بعضهما من ناحية العلاقات والجهات التي تدعمهما إن كانت سياسية أو خارجية.

الحكومات السابقة فشلت في حلّ الأزمة الاقتصادية

وبيّن حسين بأنّه لا يمكن إقصاء الأزمة الاقتصادية ووباء كورونا عن مشهد الأزمة الحالية في البلاد، وقال: "لم تتمكّن الحكومات السابقة من حل الأزمة التي يشهدها العراق، وبالأخص الاقتصادية وكانت السبب في فشلها، والحكومة العراقية الآن ليست لها فائدة، لأنّها حكومة مفلسة لحد ما، هي حكومة تحت عبء ثقيل والحكومة عالقة بعدة أزمات اقتصادية وسياسية ومالية حادة".

وأضاف: "الكاظمي أصبح رئيساً للوزراء بضغط سياسي سواء من أمريكا أو من إيران، ففي الوقت الحالي لا يمكن التوقّع بقدرة الكاظمي على إنجاح العملية السياسية في البلاد وإخراج نفوذ كل من إيران وأمريكا داخل البلاد".

وأكّد أنّ الكاظمي لن يتردّد في أن يُبقي العراق ذات سيادة متوازنة بين إيران وأمريكا، ولكن تبقى الصراعات بين أمريكا وإيران أقوى من إمكانيات حكومة العراق لذلك يرى حسين بأنّ الكاظمي سيحاول أن يبقى رئيس وزراء متوازن ويحافظ على سيادة العراق ويبقيها على نفس المسافة من إيران وأمريكا.

الاتّهامات الموجّهة ليس لها أيّ أساس

تساؤلاتٌ كثيرة أُثيرت حول شخصية الكاظمي في الشارع العراقي، وخاصّة جنوب البلاد، إذ تتّهم العديد من الأطراف الكاظمي باغتيال الحاج أبو مهدي المهندس والجنرال قاسم سليماني.

وفي هذا السياق يقول محمد حسين: "هنالك مؤسّسات إعلامية غير مسؤولة بالعراق وفي دول الشرق الأوسط بشكلٍ عام، يتّهمون الناس بالعمالات بدون أي وثيقة ملموسة وبدون أي سند مهني لذلك لا أرى أي وجه أو معقولية لهذه الاتهامات ولا أرى بأن الكاظمي من الأشخاص الذين يستغلّون منصبهم للعمل مع أجندات خارجية".

الحكومة هي نفسها ولا تغيّر في الوضع المعيشي

وعن سبب عودة التظاهرات إلى الشارع العراقي علّق قائلاً: "المتظاهرون يرون بأنّ شكل الحكومة بعيد عن مطالباتهم وأمنياتهم، فهم يطالبون بتغيير جذري وبتغير النظام السياسي في الدولة العراقية، ويطالبون بإزاحة كل الحكّام الموجودين في العراق، وهم يراقبون الطبقة الحاكمة ويرونها نفسها وهم ليسوا راضيين عن الحكومة وبصراحة ليس هنالك تغيير في الوضع المعيشي للناس".

ولا يرى حسين أي دور لإيران في المظاهرات الأخيرة، مشيراً إلى أنّ إيران غير راضية عن المظاهرات لأن غالبية المظاهرات هي ضد إيران.

تحدّيات تواجه الكاظمي

وأشار إلى التحدّيات التي تواجه العراق وقال: "العراق يواجه أزمة اقتصادية خانقة، فالواردات العراقية لا تشكّل سوى ربع مصروفات العراق، وأنّ كل واردات النفط لم تشكّل سوى أقل من 1.9 بليون دولار، فيما لا توجد أي خطّة شاملة لمواجهة الأزمة الاقتصادية".

وأضاف محمد: "مشكلة الفساد في الدولة، ومشكلة مؤسّسات الدولة العميقة داخل الدولة العراقية، المافيات والميلشيات، والقوى المسلّحة داخل إدارات الدولة كالحشد الشعبي، وكذلك المسلّحين التابعين للسياسيين والعشائر سيخلقون تحدياً للكاظمي، فالأخير يريد حصر السلاح في يد الدولة، ولكن الجماعات المسلّحة ستقاوم ذلك لأنّه مصدر معيشتهم ومن خلاله ينهبون المال وخاصّة من الممرات الحدودية".

وفي نهاية الحديث أشار مدير المركز العراقي للبحث والتحليلات السياسية محمد حسين أنّ العراق ينجرّ إلى المشاكل الإقليمية بين إيران وواشنطن رغم محاولات الكاظمي الابتعاد عن هذا الصّراع، وأكّد بأنّ الكاظمي سيختار الابتعاد، وسيحاول قدر الإمكان الابتعاد عن التحيّز إلى أي طرف على الرغم من صعوبة ذلك، وسيكون على نفس المسافة من الطّرفين.

(ح)

ANHA