موقع أمريكي: أردوغان يتقهقر

يشير الكاتب كون هالينان في مقال تحليلي ومفصل عن الأوضاع بتركيا لموقع "Foreign Policy in Focus" التابع لمعهد الدراسات السياسية IPS الأمريكي، أن أردوغان كان منذ نحو عقدين من الزمن، قد وصف الديمقراطية بأنها "مثل عربة الترام، التي تنزل منها عندما تصل إلى وجهتك".

موقع أمريكي: أردوغان يتقهقر
الإثنين 4 آذار, 2019   08:16

مركز الأخبار

وبينما تستعد تركيا للانتخابات البلدية في نهاية الشهر الجاري، يبدو جلياً أن تلك المقولة الساخرة تحولت إلى واقع مرير، حيث إن السجون التركية تزدحم بأعضاء المعارضة والصحافيين، الذين تم إصابتهم بالخرس إلى حد كبير، فضلاً عن شاغلي منصات المحاكم الخائفين وتفشي البيروقراطية المروضة، علاوة على فصل أكثر من 150000 موظف من أعمالهم.

الطريق إلى التقشف

وتظهر أزمة الغذاء في تركيا، أن الاقتصاد يعاني بالأساس من مشكلة، وربما مشكلة بالغة الخطورة. فقد انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 6% ومبيعات التجزئة بنسبة 7%، وانخفض النمو العام من 7.4% في عام 2017 إلى 2% كنسبة متوقعة في 2019. وبلغت نسبة التضخم 20.3%، بينما تتسارع زيادة البطالة، حيث تشير أحدث الأرقام إلى أن أكثر من 11% عاطلون عن العمل، وتصل إلى 22% تقريباً بالنسبة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، والذين يشكلون حوالي 20% من سكان تركيا.

ويلفت الكاتب إلى أن الانهيار الاقتصادي أصبح مصدر القلق الرئيسي للناخبين، بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، يليه البطالة واللاجئين السوريين، بعدما كان "الإرهاب" في المرتبة الأولى في الماضي.

ويقول الكاتب: "إن أردوغان شيد انتصاره الانتخابي على النمو الاقتصادي الذي أدى إلى خروج شريحة كبيرة من السكان من الفقر وأدى إلى نمو كبير في الطبقة الوسطى".

ويتابع "تركز جزء كبير من هذا الاقتصاد على صناعة البناء والمشاريع الضخمة مثل مراكز التسوق والجسور، وبناء واحد من أكبر المطارات في العالم".

ويشير الكاتب إلى أنه وبالنسبة لأردوغان، كان الاقتصاد، الذي يرتكز على بناء مشروعات ضخمة، بمثابة صيغة مربحة لكل الأطراف، حيث إن حزب العدالة والتنمية منح عقوداً مربحة لشركات البناء الكبرى، والتي بدورها ملأت الصناديق الانتخابية لحزب انزوى في هوامش الطيف السياسي بمرحلة ما، ليفوز في النهاية بحوالي 50% من أصوات الناخبين.

وينوه الكاتب إلى أن معدلات النمو انخفضت إلى 1.6% في الربع الثالث من العام الماضي، وانتابت صناعة التشييد والبناء حالة ركود، مع تسريح العمال الكثيرين.

ويقول الكاتب إن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن الاقتصاد هو القضية رقم واحد، تليها البطالة واللاجئين السوريين.

ويؤكد الكاتب أن لأزمة انهيار صناعة التشييد والبناء تأثير الدومينو على الصناعات الحليفة مثل الإسمنت والصلب والسيراميك. ومع المزيج الذي يتكون من انخفاض قيمة الليرة إلى جانب شعور الناس بعدم الأمان الاقتصادي، تقلصت المبيعات في صناعة السيارات، والإلكترونيات والأجهزة المنزلية.

ويلفت الكاتب إلى أن الاقتصاد التركي اعتمد على رأس المال الأجنبي، أو ما يسمى بـ "الأموال الساخنة"، للحفاظ على استمرار دوران عجلة العمل بالمصانع ومواكبة مستويات المعيشة المرتفعة. ولكن الأموال الساخنة تأخذ في الجفاف ويحين موعد سداد الفواتير.

وبما أن معظم الديون التركية هي بالعملة الأجنبية، فمن الصعب تسديد تلك الديون بالليرة منخفضة القيمة. وبادرت أنقرة بفتح محادثات مع صندوق النقد الدولي لاستكشاف خطة إنقاذ، لكن عمليات الإنقاذ التي يقدمها صندوق النقد الدولي تأتي مقابل ثمن باهظ هو التقشف، وهو ما لا يعد مناسباً أو ناجحاً عندما يتواكب مع برنامج انتخابي.

ويشير الكاتب إلى أن الزراعة التركية تعيش حالة فوضى، وكذلك ترزح قطاعات البناء والتصنيع تحت عبء ديون هائلة، لذا استغل أردوغان سلطة الدولة لإعاقة تحركات معارضيه، فضلاً عن أن حالة الطوارئ تنفر المستثمرين الأجانب، وتشعر كثير من الأتراك بالقلق من ذلك بشكل متزايد.

هدير المقاومة

وفي هذه الأثناء، يقول الكاتب: "على الرغم من أن الكثير من المعارضة السياسية لأردوغان قد تم سجنها أو تهميشها، إلا أنه لم يتم كتم أصواتها بشكل نهائي".

ويردف الكاتب قائلاً "على الرغم من سجن 9 نواب برلمانيين من  حزب الشعوب الديمقراطي HDP، ومعقله في المناطق الكردية، إلا أن هذا الحزب تمكن من الحصول على ما يكفي من الأصوات في الانتخابات الأخيرة ليحافظ على مكانته كثالث أكبر حزب في البرلمان.

وكما أن الإضراب عن الطعام من قبل الناشطين الكرد السجناء قد ولّد أيضاً تعاطفاً مع حزب الشعوب الديمقراطي، وللمرة الأولى في التاريخ التركي شكل العديد من الأحزاب الكردية جبهة موحدة.

وبحسب الكاتب، قرر حزب الشعوب الديمقراطي HDP عدم تقديم مرشحين لرئاسة المدن الكبرى، مثل اسطنبول وأنقرة، من أجل المساعدة في انتخاب مرشحين من حزب الشعب الجمهوري العلماني اليميني الوسط CHP. باختصار، أي شخص ما عدا حزب العدالة والتنمية.

قمع الكرد

ويشير الكاتب إلى أن حزب العدالة والتنمية كان يحصل على عدد كبير من الأصوات الكردية، خاصة من المناطق الريفية المحافظة.

ويستدرك الكاتب "عندما شن أردوغان حملة قمعية ضد الكرد في محاولة لتهميش حزب الشعوب الديمقراطي، فقد العديد من هؤلاء الناخبين. وفي حين أن جميعهم لم يتحولوا إلى الحزب اليساري، إلا أنهم حوّلوا أصواتهم إلى أحزاب كردية أخرى، متحدة الآن في ظل تحالف انتخابي كردستاني".

من حفر حفرة "لأخيه"

وفي محاولة للتأكد من أن حليف حزب العدالة والتنمية، حزب الحركة القومية اليميني المتطرف MHP، وصل إلى البرلمان، كان أردوغان قد مرر قانوناً يسمح للأحزاب بتشكيل تحالفات انتخابية.

ويتيح القانون لأي حزب، حتى إذا لم يصل إلى الحد الأدنى المسموح به البالغ 10% للدخول إلى البرلمان، فإنه يمكنه الاحتفاظ بالمقاعد التي يفوز بها إذا كان متحالفاً مع حزب أكبر.

ويرى الكاتب أنه ومن هذا المنطلق وبموجب قانون أردوغان نفسه، شكل حزب الشعب الجمهوري بالوقت الحالي تحالفاً مع حزب الخير الليبرالي التركي ILT، ومعظم الأحزاب الكردية تحت مظلة واحدة.

ويتوقع الكاتب أن تنتهي هذه التحالفات بالفوز بمقاعد لم تكن بالمتناول في ظل القواعد القديمة.

سياسات إقليمية فاشلة

ويؤكد الكاتب أن سياسة أردوغان الخارجية لم تعد ناجحة لا محلياً ولا خارجياً. فلقد منيت العمليات العسكرية التركية بشمال سوريا بالفشل في تشتيت قوات سوريا الديمقراطية، ويبدو بشكل متزايد أن أنقرة تتعثر في مستنقع لن تخرج منه بسهولة.

ويشير الكاتب أن  خطة أردوغان كانت تهدف إلى طرد الكرد وإعادة توطين المنطقة باللاجئين السوريين، ولكنه بدلاً من ذلك، دخل في مواجهة مع الروس والأمريكيين، والأكثر من ذلك ما يتداول حول أن الكرد، بهدف حماية أنفسهم، يبدو أنهم بصدد عقد صفقة مع النظام السوري.

حدود الحرب القذرة وتراجع العدالة والتنمية

وتقول المعارضة أن تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية يقوم بتزوير قوائم الناخبين عن طريق إضافة أسماء غير موجودة. واكتشف محققو حزب الشعوب الديمقراطي HDP أن بيتا واحداً في هكاري في جنوب شرقي تركيا لديه 1108 من الناخبين المسجلين.

ويشير الكاتب إلى أنه وفي استفتاء عام 2017 الذي منح سلطات تنفيذية غير محدودة تقريباً لأردوغان، إلا أن الأخير خسر اسطنبول وأنقرة وأزمير، أكبر مدن تركيا. وأظهر استطلاع أخير للرأي أن التأييد لحزب العدالة والتنمية انخفض من 42.5% في انتخابات عام 2018 إلى 35% حالياً.

وبعد 17 سنة من القوة، وبعد استخدام كل الوسائل الممكنة، بما في ذلك تعبئة صناديق الاقتراع (بأصوات انتخابية مزورة)، لبناء نظام تنفيذي قوي يدور حول فلك أردوغان، يصعب تخيل أن أردوغان يعاني من نكسة.

ولكن أردوغان هو نفسه من زج بالآلاف من الأبرياء في السجون وترهيب المعارضة، بالإضافة إلى عدم تحقيق أي إصلاح للاقتصاد المنهار أو رفع مستويات المعيشة.

وفي ختام مقالته يتوقع الكاتب أن العديد من الأتراك، وكنتيجة للغضب من "الوجهة" التي أوصلهم أردوغان إليها، قرروا توجيه رسالة توبيخ في 31 من الشهر الجاري له.

(م ش)