ʹالأهم أننا لم ولن نستسلم للعدوʹ

في مقاومة العصر جرت مقاومة شعبية إلى جانب مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة، الكل لبّى نداء حماية الوطن وسطروا ملاحم بطولية في وجه الاحتلال.

ʹالأهم أننا لم ولن نستسلم للعدوʹ
الثلاثاء 29 كانون الثاني, 2019   05:56

شرفين مصطفى - غاندي علو/عفرين

هناك أمثلة مختلفة عن المقاومة الشعبية التي جرت في عفرين على مدى 58 يوماً، فالأمهات كن يعددن الطعام لأبنائهن المقاتلين والشبان والشابات وحتى المسنون حملوا أسلحتهم الخفيفة ووقفوا في وجه الاحتلال التركي الذي دمر كل شيءٍ بطائراته.

قصة المواطن مصطفى أحمد خير دليل على روح المقاومة لدى الأهالي، ففي الغارة الأولى للطائرات التركية، أطلق العنان لنفسه ولبى نداء حماية الوطن.

في يوم الـ 20 من شهر كانون الثاني 2018، في تمام الساعة 16:00 عصراً، تحولت سماء عفرين الصافية إلى غمامة سوداء، 72 طائرة حربية تناوبت على استهدفت العشرات من المواقع في عفرين.

بعد الغارة الأولى ماذا فعل مصطفى

المواطن مصطفى أحمد من قرية قنطرة بناحية موباتا، تسرح من تأدية واجب الدفاع الذاتي في الدورة الأولى عام 2015، وبعدها أكمل عمله في مهنة الخياطة في إحدى الورشات بناحيته.

يقول أحمد "في 20 كانون الثاني 2018، كنت أعمل في الورشة عندما سمعنا أصوات الطائرات الحربية، خرجت من الورشة مع العاملين الآخرين، كان الأهالي مرتبكين متخبطين في القرية. الطائرات تحلق في السماء وتقصف بشكل عشوائي، لم أكن أعلم ماذا علي أن أفعل، فقط، كنا نعلم بأن هناك طائرات تقصف".

وأضاف أحمد في هذا المضمار "بعدما تسرحت من واجب الدفاع الذاتي بقي معي الرقم الخليوي لأحد قادة الدورة، كان اسمه آلدار. اتصلت به على الفور، وقلت ماذا يتوجب علي أن أفعل؟ أريد أن أفعل شيئاً وأخدم مدينتي. قال يمكنك القدوم إلى ناحية جندريسه. ذهبت أنا وعمي المسن، وبعد وصولنا، قال أحد القادة العسكريين "يا عمّ هنا الوضع خطر، يمكنك أن تخدم في قريتك وتساعد أهل القرية".

ويستمر أحمد بالسرد "عندما كنت في مركز ناحية جندريسه، لم يكن هناك مواقع أو نقاط عسكرية، القذائف كانت تنهال على منازل المدنيين، في الأيام الأولى كنت أساعد الهلال الأحمر الكردي في إنقاذ الجرحى وإخراجهم من تحت أنقاض المنازل المدمرة ونقلهم إلى المراكز الطبية، بالإضافة لانتشال جثامين الشهداء المدنيين، عندما أتذكر ذلك، أقول في قرارة نفسي ʹما الذي كان يستهدفه الاحتلال التركي سوى المدنيين".

وأضاف أحمد إلى حديثه وقال بأنهم كانوا ينتظرون لساعات دون حراك لكي يتوقف القصف وينقذوا المدنيين ويخرجوا الأشلاء، وتابع "كانت طائرات الاستطلاع لا تفارق السماء، حتى المكان الذي كنا نداوي فيه الجرحى أصبح هدفاً لطائرات الاحتلال، فاضطررنا أن نغير مكاننا. نقلنا مكاننا إلى أحد الأقبية، لكن رأينا أن الوضع تأزم كثيراً، فقمنا بتقسيم أنفسنا إلى مجموعات تتألف من عدة أشخاص وننتشر في الناحية، وذلك لكي نصل إلى مواقع القصف بسرعة أكبر".

استشهد طفلٌ بين يديه

يستذكر أحمد حادثة استشهاد طفل بين يديه ويقول "في أحد الأيام ازداد القصف على الناحية، واستهدف المنازل والمدارس والجوامع، مما أدى إلى إصابة العشرات من المدنيين بينهم أطفال ونساء، في حين كنا نجوب الشوارع لإنقاذ الجرحى، سمعت صوت أحد الأطفال، سارعت لحمله وإزالة الأنقاض عنه، أظن أنه أصيب عندما كان مع عائلته، فقد كانت هناك أشلاء منتشرة في المكان - لم أستطع إنقاذه – لم أستطع إيصاله إلى سيارة الإسعاف، فقد فارق الحياة بين يدي.

ووصف أحمد تلك الأيام وقال "بالفعل لقد تأذى الأهالي كثيراً، تلك الأيام لا تحمل معها سوى صور الدماء والقتل".

وأكمل أحمد حديثه "بعد أيام من المقاومة، كنا نظن أننا لن نخرج أحياء نتيجة القصف الشديد والعشوائي الذي لم يكن يفرق بين شيء. كانت هناك احتياجات وضرورة في بعض النقاط إلى سائق سيارة، فقلت يمكنني أن أعمل في هذا المجال أيضاً، عملت كسائق في قرية كوركا تحتاني بناحية موباتا. بقيت هناك مدة أسبوع".

كان المقاتلون وقوات الحماية الجوهرية على خط الدفاع والحماية في تلك القرية، ويقول أحمد واصفاً ذلك "اشتد القصف بكافة أنواع الأسلحة والدبابات والمدافع، حتى أصيب واستشهد عدد كبير من المدنيين، واضطر الأهالي للنزوح إلى القرى الخلفية، لتصبح قرية كوركا والقرى المحيطة بها منطقة عسكرية".

وعاد أحمد بذكرياته وقال "أذكر عندما خرجنا من قرية كوركا بالفعل كانت هناك وحشية وهمجية في الهجمات والقصف، في آخر يوم قصف الطيران الحربي القرية، كنا نتواجد في أحد الأقبية مع مجموعة صغيرة من رفاقي، نتيجة ضغط الغارة اندفعنا واصطدمنا بالجدار وامتلأنا بالغبار، أظن أن القصف كان بعيداً قليلاً لولا ذلك لكان المكان قد تدمر. بعد ما خرجنا علمنا أنه تم قصف أحد المنازل في الشارع المجاور، كنا نسمع أصوات المرتزقة، بعدما كانوا قد وصلوا فوق تلة قرية كوركا. أذكر مقاومة المقاتلين والمقاتلات في التلة"..

شدد المرتزقة القصف عند اقترابهم  من القرية، وتمركزت قناصاتهم فوق التلة، ويقول أحمد في هذا المضمار "كان معي رفيقي جوان كنا ننقل الجرحى من القرية. لا أذكر كيف استهدفوا صديقي الذي كان ينقذ الجرحى حتى أصابوه في قلبه واستشهد حينها".

ويستمر بالقول "بعد اشتباكات عنيفة ومقاومة المقاتلين، احتل المرتزقة قرية كوركا. كان البقاء في القرية مع تلك الوحشية والهمجية ضرراً كبيراً، لذلك توجهنا إلى الوادي لنحمي أنفسنا. بقينا هناك مدة ساعتين، كانت الطائرات تحلق وتقصف القرية لم نستطع النهوض أو التحرك، زحفنا من الوادي حتى الجسر بين قرية كوركا ودمليا، كنا 11 شخصاً، وعند وصولنا، أقلتنا سيارة لقوات الأسايش من هناك وأخذتنا إلى مكان آمن.

من إنقاذ المدنيين إلى مساعدة المقاتلين

لم تنتهِ قصة أحمد في قرى موباتا، فللضرورة توجه إلى قرية ترميشا بناحية شيه بعد خروجه بيوم من قرية كوركا التحتاني. أحمد يسرد ذلك بالقول "لم يكن هناك عدد كبير من المدنيين، فقد لاقت القرية قصفاً شديداً، وأصيب واستشهد العديد من المدنيين ومنهم من نزحوا إلى القرى المجاورة. ذهبت لأعمل على إيصال الطعام والذخيرة للمقاتلين والمقاتلات في الجبهات، حيث لم يكن أحد يستطيع الوصول إليهم. دخلت القرية في حصار الاحتلال التركي، واضطررت للتوجه إلى قرية أخرى.

حيث انتقلنا إلى قرى حبو وساريا ومعملا وشيتكا وميركان وكاخرة – حيث يمكن التحرك فيها - كان المقاتلون ينفذون عمليات عسكرية بكل جسارة وقوة. كان هناك جرحى وشهداء في صفوف الوحدات. أنا كنت أسارع وأتنقل في الجبهات وأنقل الجرحى والشهداء إلى مشفى آفرين بمركز مدينة عفرين رغم خطورة القصف".

تنهّد أحمد وأكمل الحديث عما مر به "في قرى موباتا وشيه حتى يوم الـ 46 أو 47 من المقاومة، لا أتذكر الرقم جيداً، أبدى المقاتلون مقاومة عظيمة، وسطروا ملاحم بطولية، بالرغم من الحصار الذي فرض على ناحية موباتا. المقاتلون لم يهدؤوا".

قاومنا بشرف

ثم ينتقل أحمد مصطفى للحديث بالمختصر عما قدمه في مقاومة العصر، وقال "مهما أتحدث أو أصف ما عشناه وما شاهدته من دمار وجرحى وشهداء إلى جانب المقاومة العظيمة، فلن أتمكن من التعبير، الكلمات ستخونني. فقدنا الكثير من أعزائنا ورفاقنا وأقاربنا".

واصل أحمد عمله في مساعدة المدنيين والمقاتلين حتى وصل إلى مدينة عفرين، وساعد في إنقاذ المدنيين في مجزرة محمودية وترنده في الـ 16 من شهر آذار، في يوم ملئت شوارع عفرين  فيه بالدماء كما وصفه.

وفي الأخير أكد أحمد مصطفى "دون أي مبرر توجب علينا جميعاً كأصحاب هذه الأرض أن نلبي نداء الوطن ونتفرغ لخدمته وسنخدم دائماً هويتنا ووجودنا، أينما كنا، الأهم أننا لم نستسلم للعدو".

(ن ح)

ANHA