علاء...شهيد المعركة المفصلية

داخل سطور التاريخ كتب اسمه ليبقى ويتردد على الألسنة لأزمنة قادمة، الشهيد علاء ومعركة سريه كانية المفصلية، قصة شهادة وفداء سُطّرت في زمنٍ قاسٍ أعادت فيه دماء الشهداء كتابة التاريخ من جديد.

علاء...شهيد المعركة المفصلية
الجمعة 21 كانون الأول, 2018   03:15

شيندا أكرم /مركز الأخبار

اليوم، سنعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، لنغوص في ذاكرة الثورة ونكتشف قصة أحد أبطالها. لابد لنا إذا ما أردنا معرفة قيم يومنا هذا، أن نعود بذاكرتنا إلى الوراء، لنعلم كم من التضحيات قدمت وكم من المراحل مرت حتى وصل بنا الزمان إلى ما نحن فيه الآن.

في روج آفا ثورة الشعب التي اندلعت عام 2012 ما تزال مستمرة، ولا شك في أن دماء الشهداء التي روت أرض هذه البلاد هي التي دفعتها للاستمرار.

ما إن انطلقت هذه الثورة حتى بدأ الأعداء يتربصون بها من هنا وهناك، لم يكن أحد يرغب في أن تنجح هذه الثورة في الوصول إلى مبتغاها، حتى أن دول الجوار وعلى رأسها تركيا كانت في مقدمة هؤلاء.

كانت المعارك التي اندلعت في سريه كانية(في الجزء الغربي من إقليم الجزيرة) التابعة للحسكة بين وحدات حماية الشعب ومرتزقة جبهة النصرة(هيئة تحرير الشام حالياً) وبعض الجماعات التي تسمي نفسها "الجيش الحر"، أولى التحديات الجدّية التي واجهت هذه الثورة، لكنها فشلت.

تصدى أبناء هذه الأرض، بناتاً وشباباً، لهذه الهجمات حتى أفشلوها، ومع فشلها تم إحباط مخططات عالمية، كان المخطط التركي المعادي أولها.

من هنا نريد ذكر قصة المقاتل الشهيد من صفوف وحدات حماية الشعب علاء قاسم الذي استشهد في هذه المعارك التي دارت رحاها في سريه كانية.

ولد علاء عام 1976 في مدينته سريه كانية التي تعرضت لحملة تعريب إبان حكم النظام البعثي للمنطقة إذ حول النظام اسمها إلى "رأس العين"، ونشأ في كنف عائلة متوسطة الحال مادياً تعتمد على الزراعة كما الكثير من أبناء هذه المنطقة.

علاء فرد من عائلة تتألف من 3 أشقاء و4 شقيقات، وعلى الصعيد التعليمي، درس علاء حتى المرحلة الإعدادية، وترك الدراسة ليعمل في سبيل إعالة العائلة لأن والده كان مريضاً، إذ عمل طوال الوقت فلاحاً في أراضي أهالي القرية.

ولأنه كان مرحاً، كثيراً ما كان يجمع الكثير من المزارعين حوله ويتبادلون أطراف الحديث أثناء العمل في الأراضي الزراعية، حيث تسرد القصص ويتم تبادل المزاح والأحاديث المتنوعة.

تزوج علاء بزوجته أميرة بعد أداء الخدمة الإلزامية في الجيش السوري، وأصبح فيما بعد والداً لـ3 أبناء، لقد أمضى سنوات عدة في العيش مع العائلة دون أن يفارقها حتى تقدم أشقاؤه الأصغر منه في العمر وأصبحوا قادرين على تدبر أمور العائلة.

كان علاء يهوى التصوير، لذا توجه في إحدى سنوات حياته إلى العاصمة السورية دمشق لتعلم مهنة التصوير، إذ كان يهدف من ورائها، كما يقول صديقه محمد عزيز، إلى التقاط مقاطع فيديو وصور لتاريخ مدينته سريه كانية المعروفة تاريخياً حيث يمتد تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد وكانت من ضمن الحضارات الأولى في منطقة الجزيرة الفراتية في سوريا.

إلى جانب ذلك، كان علاء من محبي القصائد الشعرية للشاعر الكردي القدير جكر خوين، إذ كان يقرؤها كثيراً.

انخرط في العمل السياسي في الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، لكن مع بدء ثورة الشعب في روج آفا، شارك علاء في حماية المنطقة وانضم إلى وحدات حماية الشعب التي تولت مهام الدفاع عن الأرض والشعب والثورة.

ويقول عبدالوهاب قاسم شقيق علاء إنه في بداية الحراك في سوريا توقع علاء أن تتاح فرصة لأبناء روج آفا، لذا كان يكرر قوله دائماً "علينا أن نكون مستعدين لذلك ونعمل على حماية مناطقنا من الآن".

تقول أميرة زوجة المقاتل علاء "كان قومياً، والقضية الكردية كانت كل شيء بالنسبة له، كنت أبتعد عنه أحياناً وأقول له لماذا تفرض قوميتك على العائلة، يجاوب بهدوء ويقول عليك أن تسمعي قلبي".

في ظل تفاقم الأزمة السورية التي لم تكن أفق الحل فيها ممكنة، ولا تزال كذلك حتى بعد مضي ما يقارب 8 أعوام على بدئها، اختار الشعب في روج آفا ما عرف بـ"الخط الثالث"، حيث لم يتحالف أبناء هذه المنطقة مع الجماعات المسلحة المناهضة للنظام السوري ولم يتحالفوا مع النظام نفسه، كان لهم نهجهم الخاص، لذا تعرضوا لمضايقات وهجمات عديدة كانت أولها على سريه كانية.

دخل المرتزقة إلى قرى سريه كانية وأجزاء من المدينة، وكان على وحدات حماية الشعب تحريرها من المرتزقة، لأن سيطرتهم عليها كانت تعني الكثير سياسياً وعسكرياً وحتى اجتماعياً، إذ كان الخراب والدمار والقتل والسرقة تحل في كل مكان يحل به المرتزقة.

بين مقاومة وحدات حماية الشعب وهجمات المرتزقة، مضت أشهر عدة على وقع استمرار المعارك، انضم علاء إلى وحدات حماية الشعب وشارك في التصدي للهجمات وعمل على حماية الأحياء التي ينتشر فيها مقاتلو الوحدات.

يستذكر رفيق دربه محمد باقي إحدى اللحظات الصعبة التي مروا بها، بقوله "كانت اشتباكات عنيفة تدور ونحن في وسطها، قال لي علاء وهو يضع يده على كتفي ونحن نختبئ في زوايا أحد المنازل التي تعرضت للقصف، رفيقي سأستشهد وسيكبر أولادي ويقولون إن والدهم استشهد من أجل الدفاع عن أرضه وكرامة شعبه لنعيش هذه الأيام بسلام".

حينها كان الرصاص يأتي من كل حدب وصوب، كانت المعارك عنيفة للغاية، في الـ4 من كانون الثاني عام 2013، وصل علاء قاسم إلى مرتبة الشهادة بعدما أصيب برصاص قناص، ليلتحق بموكب الشهداء بعد مقاومة بطولية خاضها بكل قوة وإرادة.

(ج)