قصص من مقاومة العصر -13

الأحداث التي حصلت مع المقاتل روجهات روج و11 من رفاقه المقاتلين المشاركين في مقاومة قرية بعدينا في ناحية موباتا تشبه لحد كبير ما كنّا نسمعه ونراه في الأفلام السينمائية، حيث واجه 12 مقاتلاً أكثر من 80 من جيش الاحتلال ومرتزقته المدعومين بالطيران والمدفعية ورغم ذلك كسروا عدة هجمات وكبدوهم الخسائر الفادحة، فيما نجا روجهات من الموت والأسر بأعجوبة.

قصص من مقاومة العصر -13
الإثنين 29 تشرين الأول, 2018   03:15

مقاتل يروي تفاصيل مقاومة 11 شهيداً ونجاته من الموت والأسر بأعجوبة

تولين حسن - شرفين مصطفى/عفرين

كافة التقنيات العسكرية الحديثة المستخدمة من قبل الاحتلال التركي في عدوانه على عفرين والأعداد الكبيرة للمجموعات المرتزقة المدعومين من قبل جيش الاحتلال التركي المهاجمين على عفرين، لم تمنع مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة من مواصلة المقاومة والدفاع عن أرضهم وشعبهم حتى الرمق الأخير، وإحدى قصص المقاومة في معركة غير متكافئة في العدد والعتاد، هي مقاومة المقاتلين في قرية بعدينا في ناحية موباتا، ويروي بعض تفاصيلها المقاتل روجهات روج الذي شارك فيها ونجا من الموت والأسر بأعجوبة.

مقاومة بعدينا وكسر الهجوم

المقاتل روجهات روج هو ابن عفرين البالغ من العمر 27 عاماً، شارك في مقاومة قرية بعدينا التابعة لناحية موباتا مع مجموعة من مقاتلي وحدات حماية الشعب، يروي روجهات بعض الأحداث التي جرت في بعدينا وقال:" في اليوم الـ 35 من مقاومة العصر في مرحلتها الأولى تم فرزي من قبل القيادة إلى قرية بعدينا التابعة لناحية موباتا، ولدى وصولي إلى القرية كان هناك 11 مقاتلاً يحمون القرية ويتصدون للهجمات، انضممت إليهم واتخذت مكاني في إحدى جبهات القرية".

وأضاف:" في اليوم الأول من تواجدي في القرية تعرضت القرية لقصف مدفعي عنيف من قبل جيش الاحتلال ومرتزقته، وعليه توزعنا على بعض النقاط المحصنة واتخذنا الاستعدادات للمواجهة، إذ كنا نتوقع أن يشن العدو الهجمات البرية بعد التمهيد بقصف مدفعي وصاروخي مكثف، وبعد عدة ساعات من القصف المكثف وهدم الكثير من المنازل بدأ جيش الاحتلال التركي ومرتزقته محاولات شن الهجمات البرية على القرية، واستهدفوا في البداية تلة القرية في محاولة للسيطرة عليها لتقع القرية تحت مرمى أهدافهم، وعليه اتخذت مجموعة من رفاقنا المقاتلين مواقعهم على التل وتصدوا للهجمات، وعليه اندلعت اشتباكات قوية في محيط القرية والتل، حاول المرتزقة الالتفاف علينا من الجهة الغربية للقرية لإيقاعنا في حصار من 3 جهات وإجبارنا على الخروج من القرية، لكننا تصدينا لمحاولات تقدمهم وكبدناهم الكثير من الخسائر، وقتل وأصيب عدد من المرتزقة وبعد عدم قدرتهم على التقدم اضطروا إلى الفرار وتركوا بعض جثث قتلاهم في ساحة المعركة.

12 مقاتلاً في مواجهة 80 مرتزقاً مدعومين بالطيران والمدفعية

وأردف روجهات :"بعد أن كسرنا الهجمة وهروب جيش الاحتلال ومرتزقته شهدت المنطقة هدوءاً حتى اليوم الثاني، وفي صباح اليوم الثاني عادت المدفعية لقصف القرية، ولاحظنا تحركات مكثفة لجيش الاحتلال ومرتزقته في قرية دمليا التي كانت محتلة، أدركنا أنهم يستعدون لهجمة أخرى على القرية، وبعد القصف المدفعي حلقت طائرات الاستطلاع التركية في سماء القرية فسارعنا لاتخاذ مواقع غير مكشوفة، واتخذنا الاستعدادات للمواجهة.

وفي ساعات الظهيرة، بدأ الهجوم على القرية من جديد وبالإضافة إلى الدعم المروحي لهم اصطحب جيش الاحتلال والمرتزقة معهم عدداً من الدبابات والمدرعات والسيارات المصفحة، كان عدد جيش الاحتلال ومرتزقته المهاجمين على القرية حينها يزيد عن الـ80، وتساندهم الأسلحة الثقيلة والطيران، بينما كنا 12 مقاتلاً فقط ولا نملك سوى الأسلحة الفردية الخفيفة وقواذف الأر بي جي، ومع ذلك لم نخشَ المواجهة وقررنا المواجهة، وتوزعنا على عدة محاور في محيط القرية. حيث كان العدو يهاجم من 3 محاور على القرية، فالمحور الأول كان من جهة قرية دمليا غرباً، والثاني من طرف التلة الشمالية، والثالث كان  على الجهة الجنوبية للقرية.

وأردف روجهات:" بالإضافة إلى أن المعركة غير متكافئة في العدد والعتاد ولكن ما كان يعيق تحركنا هي طائرات الاستطلاع التي لم تغادر سماء القرية، وكانت تقصف أي شيء يتحرك في المنطقة، لذا قررنا اللجوء إلى تكتيك جر العدو إلى القرية ثم الاشتباك معهم، حتى لا تتمكن الطائرات والأسلحة الثقيلة من القصف، باعتبار أننا سنكون قريبين جداً من جيش الاحتلال ومرتزقته، وعليه اتخذنا بعض المواقع المحصنة ولم نطلق أي رصاصة باتجاه المهاجمين لنوهمهم أن القرية فارغة ويسارعوا في التقدم إليها، فيما كان المرتزقة يطلقون القذائف والرصاص بشكل عشوائي صوب منازل القرية أثناء تقدمهم ليتأكدوا من عدم وجود أحد، وبقينا ملتزمين مواقعنا حتى دخل جيش الاحتلال والمرتزقة أول منازل القرية وحينها خرجنا من مواقعنا واستهدفناهم من عدة جهات ولم يعد المرتزقة يعرفون أين يختبئون، وتشتتوا بفعل الضربة التي وجهناها لهم، واندلعت الاشتباكات بيننا ولم يعد الطيران يستطيع القصف ولا الدبابات وكنا نتحرك بحرية بين منازل وشوارع القرية وكنا لانطلق الرصاص بشكل مكثف صوب المرتزقة، لأننا كنا نخشى نفاذ ذخيرتنا، وعليه لم نكن نطلق أي رصاصة إلا عندما نرى جيش الاحتلال ومرتزقته، بينما كان المرتزقة يفتحون نيران رشاشاتهم بشكل مكثف ويطلقونها عشوائياً صوب منازل القرية.

وبعد حوالي ساعة من الاشتباكات وإلحاق ضربات موجعة بالمرتزقة وجيش الاحتلال، بدأ العدو بالتراجع والهروب من القرية وهم يحتمون بالدبابات والمدرعات، وحينها اعترف الاحتلال التركي ومرتزقته بمقتل 16 من جنوده والمرتزقة في القرية وإصابة العشرات، وأتوقع أن عدد القتلى كان أكثر من ذلك بكثير.

هجمة همجية بالطيران الحربي على القرية

وأكمل روجهات سرد ما جرى معهم قائلاً:" كانت الضربات التي وجهناها لجيش الاحتلال ومرتزقته قاسية، حيث أجبرناهم على الهروب والعودة إلى قرية دمليا المجاورة لبعدينا.

وبعد تلك الضربة لم تمر نصف ساعة حتى جاء سرب من الطائرات الحربية وحلقت في سماء القرية، وبدأت بقصف القرية بشكل جنوني، كان واضحاً أنهم بعد فشل محاولاتهم احتلال القرية قرروا تدمير القرية بشكل كامل، لذا كانت الطائرات تقصف كافة منازل القرية ولم تترك نقطة أو منزلاً إلا وقصفته بصواريخ كانت تهز الأرض ومن شدة قوتها تنهار عدة منازل في الضربة الواحدة.

وأضاف روجهات:" لم يكن بإمكاننا فعل شيء أمام هذا القصف الوحشي، وحاولنا الاحتماء من القصف وتوزعنا في القرية بحيث أن كل مقاتل توجه إلى مكان، ولكن القصف طال كل مكان في القرية، وكنت موجوداً في أحد المنازل ولا أستطيع الخروج أو التحرك، وفجأة سقطت قذيفة على طرف المنزل الذي كنت فيه وهبط السقف والجدران علينا، ومن قوة الضربة فقدت الوعي وبقيت تحت الأنقاض، لم أعرف كم مر من الوقت وأنا فاقد الوعي ولكنني عندما بدأت أستعيد الوعي في البداية كنت أقول لنفسي هل أنا حي أم ميت، لم أكن أدرك ما يجري حولي وأحسست للحظات أنني ميت، وبعد مرور بعض الوقت استعدت الوعي وحينها أدركت أنني مازلت حياً، ورأيت نفسي محشوراً في زاوية وجزء من الجدار وسقف المنزل ساندا بعضهما ولم يسقطا فوقي، نظرت إلى نفسي كان الغبار يغطيني ولم يعد يظهر لون ملابسي من كثافة الغبار الذي علق عليه، بحثت عن سلاحي حولي وجدته تحت حجارة المنزل رفعت الحجارة وسحبت سلاحي، حاولت البحث عن طريق للخروج، وبدأت أزيل الحجارة من حولي حتى وصلت لفتحة تؤدي إلى خارج المنزل، وحينها سمعت أصواتاً تنادي "الله أكبر" حينها تراجعت  قليلاً وبدأت أراقب من خلف الجدران ما يجري في القرية، حينها شاهدت العشرات من المرتزقة وهم يدخلون القرية وهم يصيحون "الله أكبر" ويهرولون نحو المنازل ويبحثون تحت الأنقاض وفي بعض المنازل التي لم تهدم بشكل كامل عمّا يسرقونه.

النجاة بأعجوبة وبطريقة ذكية

وأردف روجهات بالقول:" أدركت حينها أنني في موقف حرج وبات المرتزقة يحيطون بي من كل الجهات، أحسست أن تفكيري قد شل، لم أعد أعرف ماذا أفعل، فكرت في البداية بأن أقتل نفسي حتى لا أقع في الأسر ووضعت فوهة سلاحي تحت ذقني وجلست أراقب المرتزقة، رأيتهم يتحركون بشكل مجموعات في القرية وكل مجموعة ترتدي ملابس عسكرية تختلف عن الأخرى وبعضهم يرتدي ملابس لقواتنا، والبعض يرتدي الملابس المدنية، وكانت كل مجموعة تربط أشرطة بعضها حمراء وأخرى صفراء على يدها، ونظرت إلى نفسي رأيت الغبار أخفى ألوان ملابسي ولم يعد يُعرف ما لونها، ففكرت بطريقة أخرى للخروج، وعندما تجمع عدد من المرتزقة فوق أنقاض المنزل الذي كنت تحته وباتوا يبحثون فيه عن المسروقات وهم يصيحون "الله أكبر" أخرجت علماً لوحدات حماية الشعب كان معي من جيبي وقصصت منه شريطاً وربطته على يدي وأخفيت الباقي تحت الركام، وتسللت من بين الأنقاض وبدأت  أنادي أنا أيضاً الله أكبر وأزيل الحجارة من حولي بشكل يظهر كأنني أبحث مثلهم بين الأنقاض عن المسروقات، وبينما كان المرتزقة منشغلين بالسرقة انتقلت من منزل إلى آخر وأنا أصيح مثلهم ومررت بعدة مجموعات منهم دون أن يلاحظني أحد أو يدرك أنني لست منهم، نظرت حولي إلى القرية كانت أغلب المنازل مهدمة وبعضها سقط نصفها وبقي النصف الآخر، وكان المرتزقة وجيش الاحتلال منتشرين فيها ومعهم عدة دبابات ومدرعات.

وأضاف روجهات:" وفجأة رأيت مجموعة من المرتزقة يجتمعون حول جثامين بعض رفاقنا الذين استشهدوا في القرية، ويصورون الجثامين بهواتفهم، كان هذا المشهد مؤلماً جداً فكرت حينها أن أفتح نيران سلاحي صوبهم وأقتلهم وأقتل نفسي بعدها، لكنني نظرت إلى سلاحي كان فيه مخزن واحد ولا أعلم كم طلقة موجودة فيه، وخشيت ألا يكون فيه سوى عدة طلقات ولا أتمكن من قتلهم، أو ألا يعمل سلاحي بعد أن وقع تحت الأنقاض، وعليه بدأت أفكر كيف أخرج من القرية، وبقيت أتسلل من مكان لآخر حتى وصلت أطراف القرية وحينها كانت الشمس قد غابت، فدخلت حقلاً للزيتون وتحركت بسرعة بين الأشجار حتى وصلت بعد ساعة من المسير إلى نقاط رفاقنا الذين أوصلوني إلى النقاط الطبية وقدموا لي العلاج نتيجة الجروح الخفيفة التي تعرضت لها أثناء سقوط المنزل الذي كنت فيه، وعلمت حينها أنه لم ينجُ أحد من رفاقي المقاتلين واستشهدوا كلهم في القرية ولم يخرج منها أحد سواي".

واختتم المقاتل روجهات روج حديثه بالقول:" مقاومة بعدينا أربكت جيش الاحتلال ومرتزقته كثيراً، وأثبتت أن إرادة مقاتلينا وصمودهم أقوى من كل تقنياتهم وأسلحتهم الثقيلة والأعداد الكبيرة لجنودهم ومرتزقتهم، وأثبتت أن جيش الاحتلال ومرتزقته لا يمكنهم احتلال شبر من أرض عفرين بدون الطيران، ومع ذلك لن نتخلى عن المقاومة وسنبقى أوفياء لدماء شهدائنا ونصعد المقاومة التي لاتزال مستمرة في مرحلتها الثانية حتى تحرير عفرين والانتقام لكل شهيد".

تحرير: لزكين إبراهيم

ANHA