بيريتان.. ميراث المقاومة ضد الخيانة

باستشهادها ترسخ مفهوم المرأة الحرة التي ناضلت في سبيل الحرية وعدم الرضوخ للذهنية الذكورية، رفضت الاستسلام للعدو وباتت مثالاً تحتذي به كافة النساء في الشرق الأوسط

بيريتان.. ميراث المقاومة ضد الخيانة
الخميس 25 تشرين الأول, 2018   02:56

شيندا أكرم/ مركز الأخبار

الشعب الكردي الذي قاوم وناضل في وجه الأنظمة التي سلبته حريته، برز من ضمنه العديد من القياديات اللواتي قدن الثورات، ومن بينهم سلطانة خان التي قادت المعركة ضد الجيش الإيراني في منطقة سوران وحاربتهم بصف جنودها إلى أن كسرت هجماتهم، ولكي لا تقع المرأة في أيدي الأعداء فأحياناً كانت تلقي بنفسها من على أسوار القلاع أو ترمي ذاتها من فوق الصخور ففي مقاومة قلعة (دم دم) اختارت النساء الكرديات بأن يلقين بأنفسهن من فوق أسوار القلعة ليسقطن على الصخور ولا يقعن في أيدي المحتلين الفرس والترك، ويذكر التاريخ أيضاً المناضلة بسة التي وجهت كلمة للعدو التركي قالت فيها "لن تتمكنوا من إلقاء القبض علي وأنا حية، وذلك خلال انتفاضة ديرسم، وخلال انتفاضة ساسون قامت رندي خان المعروفة بجمالها وبسالتها في القتال برمي نفسها من جسر مالاباد وذلك كي لا تقع أسيرة بيد الاحتلال التركي.

 ومنهن من قاتلن من أجل كردستان حرة مثل الشهيدة زريفا التي أدانت ورفضت المجازر الوحشية الجماعية للجيش التركي، بالإضافة إلى كلناز وليلى قاسم والعشرات الأخريات اللواتي أبدين بطولات خارقة فسابقن الزمن والتاريخ وسجّلن أسماءهن بحروف من ذهب في سجل الخالدين .

العديد من المقاتلات والمناضلات سجلن ملاحم بطولية هزت أركان العدو ودبت الرعب في صفوفهم، ومن هؤلاء الخالدات بيريتان التي رفضت الاستسلام للعدو وألقت بنفسها من قمم الجبال كي لا تقع بيدهم بعد أن قاومت جيشاً كاملاً لوحدها.

لمحة عن حياة الشهيدة بيريتان

ولدت المناضلة بيريتان هيفي الاسم الحقيقي كلناز قره تاش، عام 1971 في قرية سولهان التابعة لجولك وهي بأصلها من ديرسم.

ابنة مدينة ديرسم التي امتازت بتاريخ حافل بالبطولة والمقاومة، فقد كانت طالبة في كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية، وعرفت بحبها للاطلاع، حيث كانت تمتاز بذكائها الحاد وقوة شخصيتها وحضورها الملفت.

التحقت المناضلة بيريتان بصفوف حركة التحرر الكردستانية، مع مجموعة من الشباب والشابات الذين قدموا من اسطنبول إلى معسكر جبال جودي في أواخر خريف عام 1991.

فكانت منذ بدايتها تمتاز بقوة شخصيتها وإرادتها التي لا تلين، كما كانت تمتاز بقدرتها العالية على القيادة والإدارة. فقد كانت المناضلة الأولى التي استطاعت الصعود بفكر حرية المرأة ضد العبودية والعقلية السلطوية وكان لها دور بارز في توعية المرأة على أساس الفكر الحر النقي من الشوائب والعبودية. لم تكن تخاف من الموت أبداً وكانت تزيل الخوف من قلوب رفاقها ورفيقاتها وتزرع فيهم روح المقاومة والنضال بالإضافة زرع المحبة وقوة الإرادة.

كانت تجربتهم الأولى في الكريلا، فقد انطلقت من جبل جودي إلى جبل خاكوركة في صيف 1991 الحار والجاف كان صعباً كمثل شتاء قاسي، كانت مسيرتهم شاقة حتى أنهم في بعض الأحيان لم يتمكنوا من شرب المياه لمدة يومين، وفي هذه الأثناء كانت المناضلة بيريتان تبث المعنويات في روح رفاقها.

خلال فترة قصيرة أصبحت قائدة فصيل

وخلال مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز الشهر أصبحت المناضلة بيريتان قائدة فصيل، وتأقلمت مع كافة رفاقها كما وأشرفت على مجموعة من المقاتلين والمقاتلات من خلال تدريبهم، إضافة إلى أنها تمكنت من كشف الكثير من الخونة والاستخبارات التركية.

في استشهادها أيضاً كانت الطليعية

في عام 1992 ونتيجة للاتفاقية التي تمت بين الدولة التركية وإيران والحزب الديمقراطي الكردستاني، بهدف القضاء على حركة التحرر الكردستانية كانت بريتان من بين المقاتلات اللواتي وقفن في الطليعة للدفاع عن أنفسهم وكسر هجمات الخونة المتعاونين ضدهم.

حيث تم استخدام السلاح الثقيل والمتطور ضد حركة التحرر الكردستانية، لذا كانت كتيبة الشهيدة بيريتان في المقدمة وحاربت حتى الرمق الأخير، إلا أن نفاذ الذخيرة والسلاح حال إلى أن تقع في الحصار من قبل البيشمركة، ولكي لا تقع في الأسر كسرت بندقيتها ورفعت يديها الذهبيتين إلى السماء ثم هللت بصوتها الشجي كصوت البلابل فملأت بصوتها جبال كردستان، ذلك الصوت الذي كان ينادي بالحرية وبحياة حرة كريمة ثم رمت بنفسها من صخرة عالية من صخور جبال كردستان الأبيّة، فأصبحت بذلك رمزاً للمقاومة والمرأة الحرة التي كانت بمثابة الآلهة في العصور القديمة ، فدخلت إلى قلب كل امرأةٍ حرة أبية .

وبهذه المقاومة التي لم تقبل الاستسلام وصلت لمرتبة الشهادة في يوم 25 من شهر تشرين الأول من عام 1992 على قمة جبل " ليلكان " كانفجار لبركان هامد وبذلك صنعت بهذه المقاومة والروح البطولية آلاف المقاتلات والمناضلات أمثالها.

أحد البيشمركة يصف بطولة بيريتان

ويقول احد البيشمركة من الذين تركوا سلاحهم بعد أن شاهدوا مقاومة بيريتان ، أنهم وبعد أن حاصروا بيريتان نادوها كي تستسلم، إلا أنها رفضت ذلك وفضلت أن تحلق في سماء الحرية على أن تقع أسيرة في يد الخونة المتعاونين مع العدو ضد الشعب الكردي.

لقد كانت مقاومة الشهيدة بيريتان مرحلة تاريخية بحد ذاتها من مراحل النضال في حركة التحرر الكردستانية، هذه المناضلة التي جسدت في شخصيتها فن القيادة وحقيقة تاريخ المرأة الكردستانية عبر مراحل التاريخ وبشكل خاص حقيقة تاريخ المرأة في ديرسم المقاومة فكانت هذه الشهيدة سبباً في وحدة صف المرأة الكردستانية وسبباً في وحدة الشعب الكردستاني .

وبهذا الموقف البطولي فرضت روح المقاومة والإصرار والحياة الحرة الكريمة وأبدعت فلسفة جديدة هي فلسفة لا للاستسلام ووجوب المقاومة ضد الخيانة، فعلى أساس مقاومة بيريتان وانطلاقاً من فكر وفلسفة أوجلان تم تأسيس جيش المرأة وعلى هذا النهج تسير مقاومة المرأة في الوطن بأجزائه الأربعة وخارجه، ولاستمرار المقاومة وكميراث لها تأسست وحدات حماية المرأة في روج آفا.

(آ أ)