قصص من مقاومة العصر- 11

عشرون مقاتلاً ومقاتلة من وحدات حماية الشعب والمرأة بقيادة المقاتل مظلوم يحبطون عدة هجمات كبيرة للاحتلال التركي ومرتزقته ويكبدونهم الخسائر باتباع تكتيكات جديدة في القتال، ويتحلون بروح التضحية والفداء إذ لا يتركون ساحة المعركة رغم الإصابات، وقائدهم الذي يروي لنا قصتهم يصاب 4 مرات ويواصل القتال مع مقاتليه.

قصص من مقاومة العصر- 11
الإثنين 22 تشرين الأول, 2018   01:15

قيادي مع مقاتليه لا يتخلون عن بعضهم في المعارك رغم الإصابات

تولين حسن – غاندي علو/عفرين

ضمن المقاومة التاريخية التي جرت في عفرين حدثت الكثير من قصص البطولة والفداء والتي شارك فيها مقاتلون ومقاتلات تحدوا آلة القتل والتدمير والأسلحة المتطورة، وإحدى قصص المقاومة التي جرت في المرحلة الأولى من مقاومة العصر يرويها لوكالتنا ANHA  القيادي في صفوف وحدات حماية الشعب مظلوم دوغان الذي أصيب 4 مرات خلال تلك المقاومة.

اتباع تكتيك جديد لإحباط هجمات الاحتلال على قرى شيراوا

بدأ القيادي مظلوم سرد أحداث المقاومة التي خاضوها في عفرين ناحية شيراوا حيث كان قائداً لـ 3 مجموعات من مقاتلي ومقاتلات وحدات الحماية الذين توزعوا على جبهات قرى "برجك سليمان، كبيشين، وفافرتين" التابعة لناحية شيراوا، يقول دوغان:" كنت قائداً لـ 3 مجموعات مؤلفة كلها من 20 مقاتلاً ومقاتلة، كانوا يتحركون بين جبهات قرى شيراوا ويتصدون لكافة هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته على تلك المنطقة، كنا نعتمد تكتيك المجموعات الصغيرة المتنقلة ولا نتخذ نقاطاً ثابتة لأن وجود طيران الاستطلاع بشكل مستمر فوقنا وسط قصف للطيران الحربي وقصف مدفعي فرض علينا أن نتخذ ذلك التكتيك بالتحرك السريع وعدم البقاء في مواقع ثابتة حتى لا نكون أهدافاً سهلة للعدو، وبموجب ذلك الوضع كنا نعتمد في المواجهة على تنفيذ عمليات نوعية ضد جيش الاحتلال ومرتزقته، وكنا نحبط هجماتهم عن طريق الاقتراب من نقاط العدو قدر المستطاع، فكلما كان القصف يشتد علينا كنا ندرك أن العدو يستعد للهجوم بعدها، وكنا نراقب تحركاتهم وعندما نراهم يتحركون كثيراً نبادر عبر مجموعاتنا بالتقدم حتى نصبح في أقرب نقطة من تواجد العدو وبمجرد بدئهم للهجوم كنا نباغتهم بالمواجهة ونصبح قريبين منهم جداً بحيث لا يمكنهم استخدام الأسلحة الثقيلة أو الطيران ضدنا، وبعد أن نلحق بهم الضربات ونشتتهم ونحبط الهجوم نتوزع على مسافات متباعدة ويعود كل مقاتل بشكل منفرد إلى نقاطنا حتى نشتت انتباه العدو ونستطيع التخفي بسهولة من طيران الاستطلاع".

وأضاف دوغان:" بقيت مجموعاتنا تحمي تلك القرى بهذا الشكل مدة 15 يوماً وخلالها كبدنا جيش الاحتلال ومرتزقته خسائر كبيرة في العدد والعتاد ولم نسمح لهم بالتقدم، وبعدها طلبت القيادة مني نقل مجموعتي والتوجه إلى منطقة جندريسة التي كانت تشهد معارك وهجمات قوية، وبعد اتخاذ مجموعات أخرى من المقاتلين والمقاتلات مواقعنا في قرى شيراوا توجهت مع مجموعتي التي تضم 20 مقاتلاً ومقاتلة إلى جندريسة".

مقاومة تل سلور وبافلور والإصابة مرتين

واصل القيادي مظلوم دوغان سرد قصة مقاومتهم بعد الانتقال إلى جندريسة قائلاً:" لدى وصولنا إلى جندريسة كانت المعارك تجري في القرى، وعليه اتخذنا مواقعنا في جبهات قريتي تل سلور وبافلور، وهناك اتبعنا التكتيك نفسه في منع جيش الاحتلال ومرتزقته من التقدم، وألحقنا بهم الكثير من الخسائر على مدى 3 أيام متتالية، وبعدها كثفت طائرات الاستطلاع من تحليقها فوقنا ورصد تحركاتنا، ولم تكن تغادر المنطقة على مدار 24 ساعة، وذلك وسط قصف بالدبابات والمدفعية من قبل المرتزقة على قرية تل سلور وتلتها، ولم نعد نستطيع الحركة، ومع ذلك كان بعض رفاقنا المقاتلين يخاطرون لإيصال الماء والطعام والذخيرة إلينا ليلاً، وبعد يومين على هذه الحالة قررنا تنفيذ عملية ضد العدو، وانتقلت إلى جبهة قرية بافلور حيث تتمركز مجموعة أخرى من مقاتلينا لتنفيذ العملية انطلاقاً من تلك الجبهة باعتبارها كانت أقل تعرضاً للقصف من جبهة تل سلور، وتوجهت مع 4 مقاتلين نحو نقاط العدو وتحركنا بين الأشجار بحذر ولاحظنا حينها وجود طائرة استطلاع في السماء بعلو مرتفع وبينما نواصل التقدم جاءت 3 طائرات مروحية من نوع كوبرا وبدأت تمشيط المنطقة فاختبأنا خلف الصخور واستلقينا تحت الأشجار، لكن الطائرات فتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي على المنطقة وارتفع الغبار حولنا جراء رشقات الطيران وكنا نحاول الاحتماء بالالتصاق بالصخور وجذوع الأشجار وفجأة أحسست بحرقة في قدمي سحبت قدمي بسرعة ونظرت إليها رأيت حذائي قد تمزق طرفه والدماء تنزف من قدمي، جراء إصابتها برصاصة في الطرف، وبعد حوالي 20 دقيقة من تحليق المروحيات وتمشيطها المنطقة برشقات الرشاش غادرت المنطقة، ناديت على رفاقي المقاتلين لأطمئن عليهم فأجابني الجميع وقالوا بأنهم بخير، فقلت لهم لقد أصبت بقدمي، وعلينا العودة، فاقترحوا أن أعود مع أحد المقاتلين وأن يذهب 3 مقاتلين لتنفيذ العملية لكنني لم أقبل وقلت لن أدعكم تذهبون بدوني، وسنعود معاً وننفذ العملية في وقت لاحق، وعليه عدنا إلى قرية بافلور.

وأكمل دوغان حديثه قائلاً:" بعد أن تلقيت علاجاً ميدانياً وأصبحت قادراً على السير عدت إلى تل سلور حيث كان جيش الاحتلال ومرتزقته يقصفون التل بشكل مكثف ويستعدون لشن هجوم على القرية، اتخذنا مواقعنا للمواجهة لكن طيران الاحتلال التركي شن غارات مكثفة على تل القرية وشنوا بعدها هجوماً برياً شارك فيه المئات من جيش الاحتلال ومرتزقته تساندهم المدفعية والدبابات، وعليه وزعنا أنفسنا على نقاط متفرقة في قرية تل سلور وتصدينا للهجوم البري واندلعت بيننا اشتباكات قوية قتل فيها عدد من المرتزقة، وأعطبنا عدة سيارات لهم، ولكن لكثافة القصف على قريتي بافلور وتل سلور واحتلال المرتزقة لتلة قرية تل سلور، ومحاولتهم محاصرتنا بالالتفاف خلفنا وقطع الطريق بيننا وبين مركز منطقة جندريسة بعد عجزهم عن دخول القريتين بالمواجهة، قررنا العودة إلى مركز جندريسة لنتمكن من تمتين مواقعنا وفتح جبهة واسعة ضد جيش الاحتلال ومرتزقته، وأعطيت التعليمات لمجموعاتنا في القريتين بالتوجه إلى جندريسة بشكل تدريجي، ولدى توجهنا نحو جندريسة أصيب مقاتل ووقع في نقطة شبه مكشوفة وبدأ العدو  باستهدافه، فطلبت من باقي المقاتلين التغطية علي حتى أتمكن من الوصول إليه وإنقاذه، وبدأ المقاتلون بفتح نيران رشاشاتهم صوب نقاط العدو وتوجهت نحو المقاتل الجريح زحفاً على بطني حتى وصلت إليه، ولدى محاولتي حمله على ظهري أطلق المرتزقة الرصاص بشكل مكثف صوبنا وأصبت برصاصة في يدي، وطلبت من المقاتل التشبث بي وأخرجته من تلك النقطة إلى مكان غير مكشوف على المرتزقة ومنها توجهت نحو رفاقنا ووصلنا بسلام ثم أكملنا المسير حتى وصلنا مركز جندريسة.

الوقوع في الحصار ومواصلة القتال رغم الإصابات

يكمل القيادي مظلوم سرد ما جرى معهم في مركز جندريسة قائلاً:" بعد أن عدنا إلى مركز منطقة جندريسة تلقيت مع المقاتل المصاب علاجاً ميدانياً وضمدنا جروحنا، وتوزعنا على إحدى جبهات المركز، وحينها كان طيران الاحتلال التركي يواصل التحليق في سماء جدنريسة ويقصف بين الحين والآخر بعض المواقع، وبعد يوم من احتلال الجيش التركي ومرتزقته لقريتي سلور وبافلور بدأوا استعداداتهم للهجوم على مركز جندريسة ومهدوا له بقصف مدفعي مكثف على المركز، ولم نكن نملك سوى أسلحة خفيفة ومتوسطة لأننا لم نعد نستطيع استخدام الأسلحة الثقيلة بسبب طيران الكشف الذي يرصدها بسهولة ويقصفها، وأمام هذا النوع من المعارك غير المتكافئة في العدد والعتاد لم يكن أمامنا إلا تحصين مواقعنا ومحاولة جر العدو لنقاط قريبة منا حتى نتمكن من الاشتباك معهم، لذا اتخذنا عدة نقاط محصنة في جندريسة وانتظرنا تقدم العدو، وبعد قصف مكثف كالعادة بدأ جيش الاحتلال والمرتزقة شن هجوم بري على جندريسة لم نرد على تلك الهجمات لجرهم إلى أطراف المدينة حتى نبطل مفعول أسلحتهم الثقيلة والدبابات، ونتمكن من المواجهة، وبالفعل تقدم العدو تحت غطاء قصف الطيران والمدفعية حتى وصلوا أطراف جندريسة وباتت المسافة بيننا وبينهم لا تتعدى مئات الأمتار وفي بعض النقاط عشرات الأمتار، وحينها توزعنا على عدة نقاط وبدأنا باستهداف جيش الاحتلال والمرتزقة، وجرت اشتباكات قوية ذلك اليوم تمكنّا خلالها من قتل العشرات من المرتزقة ودمرنا وأعطبنا عدة آليات وأسلحة ثقيلة لهم، واستمرت المعركة حتى صباح اليوم التالي، عجز خلالها العدو عن دخول مركز جندريسة رغم أعدادهم الكبيرة وأسلحتهم المتطورة والثقيلة.

وبعد أن عجز العدو عن التقدم وكسر دفاعاتنا اضطروا للتراجع وسحب قتلاهم وجرحاهم، ليشن بعدها الطيران الحربي غارات مكثفة على مواقعنا أصيب خلالها 5 من رفاقنا المقاتلين ولأن جروحهم كانت كبيرة ولا نستطيع إيقاف النزف بالإسعافات الميدانية نقلناهم إلى النقاط الطبية الخلفية لتلقي العلاج، وبقينا في تلك الجبهة 15 مقاتلاً ومقاتلة، وتوزعنا على 3 نقاط، وبعد قصف مكثف للطيران والمدفعية والدبابات التي هدمت الكثير من منازل جندريسة بدأ العدو بشن هجمة أخرى مصطحبين معهم عشرات الدبابات والمدرعات، ولدى وصولهم إلى أطراف المدينة عدنا للتصدي لهم ولكنهم كانوا يتقدمون عبر الدبابات والمدرعات ولم يكن لدينا أسلحة مضادة للدبابات، وأكبر أسلحتنا هي "بي كي سي" وعليه لجأنا إلى خطة زرع ألغام مضادة للمدرعات والآليات في الشوارع والطرقات التي يتقدم العدو فيها، وبعد انفجار عدة ألغام بآلياتهم اضطروا للانتشار والمواجهة، وعليه عدنا للاشتباك معهم، ولكن أعدادهم كانت كبيرة كانوا يزيدون عن 200 من جيش الاحتلال والمرتزقة، وكانوا يحاولون محاصرتنا وبدأوا بالالتفاف على نقاطنا من 3 جهات، وركزوا قصفهم على نقاطنا، حيث كنا نتمركز في 3 مباني، وحاولنا منعهم من الالتفاف واشتبكنا معهم على 3 محاور، واشتدت الاشتباكات وتعالت أصوات الرصاص وأزيزها، وبينما كنت أحاول رصد تحركات المرتزقة شعرت بحرارة في خاصرتي، وضعت يدي على خاصرتي أحسست بالدماء تنزف منها، جلست وتفحصت بطني، كانت رصاصة اخترقت طرف خاصرتي، نظرت حولي رأيت المقاتلين منهمكين في المواجهة بكل حماس ويصيحون تحيا مقاومة وحدات الحماية لرفع معنويات بعضهم، وقررت ألا أدعهم يشعرون بأنني أصبت، فنزعت الشال الذي كنت أضعه على رأسي وشددت به خصري بقوة لأوقف النزف، وتحركت ببطء صوب إحدى الفتحات في الجدار وعدت إلى القتال ولكن الألم كان يزيد كلما يمر الوقت وكنت أشعر أحياناً بالبرد وأحياناً بالحرارة تنتاب جسدي، ومع ذلك كنت أواصل القتال وأحاول رفع معنويات رفاقي.

وبعد ساعات من القتال سمعنا أصوات الرصاص تأتينا من الخلف أيضاً، سارعنا لتقوية جبهتنا من الخلف أيضاً، كانت مجموعة من المرتزقة قد التفت حولنا وبدأت بإطلاق الرصاص علينا من الخلف أيضاً، أدركنا حينها أننا وقعنا في الحصار من كافة الجهات، وعليه توزعنا في كل الاتجاهات وتصدينا للهجمات، وحينها أصيب اثنان من المقاتلين أيضاً بجراح في الأطراف ضمدنا جروحهما وطلبنا منهما عدم إجهاد أنفسهما حتى نتمكن من فك الحصار عن أنفسنا لنسعفهم، لكنهما أصرا على البقاء جنبنا في القتال وكانا يزحفان نحو الثقوب التي فتحناها في الجدران ويطلقان الرصاص نحو العدو، ولكن لاستمرار النزف وشدة الألم لم يعودا قادرين على التركيز، فبادرا هذه المرة إلى مساعدتنا بملء الذخيرة لنا، وبقينا على هذه الحالة من الحصار والقتال المتواصل مدة 12 ساعة حتى حل الظلام ومع هطول زخات خفيفة من المطر غطى المنطقة ضباب خفيف، ورأينا الجو بات مهيأ لنا لنخرج من الحصار، فتحركنا إلى الخلف وقسمنا بعضنا إلى مجموعتين مع كل مجموعة أحد المصابين، واستهدفنا مجموعة المرتزقة الذين كانوا خلفنا واشتبكنا معهم وحينها استشهد المقاتلان أدهم وسرحد عندما كانا يحاولان التغطية على المجموعتين ليفتحا لهما الطريق، وبعد اشتباكات قوية والقضاء على العديد من المرتزقة، كانت مجموعة أخرى من رفاقنا يشتبكون مع المرتزقة من الخلف أيضاً وهذا ساعدنا على فتح الطريق أمامنا بسرعة، وهناك فتحت جهاز اللاسلكي وتواصلت مع باقي رفاقنا وأعلمناهم بأننا أصبحنا أمامهم حتى لا يطلقوا علينا الرصاص، وأعطونا عدة إحداثيات للتوجه إليها، وبالفعل توجهنا إلى النقاط التي حددوها لنا وحينها سقطت قذيفة بجانبنا وأصبت ببعض الشضايا، وأكملنا المسير وساعدني بعض المقاتلين على السير حتى وصلنا إلى رفاقنا ومعنا جثمانا الشهيدين والمقاتلين المصابين، وكنت حينها أوشك على فقد الوعي من الألم وكثرة الدماء التي نزفت مني.

واختتم القيادي مظلوم دوغان حديثه بالقول:" بعدها نقلونا لتلقي العلاج في عفرين، وبعدها انتهت المرحلة الأولى من مقاومة العصر وبدأت المرحلة الثانية، وعليه انضممت مع باقي رفاقي المقاتلين إليها وعاهدنا رفاقنا الشهداء على مواصلة المقاومة حتى الانتقام لهم وتحرير عفرين كاملة".

تحرير: لزكين إبراهيم

ANHA