هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر

عشق الحرية منذ صغره، عاش في أسرة بسيطة تقطن في قرية صغيرة، تأكل مما تزرع، آمن بقضية تحرر الشعوب، خاض في العديد من الميادين، روح النضال كانت حاضرة لديه، فقد العديد من الأصدقاء، أصيب لكنه اختار أن يكمل المشوار،  أحب التعلم، عشق الشهادة فكان رمزاً من رموز القيادة.

هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
هم من حققوا النصر فكانوا نجوم لا تندثر
الجمعة 17 آب, 2018   01:30

شريف العابو - شيرين الحافظ / منبج

قصة من مئات قصص الشهداء، تحمل في جوانبها تآخي الشعوب ولحمة المكونات في المنطقة، والنضال من أجل الحرية والحياة الكريمة، والكفاح من أجل استحقاق العيش، كل حرف  بهذه القصة يتكلل بأحرف اسم الشهيد بوطان تركمان.

يصادف يوم غد الـ18 من آب/أغسطس الجاري الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد الشهيد بوطان تركمان أحد أبرز القادة العسكريين الذين شاركوا في معارك عدة في الشمال السوري وأبرزها معركة مدينة منبج، هذا اليوم سنتحدث عن سيرة أحد القادة اللذين كانوا ملازمين للمقاتلين في الجبهات ليسطروا أروع الملاحم البطولية.

عرف بوطان حركة التحرر الكردستانية منذ نعومة أظفاره، علم أن فكر قائد الشعوب عبد الله أوجلان هو السبيل للخلاص، وأن الحرب عندما قرعت أجراسها في سوريا كان لها وقعٌ خاص على أذنيه بأن واجب الدفاع عن قضيته قد حان.                 

الاسم علي صلاح الدين بيش علو، الاسم الحركي بوطان تركماني، ولد بوطان في عام 1993 في قرية شاوا الواقعة على بعد 30 كم شمال مدينة الباب، من المكون الكردي. عاش في أسرة وطنية، بسيطة في أساليب العيش تعتمد في داخلها على الطباع القروية على أسس الزراعة وتربية المواشي، تتألف أسرة الشهيد بوطان من 13 شخصاً أب وأم، 5 شباب و6 بنات ، ترتيبه السادس بين أخوته يكبره 3 شباب وبنتين. له مكانته الخاصة بين أفراد العائلة، فهو صاحب القلب الحنون والصدر الرحب والسموح دائما.

تحدث والد الشهيد بوطان عن علاقة الشهيد في العائلة وقال أنه "كان محباً للعائلة ولأخواته وعندما كنت أغضب كان يأتي يقبلني ويحتضنني، وكان يساعد أخوته في عمل المنزل، وكانت علاقته مع أقاربه ومع والدته جيدة، لم يكن يبدي أهمية للمال ورفاهيات الحياة".

درس المناضل في صغره المرحلة الابتدائية والإعدادية في قرية شاوا، ثم أكمل المرحلة الثانوية في مدينة حلب وانتقل للعيش بعيداً عن قريته وأهله، ليتم الدراسة في الهلك في ثانوية ابن سينا، في حين كان يكمل دراسته كان أخوته الذين يكبرونه قد باشروا العمل في المجالات الحرفية كون أنهم لم يستمروا بالدراسة، حاز الشهيد بوطان شهادة البكلوريا بالفرع الأدبي، وآن ذاك كانت قد اندلعت أولى الأحداث في سوريا مما جعله يتجنب إتمام الدراسة، رغم حبه للدراسة شاءت الأقدار أن ينقطع عنها.

يحكى عن جدهم أنهم كانوا يسكنون في قرية اسمها تل غزال من عشيرة كيتكان، وانتقلوا من تل غزال (قرية من قرى جنوب كوباني) إلى قرية شاوا، لتكون الحضن الدافئ الذي سيلد فيه بطل من أبطال الملاحم الشهيد بوطان تركماني.

بوطان تعرفت أسرته على حركة التحرر الكردستانية وفكر قائد الشعوب عبدالله أوجلان علم 1985، ولد بوطان في بيت عرف فلسفة الحركة قبل ولادته بما يقارب 8 سنوات، هذه الأفكار رافقته منذ ريعان الطفولة، شرب من نبع الصفاء ليعرف معنى العيش، حمل الفكر إلى جانب الدراسة إلى أن أصبحت الأولوية هي الكفاح في سبيل الدفاع عن الأرض.

قرر الالتحاق، كان على معرفة وثيقة بالعديد من المقاتلين في جبهة الأكراد، وفي عام 2012 التحق إلى جبهة الأكراد في شاوا ليتلقى أولى التدريبات هناك، بعد انضمامه اختار اسم بوطان تركمان اسماً حركياً له، كان الهدف هو إبعاد أهله عن دائرة الخطر، ومن ثم انتقل إلى عفرين ليتلقى تدريباً طال  مدة شهرين، قصد حلب ورابط على جبه الشيخ مقصود العام ذاته.

 وفي 2013 قاتل في سد الشهباء ضد مرتزقة تركيا، تعرض للحصار هو ورفاقه في تلك المنطقة حيث أصيب إصابات متعددة لكنها كانت طفيفة، على إثرها نقل إلى منزله في قرية شاوا التي كانت تحت سيطرة المرتزقة المدعومة من تركيا، وعليه قام أباه بإرساله إلى أخيه درويش الذي يقيم في تركيا، درويش أخاه الثاني في تسلسل الأسرة انشق عن قوات النظام من مدينة الرقة.

بعد مرور ستة أشهر عاد بوطان إلى عفرين ليكمل المشوار, وفي عام 2014 كان قد عاد من  مؤازرة ضد مرتزقة داعش, أقدمت مجموعة في تل رفعت على اعتقاله ومن معه، طالت مدة اعتقاله ثمانية أشهر تم فك أسره بتبادل أسرى مع مرتزقة جبهة النصرة، وفي نفس العام انتسب أخاه الأكبر إلى أسايش عفرين، كما أن أخيهم حسين انتسب إلى قوات الشهباء.

أخاه درويش تحدث عن إصابته والعودة إلى القتال قائلاً: "أتاني خبر إصابته عندما كان في سد الشهباء، ومن ثم أرسله أبي إلى تركيا، وفي أحد الأيام استيقظت في الصبح ولم أجده، كان قد عاد إلى عفرين، بعد مدة قمت بالاتصال به على رقمه وقلت له وليد حيث كان يدعى في جبهة الأكراد بهذا الاسم، أجابني شخص قال لي أن وليد موجود لديهم".

أحب بوطان أن يكون السباّق في الدفاع عن الوطن، مؤمناً بحرية الشعوب، حاملاً بين ضلوعه مواكبة المسير حتى دحر كل خطر يعادي حرية شعوب المنطقة، وليكون ممن سطر أسمى معاني البطولات والتضحية، لم يكن يجيد الكلام باللغة الكردية لكن بعد انخراطه تعلمها من رفاقه.

أحد قادة مجلس الباب العسكري

أخذ مكانه في العديد من الميادين منها الشيخ مقصود، الهول، الشدادي، صرين، عين عيسى، سد الشهباء، سد تشرين، وحملة تحرير مدينة منبج وريفها كاملة، قبل تحرير مدينة منبج بيوم، تم الإعلان عن تشكيل المجلس العسكري لمدينة الباب كان هو من القياديين في المجلس، تابع القتال في مجلس مدينة الباب، لم يقتصر دوره على أنه مجرد مقاتل بل كان قيادياً بارزاً، لم يكن ظاهراً صغره في السن فقد كانت أفعاله تظهر أنه أكبر مما يبلغ.

عرف الشهيد بوتان بمواقفه البطولية، يتذكر عدد من المقاتلين الذين رافقوه في معارك عدة كيف حارب في سد الشهباء عندما كان محاصراً في سد الشهباء واتجه عدد من المقاتلين لفك الحصار عنه وعن من معه من رفاقه، فطلب من بوطان الخروج أولاً فقال: "إما أن نموت معاً أو ننجو معاً"، في تلك الملحمة أصيب.

كما يتذكر رفاقه أحد المواقف في سد تشرين حيث اتجهت نحوهم جرافة معدة للتفجير كانت تحمل أربعة براميل متفجرة، كان عدد من المقاتلين آن ذاك محاصرين وطلبوا المؤازرة من الشهيد بوطان، وفور وصول الشهيد بوطان انخرط في صفوف المقاومة وقال: "إن مصيرنا واحد ولن نتخل عن شبر واحد من الأراضي التي حررناها، مهما كان الثمن".

ويضيفون "الرفيق بوطان هو بطل من أبطال مدينة الباب، كان دائما يوصينا ويقول "علينا تخليص أهلنا بكل مناطق سوريا، الذين يعانون من ظلم مرتزقة داعش"، كان متواضعاً لم نشعر يوماً أنه قيادي، كان أخاً لنا".

حادثة استشهاد البطل بوطان

في 14من شهر آب عام 2016  وقبل إعلان تحرير مدينة منبج بيوم أعلن عن تأسيس المجلس العسكري لمدينة الباب، انخرط في صفوفه ليكون أحد القادة فيه، بعد أربعة أيام من إعلان تأسيس مجلس مدينة الباب، كعادته الشهيد بوطان أراد أن يكون الأول في كل حملة وأن يكون في عمق الميدان.

كان جميع المقاتلين متجمعين في قرية المحترق، وجه الشهيد بوطان الأوامر لهم للاستعداد للتقدم في قرية الخاروفية، وعند المغيب كان الجميع مستعداً. بدأت الحملة التي خطط لها متقدمين نحو تحرير أول قرية تسمى خاروفية صغيرة، وعند صباح اليوم التالي كان الجميع قد وصل إلى قرية خاروفية كبيرة.

يصر الشهيد بوطان، بحسب ما رواه بعض ممن عاشوا الحدث، أن يكون ملازماً للمقاتلين في الخطوط الأولى، وبعد نقاش تم إقناعه بالبقاء لإعطاء الأوامر والتنسيق بين المقاتلين الذين تقدموا الصفوف، كانت معنويات الجميع دائما عالية بفضل الشهيد بوطان الذي كان يمازح دائما.

في الساعة العاشرة صباحاً، كان الشهيد بوطان جالساً يتواصل مع المقاتلين ليعطيهم إشارات التقدم، سمع صوت سيارة مسرعة كانت قادمة من اتجاه خطوط التماس، لم تكن سياراتهم تتحرك في هذا الطريق، قال للرفاق المحيطين به: "هنالك صوت"، لم يكونوا قد سمعوه، كانت سيارة مفخخة توجهت نحو موقعهم، خرج الشهيد بوطان نحو الباب فرأى السيارة المفخخة وقال بصوت مرتفع: "انبطحوا"، وقبيل انهائه الكلام فُجّرت السيارة على بعد 20 متر من المبنى الذي كان الجميع فيه وأصيب الشهيد بوطان.

حمله رفاقه وكان ما يزال على قيد الحياة، وكانت جمله الأخيرة هي "مناطقكم مناطقكم، سيروا على دربي حتى تحرير مناطقنا من الظلم". وفي الطريق إلى المشفى لفظ أنفاسه الأخيرة، كانت وصيته الأخيرة قبل الرحيل هي الحفاظ على المناطق المحررة من الأعداء.

كان ذلك في الـ18 من شهر آب/أغسطس عام 2016، حيث استشهد المقاتل البطل بوطان تركماني ليكون قد سطر أسمى معاني البطولات والتضحية.

تلقى أهله خبر استشهاده، أباه تحدث عن تلقيه الخبر: "أتاني اتصال من تركيا من أخيه درويش، علمت فيه أن بوطان مصاب، كانت قريتنا شاوا تحت سيطرة مرتزقة داعش، وبعد ساعة عاود درويش الاتصال فيني ليبلغني عن استشهاده ،وقال لي:" قبل وصوله إلى مدينة منبج فارق الحياة", تلقيت الخبر بصبر وقلت: "حسبي الله، في سبيل سلامة الوطن ورفاقه".

أضاف أباه: "لم أعلن خبر استشهاده، كل ما أردت الحديث أعود لأعرض عنه وأبقى مضمره في قلبي، كنت استقبل المعزين بعيداً عن المنزل وأوصيهم بالكتمان، قلت لهم أن السبب خوفاً من أن تعلم مرتزقة داعش، بعد خروجنا من مناطق سيطرة مرتزقة داعش وصلنا إلى مدينة منبج بعد مضي أربعة شهور، عندها قررت أن أخبر الجميع، جمعتهم وكلمت زوجتي، قلت: "يا أم مصطفى لو أن لأحد أمانة لديك هل سترديها إليه حين يطلبها، قالت: " بلا "قلت إن الله الذي أعطاك علي وأخذه".

بعد وصول أهله إلى مدينة منبج أخاه الأصغر محمد التحق في صفوف مجلس منبج العسكري، لم نحظى بالحديث مع والدته لأنها توفيت إثر معاناة مع مرض في الـ24 من شهر أيار المنصرم حيث توقف قلبها عن النبض تحت عملية جراحية.

تكلم صلاح الدين والد الشهيد عن ما يذكره من حديث ابنه الشهيد بوطان، وذلك عبر اتصال هاتفي من قريته تل غزال: "أبي نحن لا نريد شيئا سوى الوطن وسلامته، إننا سنتجه بالحملة وصولاً إلى مدينة الباب بعد تحرير مدينة منبج"، كما قال أيضا: "بعد أن تتحرر مدينة منبج وصولاً إلى مدينة الباب لن أسأل عن حياتي".

وأضاف والد الشهيد: "أكثر ما أذكر من ولدي عندما كان مصاباً وأرسلته إلى تركيا أشار لي بكفه ملوحاً. ذلك الموقف ما زلت أذكره وهي ما تزال حسرة في قلبي".

واختتم القول: "إذا لم نقدم أبنائنا فكيف سيزول الظلم عنا؟".

الشهيد بوطان تركماني وري الثرى في مقبر الشهيدة دجلة بكوباني في مراسم تشييع مهيبة أقيمت بتاريخ الـ21 من شهر آب عام 2016 المنصرم، إذ كان يبلغ من العمر 23 عاماً، مع شهيدين من مقاتلي قوات مجلس منبج العسكري رزكار بيتنام الاسم الحقيقي مروان شيخو وجمعان كوباني الاسم الحقيقي جمعان أحمد الذين فقدوا حياتهم في المرحلة الثانية من حملة تحرير منبج، التي حملت اسم الشهيد فيصل أبو ليلى.

(ج)

ANHA