احتجاجات العراق بين الحسابات السياسية والتجاذبات الداخلية والإقليمية

بعد أن تعمقت الخلافات السياسية التي أفرزتها الانتخابات النيابية في العراق أخيراً وما رافقتها من تجاذبات وتحالفات متناقضة, ودخول البلاد في مرحلة الفراغ التشريعي برزت ظاهرة الاحتجاجات الجماهيرية منطلقةً، هذه المرّة، من البصرة بسبب الأوضاع المأساوية القائمة التي يعيشها العراقيون منذ 15 سنة.

احتجاجات العراق بين الحسابات السياسية والتجاذبات الداخلية والإقليمية
السبت 28 تموز, 2018   01:35

ميديا حنّان/مركز الأخبار

بعد مرور فترة على الانتخابات العراقية التي جرت في 12أيار من الشهر الماضي والتي تخللها الكثير من التناقضات حيث أدخلت العراق في حالة من الفراغ التشريعي وما إن انطلقت شرارة التظاهرات الأخيرة في جنوب العراق التي امتدت بسرعة لتشمل جميع محافظات الجنوب والوسط، حتى انطلقت التحليلات والتكهنات عمن يقف خلفها من جهات إقليمية أو دولية، بل وحتى جهات محلية من أحزاب أو تيارات سياسية مشتركة بالعملية السياسية تريد إحراج الحكومة الحاليّة، أو اتهام جهات سياسية رافضة للعملية السياسية.

فمنذ عام 2009 لم تهدأ الاحتجاجات في المدن العراقية ودائماً كان يرجع البعض سبب تلك الاحتجاجات إلى حسابات سياسية وتجاذبات داخلية وإقليمية التي تعرقل مسار كل عملية سياسية عراقية.

أسباب تفاقم الاحتجاجات العراقية

تعدت الاحتجاجات الشعبية أسبوعها الثاني والتي انطلقت من البصرة لتشمل المدن العراقية الأخرى مهددةً العاصمة بغداد  حيث تعود أسباب توسع الاحتجاجات الشعبية إلى تردي الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه.

 في العديد من المحافظات أعلن وزير الكهرباء العراقي، قاسم الفهداوي في وقت سابق عن عجز في توفير الطاقة الكهربائية لأغلب مناطق بغداد، داعياً المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك حتى يتم رفد المنظومة بزيادات في الطاقة، وسط مخاوف وتحذيرات من أزمة للمياه. وقال حينها "عجزنا عن مواكبة الطلب على الطاقة الكهربائية في المناطق المشمولة بالخدمة والجباية، وتم شمولها بالقطع المبرمج".

لإيران وتركيا يد في تزايد الاحتجاجات العراقية

لقد سجلت درجات الحرارة في العراق مستويات مرتفعة تراوحت بين 48 – 51، خاصة في المناطق الجنوبية، والعاصمة بغداد، إلى جانب الأزمة الحادة التي شهدها قطاع الكهرباء وقطع إيران الخط المغذي نتيجة تراكم الديون المترتبة عليها لإيران حيث أكدت لجنة الكهرباء في مجلس محافظة البصرة، أن إيران قطعت الخط المغذي للمحطات العراقية منها ميسان وديالى وبغداد نتيجة تراكم الديون المترتبة عليها لإيران في حين يمثل  قطاع الطاقة في العراق أبرز مظاهر الفساد الإداري والمالي بسبب المبالغ الطائلة التي أنفقت عليه خلال السنوات الماضية، حيث تقدر بـ 50 مليار دولار، منذ احتلال العراق عام 2003 و ذلك بحسب تصريح عضو مجلس محافظة ديالى أحمد الربيعي لموقع إرم نيوز الإخبارية.

وقد أفادت وزارة الكهرباء في بيان لها، بأن قطع إيران للشبكة تسبب في عجز بلغت قدرته 1000 ميغاواط، ما أثر سلبًا على إمداد عدة مدن جنوبية مثل البصرة والناصرية والعمارة بالكهرباء.

 كما قامت تركيا بملء سد أليسوا التركي الذي أثر بشكل سلبي على انخفاض مناسيب في نهر دجلة و منع إيران من تدفق نهر الزاب الصغير إلى إقليم كردستان فبهذه الحالة تكون العراق قد فقدت حوالي 50% من كمية المياه الواردة من إيران وتركيا.

ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى تفاقم نسبة الاحتجاجات الشعبية هي ارتفاع نسبة البطالة وعدم توفر فرص العمل لآلاف الخريجين وحملة الشهادات الأولية والعليا ما زاد من نقمة هؤلاء الشباب والعاطلين عن العمل على الحكومتين المحلية والاتحادية عندما لم تتمكن من توظيفهم وتوفير فرص عمل لهم.

موقف الأطراف السياسية العراقية من الاحتجاجات

مع بدء الاحتجاجات العراقية ساد التوتر الأوساط السياسية العراقية حيث صدرت العديد من المواقف وردود الأفعال من قبل القوى والأحزاب السياسية والمرجعيات الدينية، فعلى الرغم من إعلان رئيس التيار الصدري، مقتدى الصدر دعمه للاحتجاجات لكنه متردد باللحاق بركبها لأنها تساهم في تعطيل مفاوضات الحكومة  وكما يبدو أن قادة “قائمة سائرون” مترددون بين مواصلة الانخراط في نشاط التفاوض السياسي لتشكيل الحكومة الجديدة استجابة للاستحقاق الانتخابي، وبين النزول إلى الشارع والمشاركة في التظاهرات.

حيث تخشى القائمة أن تؤدي الاحتجاجات فعلاً إلى تطورات سياسية استثنائية، تجمد العمل بنتائج الانتخابات، كتشكيل حكومة طوارئ لتلبية طلبات المتظاهرين، على سبيل المثال وأن تضيع فرصة فوزها في الانتخابات، والتي تسمح لها بلعب دور مؤثر في تشكيل الحكومة الجديدة وينعكس ارتباك سائرون على المشهد السياسي بشكل عام، ويعيق تطور أي مفاوضات سياسية.

وكذلك الأمر بالنسبة للعبادي الفائز بالمركز الثاني بالانتخابات العراقية حيث يعاني من عدم القدرة على التفرغ لمفاوضات تشكيل الحكومة وانشغاله بالمظاهرات.

وبدوره دعا نائب رئيس الجمهورية وزعيم ائتلاف الوطنية إياد علاوي،  إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وإعادة الانتخابات البرلمانية، في بيان موقفه من الاحتجاجات. ولا تختلف مواقف القوى السياسية الأخرى من هذه الاحتجاجات، من حيث إعلان تأييدها لها بشرط احتفاظها بالسلمية، وعدم خروجها عن ذلك باستخدام العنف والتخريب.

وكما تفاجأت الأطراف السياسية ووقعت في حيرة من أمرها بسبب فوز كتلة سائرون، ومن ثم جاءت الاحتجاجات لتربك الوضع السياسي أكثر فأكثر وتقلل من إمكانية الوصول إلى تحالف سياسي.

 من أين بدأت وإلى أين وصلت الاحتجاجات؟

بدأت المظاهرات بشكل سلمي في محافظة البصرة الغنية بالنفط، وسرعان ما اتسعت رقعتها على مدار الأسبوعين الماضيين لتشمل الناصرية والديوانية وكربلاء جنوباً ولتصل إلى العاصمة بغداد واجهت قوات الأمن المتظاهرين بالقوة، مما أدى إلى مقتل 4 أشخاص الجمعة.

وظهرت قبل أيام لأول مرة تجمعات منظمة للاحتجاجات تعرف باسم "التنسيقيات"، والتي دعت بدورها المحتجين إلى تصعيد المظاهرات ورفع سقف مطالبهم في ظل عجز الحكومة عن التجاوب معها حتى الآن.

وقد رفع محتجو مدن الجنوب في العراق سقف مطالبهم إلى "إسقاط الأحزاب وحظر عملها السياسي وإعادة كتابة الدستور"، بعد دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث على التوالي، بعد سقوط عدد من القتلى.

فقد عانت مدن جنوبي العراق من الإهمال على مدار الحكومات العراقية المتعاقبة، رغم الثروة النفطية التي تتمتع بها، لا سيما مدينة البصرة، التي تشهد تردياً في الخدمات بشكل غير مسبوق.

وحيث بدأت الاحتجاجات من مدينة البصرة جنوبي العراق مطلع تموز الجاري، للمطالبة بتحسين الخدمات، كالكهرباء والماء، ووضع حلول لتردي الوضع المعيشي في المدينة، التي تعتبر من أغنى مدن العراق بالنفط.

و كتبت الكاتبة العراقية باهرة شيخلي أن أزمة العراق أعمق من الماء والكهرباء لأن الأزمة بين العراقيين والحكومات التي تعاقبت بعد الاحتلال الأميركي للعراق أعمق من ذلك، وإذا كان العراقيون قد رفعوا مطالب خدماتية في مظاهراتهم، فذلك لأنهم يعلمون أن الحكومة، وأي حكومة تأتي من المنظومة المفروضة بعد الاحتلال، غير قادرة على تحقيق أي مطلب بسبب منظومة الفساد المهيمنة على دوائر الدولة، والتي تحميها أحزاب وميليشيات، تقول في السر غير ما تقوله في العلن.

(م)