رحلة كردي من كركوك إلى الطبقة

روى مواطن من الطبقة قصة نزوح جده من محافظة كركوك في جنوب كردستان إلى منطقة الطبقة في وسط سوريا منذ ما يزيد عن 200 عام.

رحلة كردي من كركوك إلى الطبقة
الخميس 17 مايو, 2018   01:15

عائشة مدوّر- ومحمد العرب/الطبقة

تصطبغ فترة طويلة من تاريخ الشرق الأوسط بصبغة أيديولوجية في إطار صراعات بين التيارات الفكرية والسياسية والتي تبلورت في فترة ظهور الدولة العثمانية وتوسعها في أوروبا وآسيا ومنطقة الشرق الأوسط واتبعت في هذه المنطقة سياسة التغيير الديمغرافي على مبدأ "فرّق تسد" لتسهيل سيطرتها من خلال إبقاء الشعوب في صراعات مستمرة.

وبعد فترة ضاقت على العثمانيين التوسعات في أوروبا وانهزموا أمام النمسا وروسيا فاتجهوا مطلع القرن السادس عشر إلى بلاد العرب التي ظلت تحت سيطرتهم أربعة قرون.

وتميزت فترة الاحتلال العثماني بالعنصرية من خلال محاولة إفناء المكونات وتطهيرهم عرقياً فكانت تتبع عدة أساليب مباشرة وغير مباشرة، إما بارتكاب المذابح بحقهم أو بزجهم في حروبها الداخلية والخارجية للتخلص منهم.

ونظراً لأن الشعب الكردي كان من أشد الشعوب مناهضة للعثمانيين فقد كان لهم النصيب الأكبر من المذابح والتهجير التي لاتزال مستمرة حتى أيامنا هذه وتجلت من خلال احتلال تركيا لعفرين بعد ارتكاب مجازر فظيعة بحق أهلها وتهجير ما تبقى حياً منهم ما يعيد للأذهان سياسة الدولة العثمانية منذ تأسيسها.

عليوي المحمد الحمود الحسين رجل كردي في الـ 65 من عمره يروي لـ ANHA تهجير جده حسين من كركوك في جنوب كردستان منذ أكثر من 200 عام على يد الدولة العثمانية التي جندته رغماً عنه ليقاتل في صفوف الجيش العثماني ويستقر بعد ذلك في سوريا وتتقطع به السبل للعودة إلى دياره بسبب سياسات الدولة العثمانية فضلاً عن بعد المسافة التي تفصله عن دياره.

يقول عليوي المحمد حسب روايات والده وجده من قبله: "كان جدي حسين في مقتبل عمره من سكان قرية "تخته" في كركوك شمال العراق تم تجنيده من قبل الدولة العثمانية ليقاتل في صفوفها في الحروب التوسعية التي خاضتها إلا أنه ترك الجيش العثماني هو وصديق عربي له  من منطقة "راوه" في العراق واستقرا في منطقة "السبخة" الواقعة في ريف الرقة الشرقي وتزوجا شقيقتين وعاشا في منزل واحد وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أخوة الشعوب بين كافة المكونات منذ غابر الأزمان والتي نعيشها حالياً في الشمال السوري مع محاولات تركيا المستمرة زرع بذرة الفتنة فيها.

يتابع المحمد حديثه قائلاً: "مع تراجع الجيش العثماني باتجاه الأناضول ترك جدي حسين وصديقه الراوي "السبخة" بحثاً عن مكان لرعي مواشيهم، واتجه نحو ريف الرقة الغربي تحديداً إلى قرية الصفصافة حالياً التي تبعد عن مدينة الطبقة حوالي الـ 8 كم إلى الشرق منها على الضفة الغربية لنهر الفرات، أنجب جدي من زوجته ولدين أحدهما توفي شاباً والثاني اسمه "حمود" تزوج وانجب 6 أولاد ابنتان و4 صبية توفي أحدهم وبقي 3 وبدورهم تزوجوا وانجب كل واحد منهم عدد من الأولاد ومنهم "محمد الحمود الحسين" والد عليوي المحمد الحمود الحسين المتحدث.

عليوي لديه من الأخوة 7 توفي أحدهم منذ قرابة الـ 5 سنوات وبقي 6، ولديه من الأولاد 6 وكلهم يعيشون حالياً في قرية الصفصافة ويمتهنون الزراعة وتربية المواشي.

اندثار اللغة الكردية لدى هذه العائلة

في الحديث عن عدم تعلم هذه العائلة للغة الكردية عزى المحمد هذا الأمر لأسباب منطقية أهمها هي الضغوط التي تعرض لها الشعب الكردي من قبل جميع الأنظمة اللاحقة للاحتلال العثماني وإجبارهم على التعلم والتحدث باللغة العربية وباقي اللغات الأخرى حتى اضمحلت اللغة الكردية في هذه العائلة بشكل نهائي وكونها الوحيدة في هذه القرية الأمر الذي زاد الأمر سوءاَ.

اعتز بكرديتي

يسهب عليوي المحمد في حديثه "أنا أعتز بكرديتي وأعتز كوني فرداً من الشعب الكردي ومعيشتنا وانخراطنا في المجتمع العربي لم ينسني هويتي وأصلي، أحن إلى أبناء جلدتي وعندما يتحرك الدم في عروقي أعرف أن الشخص الذي أمامي هو كردي حتى وإن لم يعرّف عن نفسه أو يتكلم".

فترة احتلال مرتزقة داعش للمنطقة امتداد لحقبة الاحتلال العثماني

في فترة احتلال مرتزقة داعش لمنطقة الطبقة ومع اقتراب عملية تحرير الطبقة وسد الفرات لمدينة الطبقة تعرضت هذه العائلة كغيرها من العائلات الكردية في المنطقة لضغوط كبيرة من قبل مرتزقة داعش وتفتيش ومداهمات مستمرة لمنازلهم وحاول المرتزقة تهجيرهم من المنطقة إلا أن تحرير المنطقة من المرتزقة على أيدي مقاتلات ومقاتلي قوات سورية الديمقراطية كان الأسبق.

يقول عليوي المحمد: "راقبنا حملة غضب الفرات عن كثب وتحقق حلمنا في التحرير بعد سنوات من العذاب والظلم الذي تعرضنا له، وفي فترة سابقة تم تبليغنا بمراجعة المكتب الأمني التابع لمرتزقة داعش للتحقق من مدى علاقتنا وارتباطنا بقوات سورية الديمقراطية التي كانت آنذاك قد اقتربت من تحرير كامل ريف الطبقة الشمالي لكننا التزمنا منازلنا ولم نخرج منها إلا للضرورة القصوى تجنباً للاحتكاك بأي عنصر من عناصر المرتزقة".

الاحتلال التركي لعفرين لن يستمر

عبر عليوي المحمد عن استيائه واستنكاره لاحتلال تركيا ومرتزقتها لعفرين واصفاً عملها باللاإنساني وقال في خضم ذلك: "عندما بدأ الاحتلال التركي عدوانه على عفرين مستعيناً ببعض المرتزقة وعباد المال أسترجع إلى ذهني جدي حسين كيف تم تجنيده من قبل العثمانيين رغماً عنه وتهجيره من موطنه الأصلي وانتهى به الحال أن مات غريباً عن دياره".

وتابع "أن الظلم لن يدوم وعفرين لأهلها طال الزمان أم قصر وكما قامت قوات سوريا الديمقراطية بكسر ذراع تركيا في الشمال السوري والمتمثلة بمرتزقة داعش فسوف تقطع يدها في عفرين".

وفي سياق ذلك قال المحمد: "أن الشعب الكردي بطبيعته طيب القلب ولا يحب الاعتداء على أحد إلا من يعتدي عليه ولا يؤذي جاراً أو صديقاً حتى لو كلفه ذلك الكثير".

أفتخر بقائد الشعوب عبدالله أوجلان

وعن القائد والمفكر عبدالله أوجلان عبر عليوي المحمد عن فخره به وبفكره الذي لولاه لما تحررت الشعوب من الظلم والاضطهاد وعاشت الأخوة والديمقراطية الحقيقية، وإن استمرار أسره من قبل الاحتلال التركي لن يفيدهم في شيء لأن فكره حر طليق وتوسع وسوف يستمر في التوسع حتى تحرير آخر شبر محتل.

الارتباط المعنوي بشجرة الزيتون

تعتبر شجرة الزيتون بالنسبة للشعب الكردي رمزاً معنوياً مهماً وعنها تحدث عليوي المحمد "أول شجرة غرسناها في منزلنا الجديد هي شجرة الزيتون فهي تعبر عن العطاء والقوة والتشبّث بالأرض وافتخر بزيتها الحلو الذي يطلق عليه الزيت الكردي، حتى تقليم شجرة الزيتون يحتاج إلى من يفهم عليها وتفهم عليه وأغلب من يقوم بهذا العمل هم الكرد".

وخلال اللقاء مع عليوي المحمد، تحدث عن الصعوبات التي واجهت أجداده في التواصل مع أقربائهم في كركوك ومنها بعد المسافة وخطورته فقد كان مليء بالوحوش المفترسة وفلول الجيش العثماني المتقهقر وحصر التواصل مع بعض العائلات المقيمة في سورية ومنها عائلة "البرزاني" في مناطق متفرقة من ريف دير الزور مثل العشارة والبوكمال بالإضافة لعائلة "العسكري" في ريف حلب الشمالي الشرقي وتحديداً في الباب وتادف ،وعائلة الأيوبي في مدينة حلب وعائلة "الشاووش" في ريف الطبقة في قرية أبو هريرة غربي مدينة الطبقة قبل غمرها بالمياه وانتقالها للعيش في منطقة أخرى إلا أن هذا التواصل محدود وزاد حدة مع اندلاع الأزمة في سورية وتعدد الأطراف المتناحرة والمسيطرة على هذه المناطق.

(م)

ANHA