أزمة التدفئة في سوريا تتفاقم وجدل في ريف حماة بين الدفء وحماية الثروة الحراجية

تواجه الأسر في سوريا صعوبات متزايدة في تأمين التدفئة مع ارتفاع أسعار المحروقات والحطب وتراجع القدرة الشرائية، فيما أعادت حملة حراجية في ريف حماة الجدل بشأن التوازن بين حماية الغابات واحتياجات السكان، وسط مطالب بتأمين بدائل عملية مع اقتراب فصل الشتاء.

أزمة التدفئة في سوريا تتفاقم وجدل في ريف حماة بين الدفء وحماية الثروة الحراجية
الثلاثاء 20 تشرين الأول, 2026   07:35
مركز الأخبار

مع دخول فصل الشتاء، تواجه الأسر في سوريا تحديات متزايدة لتأمين وسائل التدفئة، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات والغاز والحطب، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبات الحصول على المازوت.

وبينما تتجه عائلات إلى بدائل تقليدية لتخفيف النفقات، تثير إجراءات ضبط جمع الحطب تساؤلات بشأن كيفية التوفيق بين حماية الثروة الحراجية وتلبية احتياجات السكان خلال الأشهر الباردة.

وتشير شهادات رصدها مراسلو وكالتنا ANHA، في مناطق سورية عدة إلى نقص في مادتي المازوت والبنزين، مع إغلاق عدد من محطات الوقود أو امتناعها عن البيع بسبب نفاد المخزون، بحسب الأهالي.

وفي ظل صعوبات التزويد، يلجأ بعض السكان إلى السوق غير النظامية لتأمين احتياجاتهم، بأسعار تفوق إمكانات شريحة واسعة من الأسر.

ويقول سكان في حماة إن سعر ليتر المازوت في السوق السوداء يتراوح بين 18 و20 ألف ليرة سورية بالليرة القديمة، فيما تجاوز سعر البرميل مليوني ليرة، وقد يصل إلى نحو 2.2 مليون ليرة بحسب النوع والكمية.

ويعني ذلك أن تأمين المازوت وحده لتدفئة منزل يحتاج إلى برميلين قد يكلف أكثر من 4.4 ملايين ليرة، وفق تقديرات الأهالي، من دون احتساب تكاليف الكهرباء أو بقية احتياجات الشتاء.

ولا تقتصر الأعباء على المازوت، إذ يقول السكان إن سعر أسطوانة الغاز المنزلي وصل إلى نحو 250 ألف ليرة بالليرة القديمة، بعدما كان في حدود 120 ألفاً خلال فترات سابقة، ما دفع بعض الأسر إلى تقليص استهلاكه أو البحث عن بدائل أقل كلفة.

الحطب وقشور الفستق.. بدائل تتراجع قدرتها على تخفيف الأعباء

في ظل صعوبة تأمين المازوت وارتفاع سعره، اتجهت أسر إلى استخدام الحطب، لكن هذا الخيار لم يعد متاحاً بسهولة للجميع، مع ارتفاع أسعاره وتراجع الكميات المتوفرة.

ويقول خليل عبد الله، من حي الفردوس في مدينة حماة، إن الحطب أقل كلفة قليلاً من المازوت، لكنه لا يخلو من الأعباء، موضحاً أن الأنواع الجيدة، مثل حطب الزيتون والسنديان، مرتفعة الثمن، ما يدفع بعض الأسر إلى شراء أنواع أرخص، مثل السرو والكينا، رغم اختلاف قدرتها على توفير الدفء.

من جهته، يوضح تاجر الحطب سليم شحادة أن أسعار الطن هذا الموسم تراوحت بين 2.5 و3 ملايين ليرة، تبعاً للنوع والجودة، مشيراً إلى أن تكاليف النقل تشكل جزءاً مهماً من السعر، وأن الكميات المتوفرة أقل من الأعوام السابقة، في ظل الرقابة المفروضة على نقل الحطب وتجارته.

ولم تعد قشور المكسرات، ولا سيما الفستق الحلبي، التي اعتاد بعض الأهالي استخدامها للتدفئة، بديلاً منخفض الكلفة كما كانت في السابق، بعد ارتفاع أسعارها أيضاً.

حملة حراجية في عين الكروم.. روايتان بشأن جمع الحطب

وبالتزامن مع أزمة التدفئة، أفاد أهالي ناحية عين الكروم بمنطقة الغاب في ريف حماة الغربي بأن حملة حراجية نُفذت خلال الأيام الماضية، وشملت منازل وصادرت كميات من الحطب التي قالوا إنهم جمعوها لاستخدامها في التدفئة.

وقال أحد الأهالي إن الحملة دخلت منزله صباحاً وصادرت الحطب الموجود لديه، وأبلغته بأنه مخالف، مضيفاً أن أسرته لم تقطع الأشجار، بل جمعت أغصاناً يابسة متبقية بعد الحرائق، وأن الحطب يمثل وسيلة التدفئة الوحيدة المتاحة لها.

بدورها، قالت سناء إبراهيم من القرية إن أسرتها لا تملك بديلاً عن الحطب، في ظل مرض زوجها وانعدام فرص العمل، مؤكدة أن شراء المازوت غير ممكن بالنسبة لها بسبب ارتفاع سعره وصعوبة الحصول عليه.

وأوضح الأهالي أن جمع بقايا الأشجار اليابسة، بعد الحرائق والجفاف، بات خياراً اضطرارياً في ظل نقص المحروقات وارتفاع أسعار مصادر التدفئة الأخرى، مشيرين إلى أن كلفة الغاز والكهرباء والحطب تفوق إمكانات كثير من الأسر، ولا سيما في المناطق الريفية والجبلية.

في المقابل، نفت الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب صحة الاتهامات المتداولة بشأن مداهمة المنازل ومصادرة حطب التدفئة من الأهالي، وقالت في بيان إن ما نُشر "لا يعكس" حقيقة ما جرى، مضيفة أن الحملة نُفذت ضمن "المهام الرسمية لمديرية الحراج، وبالتنسيق مع إدارة المديرية وقسم ناحية عين الكروم، بهدف ضبط مخالفات تجميع الحطب وتطبيق القوانين والأنظمة النافذة".

ودعت الهيئة المواطنين إلى تقديم الشكاوى والاعتراضات عبر القنوات الرسمية، وشددت على أن حماية الثروة الحراجية مسؤولية عامة تستوجب تطبيق القوانين، كما أكدت احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يثبت تعمده نشر معلومات كاذبة أو التشهير بالعاملين لديها.

وبينما يتمسك الأهالي بروايتهم بشأن مصادرة كميات من الحطب المخصص للتدفئة، تؤكد الهيئة أن إجراءاتها تستهدف ضبط المخالفات الحراجية، ولم يتضمن البيان المنشور إعلاناً عن إجراء مخصص لتأمين بدائل تدفئة للأسر المتضررة من الحملة، وفق المعلومات المتاحة.

تكاليف التدفئة ترتفع.. والأسر تقلّص احتياجاتها

ولا تقتصر الأزمة على منطقة، بل تمتد إلى أسر في مدينة حماة وريفها، تتفاوت ظروفها المعيشية لكنها تواجه صعوبة مشتركة في تأمين احتياجات الشتاء.

وتقول سلوى شحود، وهي سيدة خمسينية من قرية ديرماما، إنها ستضطر إلى حساب كل قطعة حطب وكل لتر مازوت قبل استخدامه، موضحة أن أسرتها لا تستطيع شراء احتياجات المنزل دفعة واحدة، وأن الأيام الباردة ستزيد الأعباء مع استمرار ارتفاع الأسعار.

أما زهير حمود، وهو أب لأربعة أطفال من ريف حماة الشمالي، فيقول إن أسرته عادت إلى البلدة بعد أكثر من عشر سنوات من التهجير القسري، لتواجه ظروفاً معيشية صعبة، مشيراً إلى أن تأمين وسائل تدفئة مناسبة بات شبه مستحيل في ظل ارتفاع الأسعار وضعف الإمكانات المادية.

ويضيف أن أسرته قد تضطر إلى شراء الحطب بالكيلوغرام أو بكميات صغيرة لا تتجاوز عشرة كيلوغرامات، بحسب ما تسمح به إمكاناتها.

من جانبه، يؤكد كمال سيجري، أحد أصحاب محال بيع مستلزمات التدفئة، أن أسعار لوازم التدفئة ارتفعت هذا الموسم مقارنة بالأعوام السابقة، بالتزامن مع ارتفاع كلفة المازوت وسعر صرف الدولار، ما انعكس على أسعار المدافئ ومستلزماتها.

ويقدّر سيجري أن تكلفة تدفئة منزل لأسرة واحدة، التي بلغت نحو سبعة ملايين ليرة في العام الماضي، ارتفعت هذا العام إلى ما بين 10 و12 مليون ليرة على الأقل. ويعزو ذلك إلى ارتفاع كلفة المازوت والحطب والمدافئ، مشيراً إلى أن برميل المازوت تجاوز 2.2 مليون ليرة، وأن المنزل قد يحتاج إلى برميلين على الأقل، فيما ارتفع سعر طن الحطب من نحو مليون ليرة إلى 2.5–3 ملايين ليرة.

التسعيرات الرسمية.. والفرق بين السعر المعلن والسوق المحلية

وفيما تتحدث شهادات الأهالي عن أسعار مرتفعة في السوق غير النظامية، أعلنت لجنة تحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية في 13 أيلول الماضي تسعيرة جديدة، حددت بموجبها سعر ليتر بنزين أوكتان 95 بـ195 ليرة سورية جديدة، وبنزين أوكتان 90 بـ185 ليرة، والمازوت بـ175 ليرة، وأسطوانة الغاز المنزلي بـ1600 ليرة جديدة، وسحب الدعم عن المحروقات في البلاد.

وبررت وزارة الطاقة تعديل الأسعار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، بالتزامن مع أعمال الصيانة الشاملة في مصفاة بانياس، التي استدعت زيادة الاعتماد مؤقتاً على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة، وقالت إن التعديل يستهدف ضمان استمرار الإمدادات وتوفر المواد في السوق المحلية.

(أم)

ANHA