ناقوس الخطر يدق في الجزيرة.. غلاء المحروقات يهدد زراعة القمح والخضروات

تواجه الزراعة في منطقة الجزيرة أزمة متفاقمة مع انطلاق الموسم الزراعي الخريفي في ظل ارتفاع أسعار المازوت، وتأخر صرف مستحقات القمح للموسم الماضي، وتراجع قدرة المزارعين على تمويل عمليات الإنتاج، ما دفع بعضهم إلى العزوف عن زراعة القمح والخضروات الشتوية، وسط مخاوف من تقلص المساحات المزروعة وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتهديد الأمن الغذائي للمنطقة.

ناقوس الخطر يدق في الجزيرة.. غلاء المحروقات يهدد زراعة القمح والخضروات
ناقوس الخطر يدق في الجزيرة.. غلاء المحروقات يهدد زراعة القمح والخضروات
ناقوس الخطر يدق في الجزيرة.. غلاء المحروقات يهدد زراعة القمح والخضروات
الجمعة 16 تشرين الأول, 2026   04:50
قامشلو
ريناس رمو

في وقت يُفترض أن تشهد فيه الحقول حركة نشطة لتجهيز الأراضي وحراثتها استعداداً للموسم الزراعي الجديد، تسود حالة من الركود في مساحات واسعة من الجزيرة، مع عجز المزارعين عن البدء بالعمليات الزراعية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع السيولة النقدية، في ظل استمرار تأخر صرف مستحقات فواتير القمح التي سُلّمت للجهات المعنية خلال الموسم الماضي.

ويقول المزارعون إن تأخر صرف المستحقات حرمهم من السيولة التي كانوا يعتمدون عليها لشراء البذار والأسمدة وتأمين المحروقات وأجور الحراثة، فيما تراكمت عليهم الديون المستحقة لأصحاب المكاتب الزراعية، الأمر الذي جعل الاستعداد للموسم الجديد أكثر صعوبة، ولا سيما مع ارتفاع أسعار المازوت وغياب الدعم الزراعي الذي كانوا يحصلون عليه سابقاً.

ولا تقتصر الأزمة على تأخر حراثة الأراضي، بل تمتد إلى قرارات بعض المزارعين التخلي عن زراعة القمح، الذي يمثل أحد المحاصيل الاستراتيجية الأساسية في المنطقة، إلى جانب عزوف آخرين عن زراعة الخضروات الشتوية والبيوت البلاستيكية، بسبب ارتفاع تكاليف تشغيل المولدات وضخ المياه اللازمة للري.

عزوف عن الزراعة

وفي ريف تربه سبيه، يصف المزارع دلبرين يوسف واقع الموسم الحالي بالصعب، مشيراً إلى أن الأراضي التي كانت تُجهّز في هذا الوقت من كل عام لم تدخل بعد مرحلة الحراثة، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وعدم توفر المازوت بالسعر المدعوم.

وقال يوسف: "في مثل هذا الوقت من كل عام، كانت أرضي تكون قد فُلحت وجُهزت بالكامل، واليوم الجرار يطلب مبالغ خيالية للهكتار الواحد لأن لتر المازوت غير متوفر بالسعر المدعوم، فواتير قمحنا القديم لم تُدفع كاملة بعد، فكيف نزرع القمح مجدداً؟".

وأضاف أن استمرار هذه الظروف يضع الزراعة أمام مشكلة خطيرة، مطالباً بإيجاد حلول عاجلة لدعم القطاع الزراعي، وصرف المستحقات المتبقية للمزارعين عن محصول القمح، إلى جانب إعادة توفير المازوت الزراعي المدعوم الذي كانت تقدمه الإدارة الذاتية سابقاً.

وتعكس هذه المطالب حجم الارتباط بين السيولة النقدية وتكاليف المحروقات في تحديد قدرة المزارعين على مواصلة الإنتاج؛ إذ إن تأخر المستحقات لا يقتصر أثره على الموسم السابق، بل ينعكس مباشرة على إمكانية تمويل الموسم الجديد، بدءاً من حراثة الأرض وانتهاءً بتأمين مستلزمات الزراعة والري.

الخضروات الشتوية أمام خطر التراجع.. تكاليف الإنتاج تتجاوز قدرة المزارعين

وتطال الأزمة أيضاً زراعة الخضروات، التي تعتمد بصورة أساسية على انتظام الري وتوفر الوقود لتشغيل محركات ضخ المياه، ما يجعل ارتفاع أسعار المحروقات عاملاً حاسماً في تحديد جدوى الإنتاج.

وفي ريف قامشلو، قال شاهين سليمان، وهو صاحب حقل للخضروات، لوكالتنا، إن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات جعل زراعة الخضروات عبئاً مالياً لا يستطيع تحمله، في ظل الحاجة إلى الري المستمر وتشغيل محركات الديزل.

وأوضح سليمان أنه مع الأسعار الحالية للمحروقات، أصبحت تكلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع، وقال: "لن نزرع الخضروات هذا الموسم لأنها خسارة حتمية ومباشرة".

ويهدد عزوف المزارعين عن زراعة الخضروات الشتوية والبيوت البلاستيكية بتراجع المعروض المحلي خلال الأشهر المقبلة، ما قد يزيد الاعتماد على المنتجات المستوردة، ويرفع تكاليف وصولها إلى الأسواق، في وقت تعاني فيه الأسر من ضغوط معيشية متزايدة وتراجع قدرتها الشرائية.

من الدعم السابق إلى السوق الحرة.. كيف تغيرت كلفة المازوت الزراعي؟

وكانت لجان الزراعة ومديرياتها في مناطق شمال وشرق سوريا تخصص كميات من المازوت المدعوم للعمليات الزراعية، بسعر بلغ 1300 ليرة سورية للتر الواحد، ضمن آلية تراعي طبيعة الأراضي والمحاصيل واحتياجاتها من الري.

وبناء على الآلية القديمة التي كانت تعتمدها لجان الزارعة، فقد كان يتم تخصيص 20 لتراً للرية الواحدة للدونم من الأراضي المعتمدة على الآبار الارتوازية، و10 – 12 لتر للدونم لأراضي الجمعيات الزراعية والتعاونية، و10 لتر للدونم الواحد بالنسبة للأراضي القريبة من ضفاف نهر الفرات، وكانت تنخفض إلى 5 لترات عند توفر خط كهرباء للخدمة.

إلى جانب تخصيص 5 لترات للدونم الواحد كمازوت حراثة في بداية الموسم للأراضي المروية ولترين للأراضي البعلية.

أما في الموسم الزراعي الصيفي، فكانت آلية التوزيع تشمل المحاصيل الاستراتيجية والخضروات والأشجار المثمرة، إذ كان يتم توزيع 20 لتراً للدونم الواحد المزروع بالقطن على شكل 7 دفعات. والخضروات الصيفية أربع دفعات بمعدل 10 لترات للدونم الواحد في كل دفعة. أما الأشجار المثمرة والزيتون فكان يتم تقديم 5 لترات للدونم وعلى شكل 4 دفعات.

وكانت هذه المستحقات تُصرف دورياً عبر الدفعات المعتمدة من لجان الزراعة والمحروقات، مع اشتراط امتلاك الترخيص الزراعي والأوراق الثبوتية المتعلقة بالبطاقة الليزرية أو الذكية الخاصة بالمضخات والجرارات.

ومع رفع الحكومة الانتقالية في أيلول سعر المازوت بشكل كبير حتى بلغ 17500 ليرة سورية للتر الواحد وإيقاف الدعم الزراعي، بات المزارعون مضطرين إلى مواجهة تكاليف أكبر لتجهيز الأراضي وتشغيل المضخات، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج ويضعف قدرة المحاصيل على المنافسة من حيث السعر.

بالأرقام.. كم تبلغ تكلفة زراعة دونم واحد من القمح؟

وتوضح تقديرات التكاليف حجم الأعباء التي يتحملها المزارع، ولا سيما في الأراضي التي تعتمد على الآبار الارتوازية في الري. وباحتساب سعر لتر المازوت عند 1.25 دولار، تصل كلفة تجهيز الدونم والري إلى مبالغ مرتفعة قبل احتساب بقية مستلزمات الإنتاج.

وبافتراض أن حراثة الدونم الواحد تحتاج 5 لترات فإن ثمنها يبلغ 6.25 دولار، والبذار، بكمية 25-30 كيلوغراماً بثمن 12 – 15 دولاراً، والأسمدة نحو 35 دولاراً وأجور تجهيز الأرض 15 دولاراً وأجور الحصاد 12 – 15 دولاراً، ومكافحة الأعشاب والمبيدات بنحو 5 دولارات، ومازوت الري بواقع 20 لتراً لكل رية للدونم، بـ 25 دولاراً.

ومع افتراض حاجة المحصول إلى 4 – 6 ريات شتوية، بحسب معدل الهطولات المطرية، تتراوح كلفة الري وحده بين 100 و150 دولاراً للدونم الواحد، ما يشكل عبئاً كبيراً على المزارعين، خصوصاً في ظل تأخر مستحقاتهم وعدم توفر السيولة اللازمة لتغطية النفقات.

وتشير التقديرات إلى أن سعر طن البذار يبلغ نحو 430 إلى 500 دولار، وفق تسعيرة مؤسسة إكثار البذار، بينما تبلغ كلفة الأسمدة نحو 35 دولاراً للدونم، مع اعتماد بعض المزارعين جزئياً على الأسمدة العضوية المدعومة، التي يبلغ سعر الطن منها نحو 140 دولاراً، أو اللجوء إلى الأسمدة الكيماوية المتوفرة في السوق السوداء.

وتضاف إلى ذلك أجور الحراثة والحصاد ومكافحة الأعشاب والمبيدات، فضلاً عن نفقات نقل المحصول إلى مراكز الاستلام، وأكياس الخيش، وأعطال شبكات الري، وغيرها من المصاريف التي قد ترفع الكلفة الإجمالية بصورة إضافية.

وبحسب هذه التقديرات، فإن كلفة إنتاج الدونم المروي بـ 4 – 6 ريات تتجاوز 185 دولاراً، وقد تصل إلى أكثر من 240 دولاراً قبل إضافة بعض النفقات غير المباشرة.

بين كلفة الإنتاج وسعر شراء القمح.. أين يذهب هامش الربح؟

وتتضح صعوبة الجدوى الاقتصادية بصورة أكبر عند مقارنة تكاليف الإنتاج بالعائد المتوقع من بيع المحصول. حيث يتراوح متوسط إنتاج الدونم الواحد بين 300 و400 كيلوغرام من القمح، فيما يتراوح سعر شراء الطن في المواسم الأخيرة بين 330 و340 دولاراً.

وبناءً على هذه الأرقام، يتراوح الإيراد الإجمالي للدونم بين 99 و136 دولاراً، إذا احتُسب سعر الطن ضمن نطاق 330 إلى 340 دولاراً. أما إذا ارتفع سعر الشراء إلى نحو 340 دولاراً للطن وبلغ الإنتاج 500 كيلوغرام للدونم، فإن الإيراد يصل إلى 170 دولاراً.

وتكشف هذه المقارنة أن الإيرادات المتوقعة قد لا تغطي تكاليف الإنتاج في الأراضي التي تعتمد على الري المكثف والمازوت المرتفع الثمن، خصوصاً عندما تضاف نفقات النقل والتخزين والصيانة، في حين تبقى الجدوى مختلفة في الأراضي البعلية التي تعتمد على الأمطار وتحتاج إلى كميات أقل من الوقود.

تراجع زراعة القمح والخضروات يهدد الأمن الغذائي

ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود المزارعين، بل تمتد إلى مجمل منظومة الأمن الغذائي في المنطقة؛ إذ إن تراجع المساحات المزروعة بالقمح قد يقلص الإنتاج المحلي المتاح للطحن وإنتاج الخبز، ويزيد الحاجة إلى تأمين كميات إضافية من الخارج، في حين قد يؤدي تراجع إنتاج الخضروات المحلية إلى ارتفاع أسعارها وزيادة الاعتماد على المنتجات المستوردة.

كما أن انخفاض الإنتاج الزراعي ينعكس على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، بدءاً من أصحاب الآليات الزراعية ومحال بيع البذار والأسمدة، وصولاً إلى عمال الحصاد والنقل والتخزين، ما يجعل استمرار الأزمة ذا آثار تتجاوز الموسم الحالي إلى مصادر الدخل وفرص العمل في الأرياف.

ويخشى المزارعون أن يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر صرف المستحقات إلى مزيد من العزوف عن زراعة المحاصيل الأساسية، بما يضعف قدرة المنطقة على تأمين احتياجاتها الغذائية محلياً، ويزيد تعرض الأسواق لتقلبات الأسعار وتكاليف الاستيراد.

مطالب بصرف المستحقات وتوفير المازوت المدعوم

وأمام هذا الواقع، يطالب مزارعو المنطقة الجهات الإدارية والمعنية بالإسراع في صرف المستحقات المتبقية عن فواتير القمح للموسم الماضي، وتأمين المازوت الزراعي بكميات كافية وأسعار مدعومة، بما يتيح لهم البدء بالحراثة وتجهيز الأراضي وشراء البذار والأسمدة قبل فوات المواعيد الزراعية المناسبة.

كما يؤكدون أن دعم المحروقات يعد عاملاً أساسياً في استمرار الإنتاج الزراعي، ولا سيما في الأراضي التي تعتمد على الري، حيث ترتبط كلفة كل رية مباشرة بسعر الوقود المستخدم لتشغيل المضخات.

ومع استمرار التحضيرات للموسم الزراعي الجديد، تبقى قدرة المزارعين على العودة إلى الحقول مرتبطة بسرعة معالجة أزمة المستحقات، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار تتناسب مع العائد المتوقع من المحاصيل، وسط تحذيرات من أن استمرار الوضع الراهن قد يترك انعكاساته على إنتاج القمح والخضروات، وأسعار الغذاء، والأمن الغذائي في الجزيرة خلال الأشهر المقبلة.

(ح)

ANHA