تربه سبيه.. لغة الآخر جسر للتآخي وفسيفساء ثقافية تعزز التماسك المجتمعي

تقدم مدينة تربه سبيه نموذجاً للعيش المشترك بين الكرد والعرب والسريان ومختلف الأديان والمكونات، حيث لم يقتصر التفاعل بينهم على الجيرة والمشاركة في المناسبات، بل امتد إلى تعلم لغات بعضهم البعض واستخدامها في الحياة اليومية، بما يعكس عمق العلاقات الاجتماعية والثقافية في المدينة.

تربه سبيه.. لغة الآخر جسر للتآخي وفسيفساء ثقافية تعزز التماسك المجتمعي
الإثنين 24 آب, 2026   02:30
قامشلو
ريناس رمو

في أحياء وأسواق مدينة تربه سبيه بمنطقة الجزيرة، يتجلى التداخل اللغوي بين مكوناتها بشكل واضح؛ إذ يتحدث المواطن الكردي السريانية، فيما يستخدم المواطن السرياني اللغة الكردية في حديثه مع جيرانه، كما يتحدث بعض المواطنين العرب الكردية، كما يتحدث الكردي والسرياني العربية ويتبادل أبناء المكونات المختلفة الحديث بلغات بعضهم البعض.

ويعكس هذا التبادل اللغوي عقوداً من العيش المشترك والتفاعل الاجتماعي والاحترام المتبادل للموروثات الثقافية واللغوية لكل مكون، حتى أصبحت لغة الآخر وسيلة للتواصل اليومي وجسراً لتعزيز العلاقات بين أبناء المدينة.

وفي هذا السياق، قال المواطن الكردي حجي فرحان، من أهالي تربه سبيه، لوكالتنا: "نشأنا في أحياء يتداخل فيها البيت الكردي مع البيت السرياني والإيزيدي في قرية الشلومية بريف تربه سبيه، تعلمنا لغة جيراننا السريانية منذ الصغر ولم نشعر في يوم من الأيام بالتفرقة".

وأضاف: "بالنسبة لنا، تعلم السريانية ليس مجرد وسيلة تواصل، بل هو احترام لأصالة هذا المكون وجزء من هويتنا المشتركة في هذه الأرض، وكسر سياسات الصهر والإنكار التي عانت لغات شعوب المنطقة لسنوات طويلة من سياسات الإقصاء والصهر الثقافي التي فرضتها الأنظمة الشوفينية".

وتابع: "مع انطلاق ثورة 19 تموز وتطبيق فلسفة الأمة الديمقراطية، تمكنت جميع المكونات من إحياء لغاتها وثقافاتها وإدارتها ذاتياً عبر الكومينات والمجالس المشتركة، وكانت خلال 14 عاماً سداً منيعاً أمام كل محاولات التفرقة والسيطرة على المنطقة، وهو نموذج يجب أن يكون أساساً لبناء سوريا المستقبل".

وفي أسواق المدينة، لا تبدو ممارسة اللغات المختلفة أمراً استثنائياً، إذ يمكن أن يستقبل صاحب محل كردي زبائنه باللغة السريانية، فيما يتحدث مواطن سرياني مع جاره الكردي أو العربي باللغة الكردية أو العربية، في مشهد يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تشكلت بين سكان المنطقة على مدى عقود.

وأكد المواطن السرياني عيسى لحدو أنه حينما يتحدث معه جاره الكردي بلغته الأم، يشعر بالأمان والفخر، وهو بدوره يحدثه بالكردية، وأشار إلى أن هذا التماسك الاجتماعي هو السلاح الأقوى الذي يحمي المدينة.

وقال: "إننا نتشارك الأفراح والأحزان والأعياد؛ من نوروز إلى أكيتو، إن هذا الترابط المجتمعي هو الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات، والتماسك اللغوي والثقافي يعزز السلم الأهلي، ويجعل من مجتمع المدينة جبهة داخلية قوية قادرة على إفشال جميع الهجمات والتهديدات الخارجية".

وأكد أن الوحدة الراسخة بين الشعوب هي الضامن للاستقرار وبناء سوريا ديمقراطية تعددية لجميع أبنائها.

وتبرز تجربة تربه سبيه في هذا السياق بوصفها انعكاساً لتعدد لغوي وثقافي ارتبط بالحياة اليومية للسكان، حيث تحولت معرفة لغة الآخر من مجرد وسيلة للتواصل إلى مساحة للتقارب والتفاعل والحفاظ على خصوصية المكونات، في وقت تستمر فيه المدينة في الحفاظ على طابعها المتنوع.

(ح)

ANHA