السوريون يتحدثون: أيُّ عدالةٍ يريدون؟

تكشف آراء مواطنين من مدن سورية مختلفة أن السوريين، رغم اختلاف أولوياتهم بين المحاسبة والمصالحة، يجمعون على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات والمحاسبة، بل تتطلب بناء دولة تكفل الحقوق، وترسخ سيادة القانون، وتعيد الثقة، وتمنع تكرار الانتهاكات، بما يحقق الأمان والمساواة لجميع المواطنين.

السوريون يتحدثون: أيُّ عدالةٍ يريدون؟
الإثنين 6 تموز, 2026   03:40
مركز الأخبار

تستمر النقاشات القانونية والسياسية حول العدالة الانتقالية في سوريا، لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد السوريون أنفسهم من العدالة؟ وهل تكفي المحاكم وحدها، أم أن المصالحة وبناء الثقة والأمان لا تقل أهمية عن المحاسبة؟

العدالة بين المحاسبة والمصالحة

اتفقت آراء المشاركين في استطلاع رأي وكالتنا ضمن مدن سورية عدة، على أن العدالة لا يمكن أن تتحقق دون محاسبة، إلا أنهم اختلفوا في ترتيب الأولويات.

عبد القادر الحجو من مدينة حماة وسامر ملحم من حمص، شددا على أن المحاسبة يجب أن تسبق أي مصالحة، إذ يرى الحجو أن "المصالحة دون محاسبة هي تغطية للجريمة"، مؤكداً أنه لا يمكن طي صفحة الماضي قبل كشف الحقيقة والاعتراف بالخطأ، بينما يرى ملحم أن المحاسبة أولاً تضمن الاعتراف بالخطأ وتحقيق الإنصاف للضحايا.

في المقابل، يُولي باسل شحود من ريف سلمية، الأولوية للمصالحة الوطنية بوصفها الضامن لاستقرار البلاد ومنع الانقسام، مع استثناء الجرائم الكبرى من أي تسوية، محذراً من أن المحاسبة الشاملة قد تعيد فتح جراح الماضي.

أما يوسف محمد من حمص، فيتبنى موقفاً وسطاً، ويرى أن العدالة تقتضي الجمع بين المحاسبة والمصالحة، بحيث تمنع الأولى تكرار الانتهاكات، بينما تسهم الثانية في إعادة بناء الثقة عندما يقبل بها المتضررون.

الثقة بالمؤسسات مشروطة بالإصلاح

وأجمع المتحدثون على أن الثقة بالمؤسسات الحالية ما تزال محدودة، لكنها ليست مستحيلة، حيث يرى عبد القادر الحجو أن المؤسسات لم تتخلص بعد من جذور الفساد، لكنه يمنحها فرصة إذا أثبتت تغييراً حقيقياً في أدائها.

 ويؤكد باسل شحود، أن الثقة لن تُبنى بالتصريحات، وإنما بتحسن ملموس في الخدمات الأساسية، وتراجع المحسوبية والابتزاز.

أما يوسف محمد، فيربط الثقة بوجود مؤسسات تقوم على الشفافية، وسيادة القانون، وإمكانية المساءلة، وهي معايير يرى أنها لا تزال غائبة، بينما يرى سامر ملحم من حمص كذلك أن تعزيز الشفافية والمساءلة هو المدخل الأساسي لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ما الذي يصنع الشعور بالأمان؟

ورغم اختلاف الخلفيات للمتحدثين، فقد ربط المشاركون مفهوم الأمان بوجود دولة قانون ومؤسسات تحمي الحقوق، مع اختلاف في التفاصيل.

 إذ يؤكد الحجو الأمان في أن ينام أطفاله دون أن تطاردهم ذكريات الحرب، وأن يرى مستقبله واضحاً، بينما يربطه شحود باستقرار المعيشة، وضبط الأسعار، وتأمين حياة يومية مستقرة، قائلاً: "الأمان هو أن تستيقظ وأنت تعلم أن الخبز لن يقفز سعره، وأن طريق أولادك إلى المدرسة آمن".

في المقابل، يعتبر يوسف محمد أن الأمان يبدأ بوجود قوانين عادلة تطبق على الجميع، وحرية في التعبير، وعلاقات اجتماعية متماسكة، إلى جانب الاستقرار الاقتصادي، فيما يؤكد سامر ملحم أن الشعور بالأمان يتحقق عندما يستطيع المواطن التعبير عن رأيه بحرية، ويثق بأن حقوقه ستكون مصانة في ظل سيادة القانون ومؤسسات تحمي جميع المواطنين.

وتكشف هذه الآراء، على اختلافها، أن السوريين لا ينظرون إلى العدالة الانتقالية بوصفها محاكمات فحسب، بل بوصفها مساراً يهدف إلى تحقيق الإنصاف، وإعادة بناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان ألا تتكرر الانتهاكات التي عاشتها البلاد، بما يؤسس لدولة يشعر فيها جميع المواطنين بالأمان والمساواة.

(أم)

ANHA