باحث سياسي: الحوار الوطني الواسع شرط لصياغة دستور سوري مستدام

أكد باحث في الدراسات السياسية أن سوريا تحتاج لدستور جديد لا يرتبط بكثرة المبادئ والشعارات التي يتضمنها، بل بقدرته على منع إعادة إنتاج الاستبداد وتركيز السلطة، موضحاً أن صياغة الدستور يجب أن تتم عبر مسار تدريجي وحوار وطني واسع يضمن مشاركة مختلف القوى والفعاليات المجتمعية.

باحث سياسي: الحوار الوطني الواسع شرط لصياغة دستور سوري مستدام
الجمعة 12 حزيران, 2026   04:42
مركز الأخبار
ميديا حنان

تتزايد النقاشات بشأن أهمية كتابة دستور جديد لسوريا، وحول شكل الدولة في المرحلة المقبلة، وآليات إدارة التنوع وضمان الحقوق والحريات.

وفي هذا السياق، تحدّث لوكالتنا الباحث في الدراسات السياسية سامر الضاحي، مستعرضاً رؤيته حول المبادئ التي ينبغي أن يتضمنها الدستور المرتقب، والدروس المستفادة من التجارب الدستورية السابقة، وشكل نظام الحكم الأنسب، وآليات صياغة دستور قادر على الاستجابة لمتطلبات المجتمع السوري.

ويرى الباحث في الدراسات السياسية سامر الضاحي خلال تصريح لوكالتنا، أن المشكلة في سوريا ليست في غياب المبادئ الدستورية، بل في غياب الآليات التي تجعل هذه المبادئ ملزمة وقابلة للتنفيذ، ويقول: "لا معنى لدستور مليء بالشعارات ما لم يتعامل مع أصل الأزمة، فتاريخياً عانت سوريا من تركّز السلطة وضعف القيود عليها، لذلك أي دستور عليه ضمان منع عودة التمركز".

ويضيف أن أهم المبادئ ليست نصوصاً عامة، بل قواعد قابلة للتنفيذ، مثل منع تركّز السلطة الأمنية والسياسية في يد واحدة من خلال آليات دستورية كالرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية، ومنع استقلالها المالي والإداري.

كما يشدد على ضرورة الفصل الفعلي بين السلطات بحيث لا تكون السلطة التنفيذية قادرة على التحكم بالقضاء أو التشريع، إلى جانب تحييد الجيش بشكل إجرائي مثل منع تدخله في الحياة السياسية وربط الترقيات العليا بآليات مؤسساتية لا سياسية.

ويؤكد الضاحي أهمية اللامركزية الإدارية عبر تحديد آليات حقيقية تمنح المحافظات صلاحيات تنفيذية وخدمية ملموسة لا شكلية، فضلاً عن ضمان استقلال القضاء بميزانية محمية دستورياً وليس بمجرد إعلان استقلاله، مع التشديد على مبدأ أساسي "لا تهاون فيه" وهو وحدة البلاد.

وعن الدروس المستفادة من الدساتير السورية السابقة، يقول الضاحي إن التجربة السورية تؤكد أن المشكلة لم تكن في سوء الدساتير بقدر ما كانت في كون السلطة الفعلية أقوى من الدستور نفسه.

ويشير إلى أنه في بعض المراحل كانت النصوص جيدة نسبياً، إلا أن الجيش والأجهزة الأمنية بقيا خارج التوازن الدستوري، فيما جعلت المركزية القرار السياسي منفصلاً عن المجتمع.

ويتابع أن التعدد السوري لم يُترجم إلى مؤسسات، بل عولج بشكل إنكاري أو رمزي، ما جعل الدساتير المختلفة عاجزة عن حماية البلاد لأن مراكز القوة كانت خارجها، وكلما ضعفت مراكز القوة وتقوقعت على ذاتها تكون البلاد على أبواب أزمات عنيفة.

ويرى أن تجاهل التنوع لم يؤدِّ إلى إلغائه، بل أسهم تاريخياً في تراكم مشاعر التهميش لديهم، مؤكداً أن "الاستفادة من هذا الدرس لا تعني الانتقال إلى أنظمة قائمة على المحاصصة أو التقسيم، بل الاعتراف بأن إدارة التنوع تحتاج إلى أدوات مؤسساتية وسياسية أكثر مرونة مما عرفته الدولة السورية خلال العقود الماضية".

وفيما يتعلق بضمان حقوق جميع المكونات، يرى الضاحي أن الخطأ يكمن في التعامل مع "المكونات" بوصفها قضية اعتراف رمزي، بينما هي عملياً قضية إدارة موارد وسلطة يومية تحقق فائدة ملموسة للجميع على قاعدة رابح – رابح. ويشير إلى أن الضمانات الفعلية لا تتحقق باللغة الدستورية فقط، بل بالتوزيع العملي للسلطة.

ويضرب مثالاً على ذلك باللامركزية الإدارية، موضحاً أنها لا تكون متحققة إذ لم تسمح للمحافظات بإدارة جزء من ميزانيتها وخدماتها في التعليم والصحة والبلديات، بعد أن يضمن الدستور عدالة تنموية ملزمة عبر صندوق وطني يديره المركز ويوازن بين المحافظات الغنية والفقيرة وفق معايير قانونية لا سياسية.

مضيفاً: "كما يجب تمكين الثقافة المحلية عبر إدخال لغات محلية اختيارية في التعليم ضمن الإطار الوطني وهو ما تم إقراره مؤخراً ويجب دسترته".

وعن شكل نظام الحكم الأنسب لسوريا في المرحلة المقبلة، يقول الضاحي إن النقاش انشغل بالبُنى الدستورية أكثر من وظائفها، مضيفاً أن المشكلة ليست في الاختيار بين النظام الرئاسي أو البرلماني، بل في كيفية منع عودة الاستبداد وضمان عدم الانهيار في الوقت نفسه.

ويرى أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في نظام شبه رئاسي مضبوط بشروط صارمة، بحيث يكون رئيس البلاد منتخباً ويتمتع بصلاحيات محددة، خصوصاً في الأمن والسياسة الخارجية، فيما تكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان في ملفات الاقتصاد والخدمات، مع قدرة البرلمان على إسقاط الحكومة من دون الدخول في فوضى دستورية.

ويشدد على أن الوظيفة أهم من الشكل، ولذلك ينبغي لأي نظام أن يمنع احتكار القرار وأن يمنح صلاحيات واسعة للمستوى المحلي، مؤكداً أن اللامركزية يجب أن تشمل جميع المحافظات وألا ترتبط بهويات سياسية أو إثنية أو طائفية، لأن التمييز في توزيع الصلاحيات قد يخلق صراعات جديدة بدلاً من حل القديمة.

وفي حديثه عن الآلية الأنسب لصياغة دستور جديد، يرى الضاحي أن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو محاولة كتابة دستور نهائي عبر مفاوضات شاملة بين جميع الأطراف دفعة واحدة؛ لأن ذلك يؤدي غالباً إلى جمود أو إلى نصوص توافقية ضعيفة.

ويعتبر أن المسار التدريجي أكثر واقعية، خاصة أن الإعلان الدستوري منح السلطات الانتقالية سنوات لإنجاز الدستور ولم يستعجلها.

ويقترح في هذا السياق إنشاء مجلس خبراء رديف مؤقت يكون بمثابة غرفة ثانية في البرلمان، على أن يقوم التمثيل فيه على أساس الخبرة، ويسمي أعضاؤه رئيس الجمهورية بعد موافقة البرلمان. ويتولى هذا المجلس إعداد مسوّدة أولية خلال عام واحد، ثم تُطرح المسوّدة لحوار وطني في المحافظات مع المجتمع المدني والنقابات والقوى المحلية، على أن يكون حواراً حقيقياً لا شكلياً كما حدث في تجارب سابقة.

ويختتم الباحث في الدراسات السياسية سامر الضاحي، بالقول إن "المسودة ينبغي أن تعدّل بناءً على الملاحظات الواردة من هذا الحوار من دون إعادة فتح جميع المواد، وأخيراً يُعرض النص على البرلمان الجديد لإبداء الرأي قبل إجراء استفتاء شعبي".

(أم)

ANHA