"شارع الخراب" في حمص بين التنظيم وفقدان مصدر الرزق

تترقب أعين أهالي حمص مصير "شارع الخراب" بعد قرار مجلس المدينة إزالة الأكشاك مع انتهاء التراخيص، وسط جدل بين من يراه خطوة لتنظيم الفضاء العام وإنهاء الفوضى، ومن يعدّه تهديداً لمصادر رزق باتت جزءاً من حياة الشارع الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة، إلى مساحة اجتماعية نابضة غيّرت سلوك المدينة اليومي.

"شارع الخراب" في حمص بين التنظيم وفقدان مصدر الرزق
الخميس 7 مايو, 2026   06:40
حمص

لم يكن "شارع الخراب"، الاسم الشعبي لشارع خالد بن الوليد في مدينة حمص، مجرد ممر للمشاة أو متنفس بسيط للأهالي، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة نابضة بالحياة، تختلط فيها أصوات الباعة بروائح القهوة وحركة الزوار.

غير أن هذا المشهد، الذي بدا لكثيرين دليلاً على تعافي الحياة تدريجيًا، انتهى إلى واجهة جدل واسع، بعد أن بدأ مجلس المدينة منذ يوم أمس بتشميع الأكشاك المنتشرة على امتداده، تمهيدًا لإزالتها خلال الأسبوع الجاري والمقبل.

القرار، الذي استند إلى انتهاء مدة رخص إشغال الأملاك العامة، فجّر تفاعلات متباينة بين من اعتبره خطوة ضرورية لوضع حد للفوضى، ومن رآه تهديداً مباشراً لمصادر رزق محدودة في مدينة لا تزال تتعافى اقتصادياً.

فوضى متراكمة أم حيوية شعبية؟

وفق مجلس مدينة حمص، وفي تبليغها لأصحاب الأكشاك قبل شهر من الآن، لم تعد الأكشاك مجرد نقاط بيع صغيرة، بل تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المقاهي المفتوحة، مع طاولات وكراسٍ وبرادات وألعاب امتدت على الأرصفة، ما أدى إلى إغلاق أجزاء واسعة منها أمام المارة.

هذا التوسع، بحسب المجلس، ترافق مع تراجع في مستوى النظافة وصعوبة في ضبط المخالفات، فضلاً عن تأثيره على الحركة المرورية، وامتداده أحياناً إلى الأراضي الزراعية المجاورة، الأمر الذي عُدَّ مؤشراً على خروج الظاهرة عن السيطرة.

لكن على الضفة الأخرى، يرى كثير من الأهالي أن هذه الأكشاك، رغم كل ذلك، أضفت روحاً على المكان، وحوّلته إلى مقصد اجتماعي، خصوصاً في ظل محدودية الخيارات الترفيهية.

"نخشى أن نخسر كل شيء"

بالنسبة لأصحاب الأكشاك، لا يبدو القرار إدارياً فحسب، بل يحمل تبعات إنسانية ثقيلة، حيث يختصر عمار أحمد، أحد العاملين في هذه الأكشاك، القلق بقوله إنه عاد من الغربة بحثاً عن فرصة لإعالة أسرته، ليجد في الكشك عملاً موسمياً لا يتجاوز بضعة أشهر، لكنه يشغّل عدد من الشبان يعتمدون عليه في تأمين دخلهم.

"إذا أُزيل الكشك، ماذا سنفعل؟" سؤال يطرحه عمار، في ظل غياب بدائل واضحة حتى الآن.

قصة مشابهة يرويها زاهر حامد، الذي عاد إلى حمص بعد غياب دام سنوات، وبدأ من الصفر عبر كشك حصل عليه بترخيص رسمي، وأنفق عليه مدخراته. اليوم، يقف أمام احتمال فقدان مشروعه الوحيد، دون ضمانات فعلية لبديل.

مجلس المدينة: القرار قانوني ولا تعويضات

في المقابل، يقول مصدر في مجلس مدينة حمص، أن القرار يستند إلى أساس قانوني واضح، موضحاً أن رخص إشغال الأملاك العامة مُنحت لمدة عام واحد فقط، ولا تتضمن أي بند للتجديد، ما يتيح للمجلس إنهاء الإشغال دون التزام بالتعويض.

ويشير المصدر إلى أن المجلس تلقى خلال الفترة الماضية شكاوى واسعة من الأهالي، سواء عبر وسائل التواصل الافتراضي أو القنوات الرسمية، تتعلق بالازدحام وإشغال الأرصفة وتدني النظافة.

كما يلفت إلى أن محاولات ضبط المخالفات خلال العام الماضي لم تحقق النتائج المطلوبة، في ظل تكرار التجاوزات.

وبحسب المجلس، فإن الإزالة ستشمل نحو 40 كشكاً، مع التأكيد على أن الهدف ليس الإزالة بحد ذاتها، بل ما وصفته "إنهاء حالة الفوضى" وإعادة الشارع إلى وظيفته كممشى عام ضمن بساتين ذات صفة عمرانية تمنع البناء عليها.

وعود بالبدائل.. واختبار التنفيذ

في محاولة لامتصاص القلق، أعلن المجلس أن هناك خطة قيد الدراسة لنقل أصحاب الأكشاك إلى مواقع محددة ضمن مناطق حدائقية، وفق شروط تتعلق بالنظافة وعدم الإزعاج وعدم إعاقة الحركة.

غير أن هذه الوعود، رغم أهميتها، لا تزال في إطار الطرح، ما يترك أصحاب الأكشاك في حالة ترقب وقلق، خاصة أن تجارب سابقة في مدن أخرى أظهرت أن الفجوة بين القرار والتنفيذ قد تكون مكلفة اجتماعياً.

بين الحق العام والحق في العمل

القضية في جوهرها تتجاوز شارعاً بعينه، لتطرح سؤالاً أوسع حول كيفية إدارة الفضاء العام في المدن الخارجة من أزمات طويلة: "كيف يمكن فرض النظام دون خنق المبادرات الفردية؟، وأين ينتهي حق المدينة في التنظيم، ويبدأ حق الأفراد في العمل؟

ويرى مراقبون أن نجاح القرار لن يُقاس بعدد الأكشاك التي ستُزال، بل بمدى قدرة الجهات المعنية على خلق توازن حقيقي بين طرفي المعادلة: "تنظيم حضري يحفظ حق المارة ويعيد للشارع وظيفته، مقابل حلول واقعية تضمن عدم دفع عشرات العائلات نحو الهشاشة الاقتصادية".

شارع ينتظر شكله الجديد

ومع اقتراب تنفيذ القرار، يقف "شارع الخراب" على أعتاب مرحلة جديدة، قد تعيد تشكيل هويته بالكامل، فإما أن يتحول إلى ممشى منظم، أو إلى مساحة تثير أسئلة جديدة حول مصير من كانوا جزءاً من حيويته. في الحالتين، تبقى النتيجة مرهونة بتفاصيل التنفيذ… لا بنص القرار.

(أم)

ANHA