رحيل حارس الفخار في قامشلو بعد 67 عاماً من المهنة

رحل حارس الفخار في قامشلو، ميساك، وبقيت الجرار التي صنعها شاهدة على عمرٍ طويل من الطين والنار، وعلى إرثٍ ثمين سلّمه لأبنائه بعد أن حرس هذه المهنة على مدى 67 عاماً، تاركاً بصمته في ذاكرة مدينة كانت تعرفه جيداً.

رحيل حارس الفخار في قامشلو بعد 67 عاماً من المهنة
رحيل حارس الفخار في قامشلو بعد 67 عاماً من المهنة
رحيل حارس الفخار في قامشلو بعد 67 عاماً من المهنة
رحيل حارس الفخار في قامشلو بعد 67 عاماً من المهنة
الثلاثاء 5 مايو, 2026   09:30
مركز الأخبار

فقدت مدينة قامشلو، أمس الاحد، أحد أبرز حراس المهن التراثية القديمة، بوفاة ميساك أنطونيك بدروس، المعروف محلياً كآخر صناع الفخار التقليديين في المنطقة، بعد مسيرة امتدت لأكثر من 65 عاماً كرّسها للحفاظ على واحدة من أقدم الحرف التي عرفها الإنسان عبر التاريخ.

وبرحيله، تُطوى صفحة إنسان ارتبط اسمه بمهنة الفخار التي تعود جذورها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، والتي شكلت عبر العصور وسيلة أساسية لصناعة أدوات الحياة اليومية، ومصدراً معرفياً مهماً لفهم الحضارات قبل ظهور الكتابة، إلا أن هذه الحرفة باتت اليوم مهددة بالاندثار في ظل التطور التقني والصناعي المتسارع.

جذور أرمنية ومسار هجرة قسري

ينحدر ميساك أنطونيك بدروس من أصول أرمنية تعود إلى ناحية نورشين في منطقة بتليس، وقد اضطرت أسرته إلى الهجرة نحو مدينة قامشلو عام 1917، على خلفية الإبادة الجماعية التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن عام 1915، ليستقروا في شمال سوريا حاملين معهم موروثاً مهنياً توارثته العائلة عبر أجيال طويلة، وفق تقرير سابق لوكالتنا عن مهنته نشر عام 2020.

وكان بدروس قد بلغ من العمر 88 عاماً، قضى معظمها في صناعة جرار الفخار وأوانيه التقليدية، مستكملاً إرثاً عائلياً يقول إنه يمتد لأكثر من 450 عاماً، ومسجلاً ضمن شجرة الأسرة، في واحدة من أقدم سلاسل توارث الحرفة في المنطقة.

"مهنة توارثناها منذ 450 عاماً"

وفي حديث سابق له ضمن تقرير صحفي أُعددناه عنه، تحدث بدروس عن علاقته بالمهنة قائلاً إنه بدأ العمل بها بعمر 21 عاماً بعد أن تعلمها على يد والده، الذي بدوره ورثها عن أجداده، مضيفاً أنه نقل الخبرة إلى أبنائه الثلاثة، ليصبح الفخار بالنسبة للعائلة أكثر من مجرد عمل، بل هو هوية وذاكرة.

وأوضح أن جزءاً كبيراً من تفاصيل الحرفة ظل مرتبطاً بالعمل اليدوي التقليدي، مشيراً إلى أن بعض مراحل التصنيع لا يزال يتولاها بنفسه، في حين يساعده أبناؤه في تحضير الطين وإشعال الفرن وشيّ القطع.

رحلة بين القرى… والفخار "المتنقل"

لم تكن حياة بدروس محصورة في ورشته داخل المدينة، إذ روى أنه في سنوات سابقة كان ينتقل مع عائلته ومعداته من قرية إلى أخرى بحسب المواسم، ليواصل العمل في أماكن مختلفة، بينها قرى جاغر بازار وأوزملر وخربي كوجك ومركي وبرا باسل وسنجقي وديكي ومريكس، إضافة إلى الداودية قرب سري كانيه، كما عمل لثلاثة أعوام في مدينة البصيرة بدير الزور.

وقال إن أدواتهم القديمة كانت تعتمد في معظمها على الخشب، دون استخدام المعادن، وإنهم كانوا يستخدمون دهون الحيوانات بدلاً من الزيوت الصناعية، فيما كان تشغيل دولاب الفخار يتم بالأقدام قبل إدخال المحرك الكهربائي لاحقاً لتسهيل العمل.

طين خاص لا يُستبدل

وكان بدروس يؤكد أن صناعة الفخار لا تعتمد على أي نوع من التراب، بل تحتاج إلى تربة خاصة تُعرف باسم "بيلون"، يتم غسلها ثم عجنها بالأقدام والأيدي قبل وضعها على الدولاب لتشكيل الجرار والأواني، وهي مراحل تحتاج إلى خبرة طويلة وصبر ودقة في العمل.

أبناء يواصلون المهنة وسط صعوبات

من جهته، قال ابنه أنتون ميساك أنطونيك، في حديث سابق، إنه تعلم المهنة من والده ويعمل فيها منذ نحو 25 عاماً مع اثنين من أشقائه، موضحاً أن العمل لا يرتبط بساعات محددة بل يعتمد على الطلب، حيث يصنعون جرار الأعراس، وجرار الماء، والمزهريات، إضافة إلى أوانٍ تستخدم لحفظ الماء بارداً ونقياً.

لكن العائلة لم تُخفِ يوماً حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه هذه المهنة، إذ كان بدروس يؤكد أن الفخار لم يعد يؤمّن حياة كريمة لصانعيه، وأن الأرباح الأكبر تذهب للتجار الذين ينقلون القطع إلى مناطق أخرى ويبيعونها، بينما يبقى عبء العمل وتكاليف المواد والنقل على الحرفيين أنفسهم.

وأضاف في حديثه أن أسعار التراب والنقل باتت مرتفعة، وأن العمل يتم بجهد ثلاثة أشخاص فقط، إلى جانب الاعتماد على الأخشاب في تشغيل الفرن، والتي يحصلون عليها غالباً من بقايا محال النجارة.

آخر صانع فخار في شمال وشرق سوريا

كان بدروس يُعدّ نفسه من آخر من تبقّى من صُنّاع الفخار التقليديين في مناطق شمال وشرق سوريا، مؤكداً أن عدد العاملين في هذه المهنة قبل نحو 40 عاماً كان أكبر بكثير، غير أن التحولات الاقتصادية والصناعية دفعت معظمهم إلى تركها.

واليوم، برحيله، لا تفقد قامشلو شخصاً فحسب، بل تفقد جزءاً من ذاكرتها الحرفية وشاهداً على مهنة ارتبطت بتاريخ الإنسان منذ آلاف السنين، ونجت بصعوبة من موجات الحداثة، لتبقى أمام سؤال معلّق: هل تستمر هذه الحرفة بعد "حارسها الأخير" عبر أبنائه، أم تتحول إلى مجرد ذكرى؟

(أم)

ANHA