المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة

حوّل جورج سليم مختبره بعناية إلى متحف للصور القديمة التي التقطها عبر عقود من الزمن، حيث تتراكم الوجوه والذكريات على الجدران.

المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
المصوّر جورج سليم يحول مختبره إلى متحف للصور القديمة
الإثنين 27 نيسان, 2026   04:50
الحسكة
ديار أحمد

في قلب السوق الكبير بمدينة الحسكة، يقف بابٌ قديم لمختبر “كرم للألوان”، كأنه شاهدٌ صامت على ذاكرة المكان. جدرانه العتيقة ما تزال تنبض بحكايات أبناء المنطقة، فيما بات اسم المصوّر جورج سليم، البالغ من العمر واحداً وسبعين عاماً، مألوفاً لدى الجميع، كأنه جزء من ملامح المدينة نفسها.

واجهةُ المحل تبدو كألبومٍ مفتوح على الزمن، صور قديمة تتراصّ خلف الزجاج، تحمل وجوهَ أناس غابوا، لكنهم ما زالوا يعيشون في ذاكرة جورج سليم، كلّ صورةً هناك ليست مجرد لقطة، بل حكاية مختزلة، وذكرى تقاوم الغياب، وبين تلك الوجوه، يضع جورج عدّة كاميرات صغيرة في الواجهة، كأنها حرّاسً للذاكرة، تُكمل المشهد وتروي بصمت كيف كانت الصورة تُصنع بشغف ووقت طويل.

وخلال تصوير مراسلنا داخل المختبر، دخل رجلً ستيني بخطوات مترددة، يحمل بين يديه صوراً قديمة، طلب تعديلها من جورج، وما إن عُرضت الصور حتى انكشفت واحدة منها، التُقطت عام 1973 في حمص. كانت صورةً أنهكها الزمن، فأعاد جورج ترميمها بعناية، لا كصورة فحسب، بل كذكرى استعادت نبضها من جديد.

على رفوف المحل، كانت الصور القديمة الملوّنة، والأبيض والأسود تتدلى في كل زاوية، كأنها وجوه تنظر من الماضي، بعضها غطاه الغبار، بينما ظل البعض الآخر يقاوم النسيان، وفوق أحد الرفوف، استقرت كاميرا يتجاوز عمرها ثلاثين عاماً، وُضعت كقطعة أنتيكا، تراقب المكان بصمت.

إلى جانبها، تقف غرفة التحميض شاهدةً على زمن كانت فيه الصورة تولد ببطء، وبقربهما جهاز كمبيوتر قديم ذو شاشة كبيرة، لا يزال جوزيف يعمل عليه، كأن الزمن توقّف عنده.

يقول جورج سليم والذي بدأ التصوير على مرحلتين، الأبيض والأسود، ثم الملون،" في البداية عملتُ في استوديو كبرئيل، الذي يُعدّ من أقدم محال التصوير في بمدينة الحسكة (الجزيرة).

ومع دخول التصوير الملون إلى سوريا، تعرّفنا أوائل التسعينيات على أشخاص في حلب، وبدأنا العمل معهم، ثم افتتحنا فرعاً في الحسكة عام 1992 باسم كرم".

ويضيف:" نحن أقدم مختبر للصور الملوّنة في الجزيرة، وقد بدأنا العمل الآلي عبر أجهزة خاصة بالتحميض".

ويتابع، بنبرةً تحمل مزيجاً من الفخر والحنين: "منذ عام 1992، ونحن نعمل في هذا المختبر، تعرّفنا إلى كثير من الناس، وما زلنا حتى اليوم نعيد ترميم الصور القديمة. لقد راكمنا معرفةً كبيرة، وأصبحنا جزءاً من ذاكرة هذا البلد".

في زاوية أخرى، يحتفظ جورج بكاميرا أقدم، يبلغ عمرها أكثر من أربعين عاماً، لم تعدّ مجرد أداة، بل تحوّلت إلى أثر شخصي، إلى رسالة صامتة عن زمن مضى، وإلى شاهد على رحلة طويلة من الشغف والعمل.

ويقول بابتسامة هادئة: "حين أفتح المحل، أشعر بسعادة وراحة، كأنني أعيش كل ما صنعته خلال هذه العقود".

وعلى الرغم من التطور التقني، لا يزال جورج متمسكاً بأدواته القديمة. يستخدم طابعة وجهاز كمبيوتر تقليديين، ويعلّق قائلاً:" ليس كل جديد مناسباً لنا. الطابعات الليزرية أكثر ثباتاً للصورة، أما الحبرية فلا تدوم طويلاً. محلنا قديم، ومن الطبيعي أن نستمر بما بدأناه".

ويضيف، وكأنه يلخّص عمله: "العمل جزء من الإنسان. ومن خلال عملي في الصور، أصبحت مسؤولاً عن حفظ الذكريات، ما يهمني هو عرض هذه الصور دون تفرقة، نحن نحب أن نحفظ الذاكرة ونظهرها".

خمسة عقود من الزمن، اختزلها جورج في مسيرة بدأت كهواية، وانتهت بواحد من أقدم مختبرات التصوير في الحسكة، يستعيد تلك الأيام قائلاً: "كانت الناس أكثر شغفاً بالتصوير. اليوم، ومع انتشار الهواتف الذكية، قلّ ذلك الشغف. في الماضي، كانت العائلات تأتي بفرح لتلتقط صورها، أما اليوم فقد أصبح الأمر عادياً بل نادراً".

وبين جدران المختبر، الذي تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه متحفاً للصور والآلات القديمة، يختتم جوزيف سليم الحديث قائلاً: "أفتخر بما قدمناه خلال هذه السنوات الطويلة، لقد أرضينا شريحةً كبيرة من سكان المنطقة، من شبابها إلى كبارها".

وهكذا، لا يبقى "كرم للألوان" مجرد محل تصوير، بل ذاكرة حية تقاوم النسيان، وتعيد للوجوه القديمة ضوءها، وللحكايات صداها.

(ح)

ANHA