السباحة عكس التيار.. إسرائيليون وفلسطينيون يوحّدهم الألم والأمل

في ظل دوامة متواصلة من العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يبرز اتجاه متنامٍ لكسر منطق الانقسام، حيث يختار أفراد من الطرفين تحويل الفقدان إلى مساحة مشتركة للاعتراف المتبادل والعمل الإنساني، عبر مبادرات تسعى إلى كسر دائرة الصراع وبناء جسور تتحدى خطاب الكراهية.

السباحة عكس التيار.. إسرائيليون وفلسطينيون يوحّدهم الألم والأمل
الإثنين 20 نيسان, 2026   14:12
مركز الأخبار

شهدت السنوات الأخيرة، بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين، دوامة متواصلة من الحرب والعنف. وفي أفضل الأحوال، يهيمن على النقاش العام الاعتراف بألم طرف واحد على حساب الآخر، وفي أسوأها يسود الانقسام والدعوات للانتقام. ومع ذلك، وسط هذا الواقع القاسي، برز اتجاه جديد: عدد متزايد من الطرفين ينضمون إلى مبادرات مشتركة تعترف بإنسانية الآخر، بحسب تقرير لصحيفة هآرتس الإسرائيلية.

ويعد "منتدى العائلات الثكلى" الذي يضم إسرائيليين وفلسطينيين فقدوا أقاربهم في النزاع، أحد أبرز هذه المبادرات. يضم المنتدى نحو 850 عضواً، ويعمل منذ نحو 30 عاماً على تحويل الألم المشترك إلى عمل من أجل كسر دائرة العنف. تقول أيلِت هارئيل، المديرة المشاركة من الجانب الإسرائيلي: "نحن نعمل معاً لتغيير الواقع ومنع عائلات أخرى من أن تعيش ما عشناه".

وعشية يوم الذكرى الذي يصادف اليوم، انضم إلى المنتدى 150 عضواً جديداً منذ 7 تشرين الأول 2023، ثلثاهم من الإسرائيليين والباقي من الفلسطينيين.

وتشير أيلِت هارئيل إلى أن اللافت هو سرعة انضمام البعض بعد فقدان أحبائهم، خلافاً لما كان يحدث سابقاً حين كان الناس يحتاجون وقتاً أطول لاستيعاب صدمتهم قبل الانخراط في النشاط العام.

وتوضح أن المناخ العام اليوم يدفع الكثيرين إلى الشعور بعدم القدرة على البقاء على الحياد: "يدرك الناس أنهم بحاجة إلى فعل شيء في مواجهة هذا التدهور الرهيب". وتضيف أن قرار الانضمام للمنتدى أصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت، نظراً لابتعاد الرأي العام عن مثل هذه المبادرات، لكنه يتطلب شجاعة وإصراراً متزايدين.

ويعقد المنتدى لقاءاته في بلدة بيت جالا بالضفة الغربية، كونها من الأماكن القليلة التي يمكن للطرفين الوصول إليها، في ظل القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين. ورغم الصعوبات، بما في ذلك رفض بعض الأماكن استضافة لقاءات مشتركة، فإن المشاركين يؤكدون أن التجربة ذات قيمة كبيرة، إذ توفر مساحة آمنة للتعبير والعمل المشترك.

وتقول أيلِت هارئيل إن النقاشات لا تهدف إلى الاتفاق على كل شيء، بل إلى إدراك أن استمرار العنف لن يجلب الأمن أو الحرية لأي طرف. وتضيف: "حين يسمع الناس قصصاً شخصية من الطرف الآخر، تمر بهم تجربة عميقة تغير تصوراتهم المسبقة".

ومن أبرز أنشطة المنتدى إحياء مراسم يوم الذكرى الإسرائيلي-الفلسطيني المشترك، الذي يُقام منذ 21 عاماً بالتعاون مع منظمة "محاربون من أجل السلام". ويُقام الحدث هذا العام في كل من تل أبيب وأريحا، مع بث مباشر يربط الجمهورين، نظراً للقيود على دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل.

تؤكد رنا سلمان، المديرة المشاركة لمنظمة "محاربون من أجل السلام"، أن الإقبال على هذه المبادرات ازداد في السنوات الأخيرة، خاصة بين الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية، الذين يسعون للتعرف على رواية الطرف الآخر والعمل من أجل إنهاء الصراع. وتضيف أن مشاركة أشخاص من غزة، رغم خسائرهم الكبيرة، تعكس التزاماً لافتاً بالنهج السلمي.

كما تشير إلى أن كثيراً من الفلسطينيين، الذين لم يعرفوا الإسرائيليين إلا كجنود أو مستوطنين، يكتشفون واقعاً مختلفاً عندما يلتقون نشطاء يسعون للحماية والتضامن، ما يفتح المجال لحوارات إنسانية مهمة.

من جانبه، يروي آبي ترون، وهو مخرج وثائقي فقد شقيقته وزوجها في هجوم 7 تشرين الأول، سبب انضمامه إلى المنتدى. يقول إنه لا يزال يحاول استيعاب خسارته، لكنه يرى في هذا العمل وسيلة لحماية مستقبل الأطفال، سواء الفلسطينيين أو أبناء عائلته.

ويضيف: "ما أعرفه هو أن من فقدناهم كانوا يريدون لأطفالهم أن يعيشوا بأمان ويحظوا بحياة أفضل". ويرى أن تحقيق ذلك يتطلب حماية الإنسان، وبناء جسور إنسانية، ومواجهة التطرف، بدلاً من السعي للانتقام.

في ظل واقع يتجه نحو مزيد من العنف، يصر هؤلاء على "السباحة عكس التيار"، لكنهم، كما تقول هارئيل، مستمرون في السباحة.

(م ش)