سوريا بين ذكرى الجلاء وواقع السيادة المنقوصة

في ذكرى جلاء القوات الفرنسية عام 1946، يعود سؤال الاستقلال في سوريا إلى الواجهة، حيث تبدو السيادة اليوم منقوصة بفعل التدخلات الخارجية وغياب مؤسسات دولة متماسكة، ما يجعل تحقيق الاستقلال الفعلي رهناً بمسار سياسي شامل يعيد بناء الدولة على أسس وطنية جامعة.

سوريا بين ذكرى الجلاء وواقع السيادة المنقوصة
الجمعة 17 نيسان, 2026   05:05
مركز الأخبا
كيفارا شيخ نور

في السابع عشر من نيسان من كل عام، يستذكر السوريون جلاء القوات الفرنسية عام 1946، في محطة تاريخية أنهت حقبة الاحتلال وفتحت باب الاستقلال. غير أن هذا الاستقلال، رغم رمزيته، بقي هشاً بفعل الانقلابات والتدخلات الخارجية، ما أبقى مفهوم السيادة الكاملة موضع جدل مستمر حتى اليوم.

الاستقلال الفعلي

سوريا رسمياً دولة مستقلة ومعترف بها دولياً، لكن عملياً سيادتها غير كاملة بسبب وجود نفوذ وتدخلات عسكرية خارجية على أراضيها، ما يجعلها دولة ذات استقلال قانوني مقابل سيادة فعلية محدودة ومجزأة.

وفي هذا السياق، يرى عضو الكتلة الوطنية السورية والباحث السوري طارق الأحمد، أن الحديث عن استقلال فعلي لسوريا لا يزال بعيداً عن الواقع.

غياب مقومات الدولة

يقول الأحمد إن "من الصعب اعتبار سوريا اليوم دولة مستقلة فعلياً؛ لأن الدول التي تفقد قوتها تفقد قوة جيشها"، مشيراً إلى أن ما جرى من حل للجيش وتدمير مقدراته، إلى جانب غياب إعادة بنائه على أسس علمية ووطنية، أسهم في إضعاف بنية الدولة.

ويضيف أن غياب الحل السياسي وعدم استكمال بناء مؤسسات الدولة، يجعل من الصعب الحديث عن بنية دولة حقيقية أو نظام قائم، ويرى أن الواقع الحالي أقرب إلى "سلطة أمر واقع".

تدخلات خارجية وسيادة منتهكة

ويؤكد الأحمد أن سوريا تعيش اليوم تحت وطأة تدخلات متعددة، قائلاً إنها "تعيش تدخلات واحتلالات من أنواع مختلفة"، في إشارة إلى الوجود العسكري الأجنبي والتدخل في الشأن الداخلي، وهو ما يعمق أزمة السيادة ويؤخر الوصول إلى استقلال فعلي.

متى يتحقق الاستقلال الحقيقي؟

يربط الأحمد تحقيق الاستقلال الحقيقي بإعادة بناء الدولة، موضحاً أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بمشاركة القوى السياسية، عبر عملية سياسية شاملة تفضي إلى تأسيس نظام متماسك.

ملامح الدولة المنشودة

وحول شكل الدولة التي يراها مناسبة، يدعو الأحمد إلى "دولة مدنية علمانية تحمي الجميع"، محذراً من أن أي طرح طائفي أو عرقي "يقود إلى التقسيم والتفتيت". ويرى أن هذه الدولة يجب أن تقوم على نظام لا مركزي موسع، يتيح مشاركة أوسع في إدارة البلاد.

حوار وطني لصياغة المستقبل

ويشدد على أهمية عقد مؤتمر حوار وطني جدي وحقيقي، يضم مختلف القوى السياسية والشخصيات العامة، على عكس المؤتمرات الشكلية التي لم تحقق نتائج ملموسة.

ويضيف أن مثل هذا المؤتمر يمكن أن يمتد لعدة أيام، ويشكل منصة لصياغة دستور جديد وبناء القوانين الأساسية، بما في ذلك تجريم الطائفية وتعزيز وحدة الدولة.

سوريا الغد بين التحديات والرهانات

في المحصلة، يبقى تحقيق الاستقلال الحقيقي في سوريا مرهوناً بإعادة بناء الدولة على أسس وطنية جامعة، تضمن مشاركة الجميع وتؤسس لسيادة كاملة. وبين استذكار الجلاء وتحديات الحاضر، تظل "سوريا الغد" مشروعاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحدد ملامحه قدرة السوريين على التوافق وبناء دولة عادلة موحدة.

(م ش)