مخاوف أمنية تعرقل عودة مهجري سري كانيه رغم تسجيل عودات محدودة

تشهد مدينة سري كانيه وريفها حالة من الترقب والحيرة، بين عودة فردية محدودة لبعض الأهالي إلى القرى، وبين انتظار عودة جماعية منظمة بضمانات، في ظل استمرار غياب الأمن وانتشار الوجود العسكري للاحتلال التركي. ويزيد الدمار الواسع ونهب الممتلكات وابتزاز العائدين من عمق مخاوف المهجّرين، ما يجعل قرار العودة محفوفاً بالمخاطر.

مخاوف أمنية تعرقل عودة مهجري سري كانيه رغم تسجيل عودات محدودة
الجمعة 27 آذار, 2026   05:30
الحسكة
ديار أحمد

تسببت الهجمات التي شنّها الاحتلال التركي ومرتزقته على مدينتي سري كانيه، وتل أبيض/كري سبي أواخر عام 2019 في تهجير أكثر من 150 ألف أسرة من المدينتين، نتيجة الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق السكان.

وخلال تلك الفترة، عمد الاحتلال التركي إلى توطين عائلات المرتزقة القادمين من مناطق مختلفة من سوريا في منازل وممتلكات السكان الذين تم تهجيرهم قسراً.

تغيير ديمغرافي وسيطرة تركية

وعلى مدى السنوات الماضية، شهدت مدينة سري كانيه وريفها تغيّراً ديمغرافياً شاسعاً، حيث تراجعت أعداد السكان الأصليين بشكل حاد، في ظل غياب شبه كامل للمكونات الأخرى، بما فيها الشيشان والإيزيديون، بحيث لم يتجاوز عدد الكرد 50 شخصاً والمسيحيون 5 أشخاص.

ووفقاً لرابطة تآزر الحقوقية المعنية بقضايا سري كانيه، فقد أفرغ الاحتلال التركي ومرتزقته 52 قرية كاملة من سكانها، واستولوا على 8,300 ملكية خاصة، إضافة إلى 100 ألف هكتار من الأراضي الزراعية.

كما أنشأ الاحتلال أكثر من 30 قاعدة عسكرية في جغرافية المنطقة، وحوّل عدداً من المدارس ومنازل المدنيين إلى مقرات عسكرية داخل المدينة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ربط المدينة إدارياً بولاية رها (أورفا) في شمال كردستان، واستقدم كوادر إدارية من داخل الأراضي التركية لإدارة شؤونها، في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في البنية الإدارية والديموغرافية للمدينة.

ظروف قاسية للمهجرين وتخوّف يعيق عودتهم

ولا يزال آلاف المهجرين من سري كانيه، يعيشون في ظروف صعبة ضمن مناطق الجزيرة، حيث يتوزعون بشكل رئيس ضمن ثلاث مخيمات هي: مخيم واشو كاني، ومخيم سري كانيه في الحسكة، ومخيم نوروز في ديرك، إلى جانب وجودهم في عشرات المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، ومئات العوائل التي ما تزال تقطن لدى ذويهم، أو في منازل مستأجرة في قامشلو والحسكة.

ومع الحديث عن اتفاقات تنص على عودة آمنة للمهجرين، يستمر وجود الاحتلال التركي ومرتزقته وانتشار القواعد العسكرية، بالإضافة إلى إدارة المدينة بشكل أمني واستخباراتي.

وأكدت لجنة مهجّري سري كانيه/رأس العين في بيان لها، في 25 آذار، أن الواقع الأمني والعسكري والإداري في المدينة وريفها لا يزال غير آمن وغير مستقر، ما يجعل أي عودة فردية أو غير منظمة محفوفة بمخاطر جسيمة ولا تحقق الحد الأدنى من شروط العودة الآمنة والطوعية والكريمة.

وشددت اللجنة على ضرورة توفر ضمانات أمنية وإعادة الحقوق وإنهاء التغيير الديمغرافي وتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، مؤكدة أنه لا عودة حقيقية دون تطبيق هذه الشروط على أرض الواقع.

دمار كبير في قرى سري كانيه وعمليات استفزاز السكان الأصليين

وخلال الأيام الأخيرة، سُجلت عودة محدودة لبعض السكان الأصليين من الكرد والعرب إلى المدينة عبر الطريق الدولي، مروراً بقرية العالية، نتيجة إغلاق الطرق الرئيسة المؤدية إلى سري كانيه من تل تمر وزركان، بعضها للزيارة وأخرى للاطلاع والاستكشاف قبل العودة.

ومع عودة بعض الأهالي إلى منازلهم، تبيّن حجم الدمار الشاسع الذي لحق بالمدينة، إلى جانب تعرّض ممتلكاتهم للنهب من قبل أسر المرتزقة التي استولت عليها. وأفاد أحد العائدين أن الخطر الأكبر يتمثل في انتشار "الفصائل المسلحة"، خصوصاً القادمين من دير الزور ومناطق أخرى، فضلاً عن استمرار وجود جيش الاحتلال التركي هناك، ما يجعل العودة محفوفة بالقلق والخوف.

كما كشف مهجرون آخرون – فضّلوا عدم ذكر أسمائهم لأسباب أمنية – أن الذين يشغلون منازلهم يهددونهم بتدميرها في حال لم يقوموا بدفع مبالغ مالية مقابل إخلائها، في سلوك يعكس حالة من الابتزاز والاستفزاز المستمر.

وأكدوا أيضاً أن العديد من القرى، خاصة تلك التي تمركز فيها جيش الاحتلال التركي ومرتزقته، تعرضت لدمار شبه كامل، حيث لم يتبقَّ منها سوى الجدران، كما حدث في قرية "داودية ملا سلمان"، التي دُمّرت منازلها بشكل واسع خلال إنشاء القواعد العسكرية.

وفي ظل هذه الظروف، لا يزال مهجّرو سري كانيه يأملون بالعودة الآمنة إلى مدينتهم، بعيداً عن المخاطر التي تهدد حياتهم، ومع خروج المستولين على ممتلكاتهم من المنطقة، وفقاً لما تنص عليه بنود الاتفاقات الأخيرة.

وتنص الاتفاقية الموقعة بتاريخ 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، في أحد بنودها، على ضمان العودة الآمنة للمهجّرين إلى ديارهم ومناطقهم وتأمين استعادة ممتلكاتهم.

(أم)

ANHA