12 آذار 2004.. مباراة أرادها البعث فتنة فتحولت لانتفاضة

في 12 آذار 2004 حاول النظام البعثي استغلال مباراة كرة قدم في قامشلو لإشعال فتنة بين الكرد والعرب، لكن ما خُطط له كصدام بين الجماهير تحول سريعاً إلى غضب شعبي واسع خرج إلى شوارع المدينة، ومع إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، اندلعت انتفاضة كردية أصبحت إحدى أبرز المحطات في تاريخ سوريا الحديث.

12 آذار 2004.. مباراة أرادها البعث فتنة فتحولت لانتفاضة
12 آذار 2004.. مباراة أرادها البعث فتنة فتحولت لانتفاضة
12 آذار 2004.. مباراة أرادها البعث فتنة فتحولت لانتفاضة
12 آذار 2004.. مباراة أرادها البعث فتنة فتحولت لانتفاضة
12 آذار 2004.. مباراة أرادها البعث فتنة فتحولت لانتفاضة
الخميس 12 آذار, 2026   05:05
قامشلو
أحمد سمير

في الـ 12 من آذار عام 2004 كان الكرد والعرب أمام مخطط جديد حاكه مسؤولو حزب البعث وأجهزتهم الأمنية القمعية، لخلق شرخ بين الكرد والعرب وتحويل مباراة لكرة القدم بين نادي الجهاد من مدينة قامشلو ونادي الفتوة القادم من دير الزور، حيث تغلغل مندسون بعثيون بين جماهير نادي الفتوة وأطلقوا شعارات استفزازية وهتافات ذات طابع قومي شوفيني، فاندلعت أعمال شغب بين جماهير الناديين، إلا أن ما جرى سرعان ما تجاوز حدود المدرجات، ليتحول إلى انتفاضة عمّت المدن والبلدات والأحياء ذات الغالبية الكردية في كبرى المدن السورية.

ما قبل الأحداث؟

في ساعات الصباح الأولى من يوم الثاني عشر من آذار، فرضت سلطات حزب البعث إجراءات أمنية مشددة حول ملعب قامشلو البلدي – سمي لاحقاً خلال الثورة باسم معلب شهداء 12 آذار-، إذ خضع المشجعون الكرد لتفتيش دقيق ومراقبة صارمة أثناء دخولهم إلى مدرجات الملعب لمشاهدة مباراة الناديين ضمن الدوري السوري لكرة القدم، فيما دخل عدد من مشجعي نادي الفتوة من دون القيود نفسها، يحملون العصي والحجارة.

وقبيل انطلاق المباراة، بدأت التوترات داخل المدرجات عبر إطلاق مندسّي حزب البعث بين جماهير الفتوة للشعارات الاستفزازية المناهضة للكرد وهتافات ذات طابع قومي شوفيني، بعد تأجيج طائفي عقب سقوط نظام حزب البعث العراقي الذي كان يقوده صدام حسين في آذار عام 2003.

أعمال شغب والأمن يطلق الرصاص الحي على المشجعين

ولم يمض وقت طويل حتى تحولت المدرجات إلى ساحة فوضى، رشق مشجعي الفتوة الحجارة باتجاه مشجعي نادي الجهاد، بينما تدخلت الأفرع الأمنية للنظام البعثي بشكل مباشر إلى جانب مشجعي الفتوة وأطلقت الرصاص الحي باتجاه المشجعين الكرد.

خلال ساعات قليلة، خرجت الأحداث من أسوار الملعب إلى شوارع قامشلو، فانتفض آلاف الشبان إلى الساحات مدفوعين بالغضب، وتحولت أزقة وميادين المدينة إلى مسرح للاحتجاجات، وتدخل النظام البعثي بعنف لإخماد وهج الانتفاضة، وأطلق النيران على الحشود، ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشبان الكرد شهداء، ومع انتشار الخبر في المدينة، عمت المظاهرات الغاضبة شوارع المدينة.

انتفاضة واجهها النظام بالحديد والنار واختبرها السوريون لاحقاً

وفي اليوم التالي، بدت قامشلو مدينة مختلفة، نزل آلاف المتظاهرين إلى الشوارع لتشييع شهداء الانتفاضة، وتحولت المظاهرات إلى انتفاضة شعبية غاضبة، وارتفعت الأعلام والرموز الكردية في الساحات، بينما واجه النظام البعثي المتظاهرين بإجراءات مشددة شملت إطلاق النار وهذا ما آثار غضب أبناء الشعب الكردي، لتمتد الانتفاضة إلى مدن وبلدات أخرى في روج آفا، من ديرك إلى عفرين حتى وصلت إلى الأحياء ذات الغالبية الكردية في حلب (الأشرفية والشيخ مقصود) ودمشق (زورافا وركن الدين).

وواجهت سلطات البعث الانتفاضة بالحديد والنار الذي اختبره الشعب السوري لاحقاً خلال سنوات الثورة اعتباراً من عام 2011، ما أدى إلى استشهاد 38 مدنياً وإصابة المئات، بالإضافة إلى اعتقال آلاف الأشخاص وفرض إجراءات أمنية مشددة في المدن الكردية.

تفاصيل لا تُنسى

ولا يزال العم خليل يوسف، والد الشهيد أحمد خليل يوسف الذي استشهد في انتفاضة قامشلو في 12 آذار، يتذكر تفاصيل ذلك اليوم بدقة، رغم مرور 22 عاماً على الانتفاضة التاريخية التي شهدتها المدينة.

ويستذكر العم يوسف تلك اللحظات قائلاً: "كان ذلك يوم الجمعة، 12 آذار 2004، قرابة الساعة الثانية والنصف ظهراً، ابني أحمد كان شاباً حسن الخلق والسلوك، يحب الناس ويحب وطنه، طلب منه شقيقته أن يذهب إلى الحسكة، لكنه رفض وقال إن هناك مباراة بين نادي الجهاد ونادي الفتوة ويريد حضورها. جاء إليّ نجلي أحمد قبل أن يذهب إلى المباراة، وبعد أن ودعني ومشى، التفت نحوي مرتين وكأنه كان يودعني في نظرة الوداع".

ويتابع العم يوسف سرد القصة ويقول: "بعد ذلك توجهت نحو حي السياحي، وهناك التقيت ببعض أقاربي من القرية، وهناك رأيت حافلات تقلّ مشجعي نادي الفتوة، كانوا يهتفون ′بالروح بالدم نفديك يا صدام′، ′نحن أبطالك يا فلوجة′، ويشتمون الشعب الكردي، حينها قلت في نفسي، هؤلاء ليسوا مشجعي كرة قدم، بل عصابات".

ويشير العم يوسف أن أولئك الذين يفترض بأنهم مشجعون لنادي كرة قدم، كانوا يحملون العصي والقضبان الحديدية وحجارة سوداء جلبوها من سكة القطار، ويتجولون في أحياء المدينة بالحافلات وهم يصرخون، مؤكداً أنه أدرك بأن هناك أمراً مدبراً.

وأثناء دخول المشجعين إلى داخل أسوار الملعب، كان المشجعون الكرد يتعرضون لتفتيش شديد على أبواب الملعب من قبل الأجهزة الأمنية حتى أنه منع عليهم إدخال الجرائد وقطع الكرتون التي كان يجلسون عليها إلى داخل أسوار المعلب، بينما سُمح لمشجعي الفتوة بالدخول بسهولة وهم يحملون العصي والحجارة.

ومع ورود أنباء عن اندلاع أعمال شغب في المعلب، هرع العم خليل يوسف كحال العشرات من الآباء والأمهات الذين توجهوا إلى هناك خشية على أولادهم الذين كانوا يتابعون المباراة، ويقول العم يوسف: "هرعت مسرعاً نحو الملعب لأرى ما يحدث، التقيت بابني أحمد هناك وقلت له: "لنعد إلى المنزل". لكنه رفض وقال لي: "لن أعود، هم من بدأوا، لقد رشقونا بالحجارة ويشتمون رموزنا، حتى لو قتلت لن أعود".

وبعد لحظات، بدأ إطلاق الرصاص على الشبان الكرد، وحينها كان العم يوسف في طريق العودة إلى المنزل، ولكنه عاد مجدداً باتجاه الملعب.

ويضيف العم يوسف سرد قصته قائلاً: "أوقفت سائق سيارة أجرة لأستفسر عما جرى، فقال لي إن مصاباً نقل إلى المشفى. عندها شعرت أن المصاب هو ابني، كان محافظ الحسكة قد أعطى الأوامر باستخدام السلاح بشكل مباشر ضد الشعب الكردي".

واللافت للانتباه أن محافظ الحسكة المدعو سليم كبول، كان قد وصل من الحسكة إلى مدينة قامشلو، وهو من أمر بإطلاق الرصاص الحي على المشجعين الكرد.

ونتيجة إطلاق النار، استشهد ثلاثة شبان كرد في اليوم الأول، ويتابع العم يوسف: "توجهت إلى المشفى الوطني القديم، وكان المشهد أشبه بيوم القيامة، هناك رأيت ابني الآخر دجوار مع صديقه محمد، شقيق أحمد الأصغر، حاولوا القفز من جدار المشفى، فأمسك بهم عناصر النظام واعتدوا عليهم بالضرب والتعذيب، تمكن دجوار من الهرب، لكن محمد اعتقل وبقي في السجن لمدة عام".

كان أحمد ابن العم يوسف قد أصيب بطلق ناري، وكان الأب يبحث عن ولده عله يستطيع رؤيته، وأخبره أحد أطباء المشفى الوطني أن ابنه قد نُقل إلى مشفى فرمان، وبصعوبة بالغة استطاع العم يوسف أن يصل إلى المشفى القريب من الملعب البلدي حيث كانت القوى الأمنية قد انتشرت على أسطح الأبنية والمراكز الأمنية هناك ويطلق الرصاص بشكل عشوائي على الأهالي.

كان المشفى مكتظاً بالجرحى والأهالي الباحثين عن أبنائهم في تلك الظروف، وكان الأهالي يسألون عن أسماء أبنائهم، وحينها جاء طبيب فسألوه عن الجرحى والشهداء، فقال إن أحمد خليل يوسف قد استشهد.

في ذلك الوقت وقف العم يوسف دون حراك، لا يعرف ماذا يفعل وأين الجثمان، ويقول: "كان رفاقه قد حملوا جثمانه على الأكتاف وأخرجوه من المشفى وجلبوه إلى المنزل. عناصر النظام البعثي كانوا ظُلاماً بعيدين عن الإنسانية".

ويروي العم يوسف ما رافق تشييع جثامين شهداء اليوم الأول، قائلاً: "حملنا الجثامين من جامع قاسمو، ثم توجهنا لدفن الشهداء في مزار قدوربك، وفي الطريق، أطلقت قوات الأمن النار على المشيعين مرة أخرى، فسقط شهداء وجرحى هناك أيضاً، ما حدث كان ظلماً كبيراً، حتى إن الأهالي كانوا يعالجون أبناءهم الجرحى سراً في القرى خوفاً من الاعتقال".

مخطط لضرب الشعبين الكردي والعربي

عبد الباقي حسين، الإداري السابق في فئتي الشباب والناشئين في نادي الجهاد، كان من بين الشهود الذين تابعوا ما جرى في ملعب 12 آذار في قامشلو عام 2004. وبعد مرور 22 عاماً على الانتفاضة، ما زال يتحدث عنها بوصفها مخططاً لضرب الشعبين الكردي والعربي ببعضهما البعض.

ويستعيد حسين تلك اللحظات ويقول: "كان من المفترض أن يلتقي نادي الجهاد مع نادي الفتوة يوم الجمعة، لكن في يوم الخميس بدأ جمهور نادي الفتوة يتجول في أحياء المدينة بالحافلات، وهم يطلقون شعارات مسيئة وغير لائقة بحق الشعب الكردي".

ويضيف في يوم المباراة، جلس مشجعو الفريقين في المدرجات. كان هناك مكان مخصص عادة لجمهور الفريق الضيف، لكن مشجعي الفتوة اختلطوا مع مشجعي نادي الجهاد على المدرجات. لافتاً أن الإجراءات الأمنية كانت مختلفة في التعامل من جماهير الناديين.

وأشار حسين أن مدير المنطقة لدى النظام البعثي وعناصر الأمن كانوا يتجولون خلال الأحداث مباشرة في أرضية الملعب، وقال: "ثم جاء الأمر من محافظ الحسكة بإطلاق الرصاص على مشجعي نادي الجهاد".

ويؤكد حسين أن عدد جمهور الفتوة الذي جاء إلى المدينة في ذلك اليوم لم يكن طبيعياً، قائلاً: "عادة لا يتجاوز عدد مشجعي الفريق الضيف خمسين شخصاً، لكن في تلك المباراة جاء جمهور الفتوة بأعداد كبيرة".

ويربط حسين ما جرى بالظروف السياسية في تلك الفترة، موضحاً: "في عام 2003 سقط نظام صدام حسين بعد التدخل الأمريكي في العراق، ومنذ ذلك الوقت صبّ بعضهم جام غضبهم على الشعب الكردي، وكأن الكرد هم من أسقطوا صدام".

ويختم حسين شهادته بالقول: "ما جرى لم يكن عفوياً، كان مخططاً له، ما الذي كان يفعله هؤلاء قبل المباراة بيوم وهم يجوبون الأحياء ويطلقون الشعارات ضد الكرد؟ كان النظام البعثي يسعى إلى خلق التناقضات بين مكونات الشعب السوري، وضرب الناس ببعضهم البعض ليطيل عمره في السلطة، وما حدث في ملعب 12 آذار كشف ذلك بوضوح".

انتفاضة في كل مكان

عقب انتشار خبر مقتل مشجعين في مدينة قامشلو، بدأ الكرد في كل مكان بالخروج إلى الساحات والهجوم على مقرات النظام البعثي، وكان أكثرها لفتاً للانتباه في مدينة عامودا، حيث جرى كسر تمثال حافظ الأسد في إحدى الساحات.

وعندما وقعت الهجمات على المشيعين في اليوم الثاني، ازداد غضب الشعب الكردي وانتشرت الانتفاضة في كل المناطق التي يوجد فيها الكرد، حيث خرج أهالي كوباني في الرابع عشر من آذار إلى الشوارع، وفي عفرين وحلب خرج الأهالي في 16 آذار إلى الشوارع، كما وصلت الانتفاضة إلى حي زور آفا في العاصمة دمشق.

ولكن النظام البعثي واجه الانتفاضة بالحديد والنار، ما أدى لارتقاء 38 شهيداً وإصابة المئات، كما بدأ النظام البعثي بحملة اعتقالات واسعة تعرّض خلالها الآلاف من الشبان الكرد للاعتقال، ولا يزال مصير عدد من الشبان حتى الآن مجهولاً.

محاولات خلق الفتنة مستمرة

والآن بعد مرور 22 عاماً على ما جرى، تحاول بعض الأطراف خلق الفتنة بين الكرد والعرب وجرهم للاقتتال فيما بينهم بما يخدم مصالحهم، والهجمات الأخيرة والخطاب الطائفي الذي رافقه خير دليل على ذلك، ولكن شعوب المنطقة استطاعت حتى الآن إفشال هذا المخطط كما أفشلت مساعي النظام البعثي لخلق الاقتتال بين الكرد والعرب.

(ح)

ANHA