صراخ المواطنين في البرد يناقض بيانات المسؤولين الدافئة في حماة

يناقض واقع حال أهالي حماة وريفها الخطابَ الرسمي الذي ينكر وجود أزمة محروقات، في وقت يقف فيه المواطنون لساعات طويلة في طوابير الانتظار، ويُضطرون إلى شراء الأسطوانة من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، ما يعكس فجوة واضحة بين التصريحات والواقع المعيشي.

صراخ المواطنين في البرد يناقض بيانات المسؤولين الدافئة في حماة
الأربعاء 28 كانون الثاني, 2026   06:30
حماة

بينما تتواصل معاناة أهالي حماة وريفها في البحث عن أسطوانة غاز للتدفئة والطهي، تستمر حملة الإنكار الرسمية من فرع المحروقات، ليرتسم مشهد سوريالي: شعبٌ يتجمد في طوابير الذل، ومسؤولون يتدفأون في مكاتبهم بإصدار بيانات وهمية تُنكر وجود الأزمة من أساسها.

الواقع المرير: شهادات من قلب الميدان

لا تحتاج الكارثة إلى تقارير معقدة لقياس عمقها، فكلمات المواطنين البسطاء تختصر المشهد كله. يقول الشاب أحمد هـ، بغضب: "ثلاث ساعات وأنا واقف في هذا البرد، وبعد كل هذا الانتظار يطلبون مني أوراقاً ويخبرونني أن المركز ليس في منطقتي! أين المراكز الأربعون التي يتحدثون عنها؟!".

أما ربة المنزل سمية م، فأوضحت أن "الغاز موجود، ولكن في السوق السوداء.. هناك يمكنك شراؤه بكل (حرية) و(وفرة)، لكن ثمن الحرية والوفرة هو 200 ألف ليرة للأسطوانة!".

ويرمي الموظفون أنفسهم اللوم على شركة "سادكوب"، في حين يقول المواطنون إن أيام البطاقة الذكية، "رغم قسوتها، كانت أكثر تنظيماً من هذه الفوضى والذل، ويبدو أننا عدنا إلى زمن لم نتحرر منه حقاً".

وجه آخر للأزمة: فشل ذريع في الإدارة

لا يقتصر التذمر على المواطنين فحسب، بل يمتد ليشمل العاملين في الحقل نفسه، ما يشير إلى أزمة إدارة وسوء تخطيط في أعلى الهرم. ويخلص الناس بمرارة إلى القول: "من لا يقدر على إدارة مؤسسة حكومية حيوية، فمكانه ليس على كرسي المسؤولية بل خارجها، لقد انتهى زمن الصمت على الفشل".

الرد الرسمي: خطاب منفصل عن الواقع وعن موسم "الخير"

في مواجهة هذه الاستغاثات، يصر فرع المحروقات على خطاب إنكار تام للأزمة، حيث يتهم المسؤولون ناقلي أخبار المعاناة بـ"نشر الشائعات" و"خدمة تجار الأزمات"، وكأن طوابير المواطنين وأسعار السوق السوداء محض خيال.

إحصائيات ورقية لا تُغذي مواقد الناس، إذ يتباهى المسؤولون بأرقام إنتاج يومية (12 ألف أسطوانة منزلية و1500 صناعية) وإحصاءات تعود إلى منتصف 2025 وزيادات وهمية، بينما تبقى الأسطوانات فارغة في البيوت.

ويربط المسؤولون الأزمة، وفق الأهالي، بارتفاع الطلب في "موسم الخير" وارتفاع فاتورة الكهرباء، ويلومون المواطن على حاجته للتدفئة في الشتاء، بدلاً من الاعتراف بعجزهم عن تأمينها.

وفي العودة إلى رفوف الأوراق، يتحدث مسؤولو فرع المحروقات عن "إلغاء البطاقة الذكية" و"تفعيل الرخص"، وهو ما يبقى حبراً على ورق طالما أن النتيجة النهائية للمواطن هي إما انتظار مهين، أو سرقة منقذة في السوق السوداء.

الفجوة تتسع.. والمساءلة غائبة

تشير المعطيات إلى صورة واضحة: فجوة هائلة لا يمكن تجسيرها بين خطاب التضليل الرسمي المليء بالتكذيب والتبرير، وبين واقع مرير يعيشه الناس يومياً. فالأزمة ليست في نقص المادة فقط، بل هي أزمة مصداقية، وأزمة كفاءة، وأزمة مساءلة.

ويرى مراقبون للشأن السوري أن استمرار هذا النمط من التعامل، القائم على إنكار المشكلة ثم تقديم تبريرات ورقية، لا يحل أزمة الغاز، بل يغذي أزمة ثقة ستكون عواقبها أشد، مؤكدين أن الوقت ليس لمزيد من البيانات المطمئنة الفارغة، بل للتحقيق الجاد في مسارات التوزيع، ومحاسبة المقصرين والفاسدين الذين حوّلوا مادة الحياة إلى وسيلة للإذلال والابتزاز.

(أم)

ANHA