إعلام الحكومة المؤقتة.. "الولاء يتقدّم على الكفاءة"

يُخيم على مؤسسات الإعلام التابع للحكومة المؤقتة في سوريا، واقع مرتبك يتسم بتغليب الولاء والمحسوبية على الكفاءة المهنية، وسط إقصاء كوادر ذات خبرة طويلة وتعيين أخرى غير مؤهلة، يصفها مراقبون بالتهديد لاستقلالية الإعلام ويحوله من جهة رقابية إلى أداة تابعة للسلطة السياسية.

إعلام الحكومة المؤقتة.. "الولاء يتقدّم على الكفاءة"
الخميس 8 كانون الثاني, 2026   03:40
حماة

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول مستقبل المهنية والاستقلالية الإعلامية في مرحلة ما بعد النظام البعثي، فُصل 24 شخصاً، بينهم صحفيون وإداريون وفنيون، من صحيفة "الفداء" ومكتبي صحيفتي "الثورة" و"الحرية" في مدينة حماة.

وتأتي هذه الخطوة وفق وصف الحكومة المؤقتة، ضمن عملية إعادة هيكلة وإصلاحية، فيما يرى مراقبون وناشطون أنها تطهير لذوي الخبرة واستبدالهم بكوادر موالية للسلطة تفتقر للخبرة المهنية.

تشير المعلومات الواردة من مصادر مطلعة داخل المؤسسات الصحفية في حماة إلى أن قرار الفصل طال 24 شخصاً، اختلفت مهنهم بين صحفيون ومحررون ومصححون لغويون وحراس، بلغت مدة خدمة العديد منهم نحو عشرين عاماً.

ويرافق عمليات الفصل هذه، وفقاً للمصادر نفسها، حملة تعيينات جديدة لأشخاص موالون ومقربون من الحكومة المؤقتة في سوريا، حيث تم توظيف أفراد دون مؤهلات، ولا يملكون خبرة سابقة في مجال الإعلام أو الصحافة.

وكانت السلطة الجديدة، التي تشكلت بعد سقوط النظام البعثي، أعلنت عن "تفكيك منظومة الفساد" التي خلفها النظام السابق، لكن الممارسات الحالية في مؤسسات إعلام حماة تظهر تناقضاً بين الخطاب الإصلاحي والتطبيق على الأرض، وفق الصحفيين.

مؤكدين أنه بدلاً من بناء مؤسسات على أساس "الكفاءة والحوكمة الرشيدة"، تشير الوقائع إلى استبدال كوادر قديمة، وإن كانت تشكلت في ظل النظام السابق، بأخرى جديدة قائمة على معيار الولاء السياسي والمحسوبية، ما يهدد باختطاف الإصلاح المعلن وإعادة إنتاج أشكال جديدة من الاستئثار بالمؤسسات العامة.

ويرى مراقبون أن استبدال كفاءات مهنية، بغضّ النظر عن تاريخها، بأشخاص دون المؤهل أو الخبرة "يضرب استقلالية الإعلام في مقتل" ويحوّله من أداة لمحاسبة السلطة إلى بوق دعاية لها، كما أن تجاهل الخبرة المتراكمة قد يفاقم أزمة المؤسسات.

كما أثارت تعيينات جديدة في جريدة "الفداء" الصحفية الحكومية في حماة موجة من السخط بين العاملين القدامى في المؤسسة، بعد ظهور فوارق صارخة في الرواتب لا تعكس الخبرة أو المؤهلات العلمية.

الفوارق المالية الصادمة

وفقا لشهادات من داخل الصحيفة، يتقاضى المعينون العاملون الجدد، والذين يوصفون بأنهم بلا خبرة سابقة ومحسوبون على مسؤولين في الحكومة المؤقتة، رواتب تتراوح بين 200 و250 دولاراً شهرياً.

في المقابل، لا يتجاوز راتب الصحفيين المثبتين في الجريدة، والذين تصل خبراتهم إلى 20 عاماً، مبلغ 80 دولاراً شهرياً، وهذا يعني أن الجديد بلا مؤهلات قد يحصل على راتب يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف عن زميله ذي الخبرة الطويلة.

ويشير الصحفي "مهند" إلى ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من الكفاءة المهنية وتجنّب إهدار الرأسمال البشري والتجربة المؤسسية، لضمان عدم انهيار الخدمات العامة، بما فيها الإعلام.

ويؤكد مراقبون للشأن العام في سوريا أن هذه الممارسات تضع الحكومة المؤقتة أمام امتحان عملي صعب، متسائلين: هل ستتمكن من قطع موروث الفساد المؤسسي، أم أنها ستقع في فخ إعادة تدوير آليات المحسوبية والولاء تحت مسميات جديدة؟ مشيرين إلى أن الإجابة ستحدد ليس فقط مصير القطاع الإعلامي، بل أيضاً مستقبل الانتقال المؤسسي في سوريا ككل.

(أم)

ANHA