أيّ اندماج؟

أصبح مفهوم الاندماج مؤخراً محوراً رئيساً على جدول الأعمال في سوريا وتركيا، غير أن وجهة نظر السلطة وموقفها منه يختلفان عن وجهة نظر الأطراف الديمقراطية المؤيدة للسلام وموقفها، مما يزيد من أهمية تسليط الضوء على مصدر هذا المفهوم وتعريفه وأساليب تطبيقه.

أيّ اندماج؟
أيّ اندماج؟
أيّ اندماج؟
أيّ اندماج؟
أيّ اندماج؟
أيّ اندماج؟
أيّ اندماج؟
السبت 27 كانون الأول, 2025   02:30
مركز الأخبار
روكر روجيان

يبدأ النظام الرأسمالي فهمه من اللغة، ومن ثمّ ينشره في المجتمع، وتُعدّ تعريفات المفاهيم جزءاً من هذا الفهم، وقد تغيّرت معاني المفاهيم في الغالب تبعاً للأفكار، ما أدى إلى اشتقاق معانٍ مختلفة من المفهوم نفسه، حيث يختار كل طرف المعنى الذي يريده. 

أصبح مفهوم "الاندماج" مؤخراً قضية رئيسة على جدول الأعمال في كل من سوريا وتركيا وكردستان، وقد تعمّقت النقاشات حوله، لا سيما بعد نداء السلام والمجتمع الديمقراطي، الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان في الـ 27 من شباط الماضي. 

وقال القائد عبد الله أوجلان في كلمته المصوّرة في الـ 9 من تموز الماضي: "إنّ تحمّل الجميع للمسؤولية وتحقيق هدف السلام والمجتمع الديمقراطي لا يتحقّق إلّا بتبنّي منظور اندماجي إيجابي".

بعد هذه الدعوات، أصبحت التقييمات والمناقشات حول أساليب الاندماج الموضوع الرئيس على جدول أعمال كل من تركيا وسوريا والعراق وإيران، لا سيما في تركيا وسوريا، وتصف الأطراف الحاكمة هذا المفهوم بأنّه الانصهار بالنظام أو الانحلال فيه، وفي المقابل، تعدّه الأطراف الديمقراطية والمؤيدة للسلام مصالحة بين مختلف الأطراف على أساس المساواة.

وتصرّ السلطة التركية على فرض نهج الانحلال في سوريا وتركيا، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات وتصاعد الصراعات والتهديدات. 

العملية والمفاهيم الأساسية الثلاثة

أوضح القائد عبد الله أوجلان في لقائه في الـ 28 من آب الماضي، أنّ العملية ستسير وفق ثلاثة مفاهيم أساسية، وهي: "المجتمع الديمقراطي" و"السلام" و"الاندماج".

ونظراً لأهمية هذه القضية، فقد بحثنا في مفهوم الاندماج بشكلٍ مفصّل، وجمعنا تعريفاته وأمثلة على تطبيقاته.

تعريفات مختلفة للاندماج

فُسّر مصطلح الاندماج، الذي استُخدم لحل هذه القضية، بشكلٍ مختلف من قبل جهاتٍ عديدة، فقد استخدمه البعض بمعنى "الانصهار والانحلال داخل الدولة وإعادة الهيكلة والتنظيم في إطار الدولة"، ووفقاً لهم؛ تتخلّى الجماعات ذات الهويات المختلفة عن ثقافتها وهويتها وتنصهر في النظام، بعبارة أخرى، الاندماج هو ملاءمة الجهة المهيمنة، بينما تعرّفه جهات أخرى بأنّه التوفيق أو المصالحة بين المكونات المختلفة، وهذه الاختلافات تشمل الهوية والثقافة واللغة والمعتقد وغيرها، أي تحقيق التوافق مع حفاظ هذه المكونات على جوهرها وخصوصياتها.

بحسب علم أصول الكلمات فإنّ كلمة "الاندماج" مشتقّة من اللغة اللاتينية، وتحديداً من كلمة "înteger" التي تعني "الشيء الذي لم يُمس"، أي التام والكامل، لاحقاً، استُخدمت الكلمة في اللغة الفرنسية بمعنى "الاندماج" وأُضيف إليها معنى "التوحيد" وانتشر المعنى نفسه في مجتمعات ولغات أخرى.

ومع التطورات، انقسم هذا المفهوم إلى مسميات مختلفة بحسب المواضيع، منها الاندماج الاجتماعي والثقافي، والاندماج السياسي، والاندماج الاقتصادي والاندماج التقني والتكنولوجي، وتشمل هذه المسميات أنواعاً عديدة من الاندماج، أمّا بالمعنى الضيق، فيُعرَّف الاندماج بأنّه اتفاق أو توحيد أو وحدة بين المكونات المختلفة.

ويعني الاندماج الاجتماعي والثقافي، دمج جميع مكونات المجتمع في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ووفقاً لهذا التعريف، يتطلّب ذلك مساراً طويل الأمد، ومن الأمثلة على الاندماج السياسي الاتحاد الأوروبي، حيث يحافظ كل مكون في أوروبا على استقلاله.

أما الاندماج الاقتصادي، فيُعرَّف أيضاً بصيغ مختلفة، وتُعدّ وحدة الشركات التجارية في السوق إحداها، كما يُوصف الاقتصاد الاجتماعي والنظام التعاوني كذلك بأنهما شكلان من أشكال هذا الاندماج، أمّا الاندماج التقني أو التكنولوجي فيُعرّف بأنّه إقامة علاقات بين الهياكل التقنية.

وتمّ تعريف أنواع الاندماج؛ الإداريّة والإقليميّة والرياضيّة والوراثية، على أساس الوحدة بين المكونات المختلفة.

تعريف القائد عبد الله أوجلان

يُعرّف القائد عبد الله أوجلان، الذي أطلق هذه العملية بمانيفيستو السلام والمجتمع الديمقراطي، الاندماج على النحو التالي: "يعبّر الاندماج عن المصالحة والتوفيق بين المجتمع الديمقراطي والدولة القومية، هذا هو التعريف الأدق والأصح، فالمجتمع لا يُنظّم نفسه كدولة ولا يربط نفسه بدولة أخرى، بل يندمج مع جمهورية ديمقراطية بصفته مجتمع ديمقراطي، ويشمل الاندماج المساواة، ويتحقّق من خلال التفاوض الديمقراطي، إذ يُعدّ التفاوض الديمقراطي شرطاً أساسياً للاندماج، فهو يحقق المصالحة والتوفيق بين المجتمع الديمقراطي والدولة القومية".

وبحسب النقاشات الفلسفية، يقوم الاندماج الديمقراطي أو الإيجابي على الجدلية (الديالكتيك)، فعندما يصب النهر في البحر، لا يختفي، كما تجري المياه العذبة والمالحة معاً دون أن تختلطا، حيث تحافظ كلّ منها على طبيعتها، لتخلقان مع الوقت توازناً بيئياً جديداً، إنّ اندماج النهر لا يعني انحلاله في البحر قط، فالتغيير عملية ثنائية الاتجاه.

ويُعدّ الاندماج الآن القضية الرئيسة في أجزاء كردستان الأربعة وتركيا وسوريا، وتدور حولها نقاشات حادة، حيث يسعى الكرد إلى بناء مجتمع ديمقراطي وحياة سلمية مع باقي المكونات، مع الحفاظ على وجودهم واستقلالهم الذاتي، إلّا أنّ سلطات هذه الدول لا تزال تصرّ على الانصهار والحل.

(ر)

ANHA