عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة

مرّ على استشهاد زميلتنا الصحفية جيهان بلكين ورفيقنا الصحفي ناظم داشتان عام، في تلك الأيام، كان أعداء الإنسانية يسعون إلى تدمير كل إنجازات الشعوب، لكنهما غيّرا مجرى الأحداث بالمقاطع والصور التي التقطاها تحت القصف، فخلّدا اسميهما في العالم.

عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة
عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة
عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة
عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة
عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة
عام على استشهاد جيهان وناظم.. أسماء خالدة في ذاكرة الصحافة
الخميس 18 كانون الأول, 2025   06:30
مركز الأخبار
بريتان إيرلان

جيهان بلكين وناظم داشتان؛ كلاهما بنت وابن هذه الأرض التي شكّلت مهد الإنسانية وشهدت شتى أنواع المعاناة والألم، تنحدر جيهان من ناحية مدياد بمدينة ميردين في شمال كردستان (مواليد 26 تشرين الأول عام 1996)، وينحدر ناظم من ناحية جهادين بمدينة أكري في شمال كردستان (مواليد 27 آب عام 1992).

لقد ولد كلاهما في عالم يسوده الإنكار والتدمير، ما حدّد خياراتهما الحياتية منذ البداية، اختارت جيهان النضال من أجل حقوق الإنسان سعياً لتحقيق العدالة، فالتحقت بكلية الحقوق في جامعة دجلة بمدينة آمد بشمال كردستان، لكن هذا الطريق أُغلق أمامها وشهدت العديد من الأحداث، فلجأت إلى مجال الإعلام لتوثيق ونقل هذه الأفعال. 

أمضى ناظم حياته في كشف الحقيقة، فقد درس في قسم الإذاعة والتلفزيون والسينما بكلية الإعلام في جامعة ديلوك (2011)، وانخرط خلال دراسته في أنشطة الإعلام الحر، وقد تخرّج من الجامعة، لكنّه لم يتسلّم شهادته بسبب ضغوط الدولة.

بدأت مسيرة جيهان بتوزيع الصحف

بدأت رفيقتنا جيهان مسيرتها في البحث عن الحقيقة في مدينة آمد عام 2014، حيث كانت تقوم بتوزيع صحف الإعلام الحر (حرية الوطن وأوزغور غوندم)، وكانت جيهان تطمح إلى فهم الصحافة بعمق، ونقل واقع المنطقة ونضال شعبها من أجل الحرية، وفي هذا السياق، واجهت جيهان ضغوطاً كبيرة من الدولة، ورُفعت ضدها دعاوى قضائية.

ومع اندلاع ثورة الشعوب في روج آفا وشمال وشرق سوريا، وانتشار صداها واسعاً، تأثّرت جيهان بها بشدة ورغبت في أن تكون جزءاً من نقل هذه الثورة، فتوجّهت إلى روج آفا عام 2017.

ناظم والبحث عن الحقيقة نفسها في أماكن مختلفة

انضمّ رفيقنا ناظم إلى مسيرة الإعلام الحر في مدينة ديلوك (عنتاب) عام 2012، كمراسل لوكالة دجلة للأنباء (DÎHA)، وكان ذاك العام حافلاً بتطورات هامة في كل من شمال كردستان وغربها (باكور وروج آفا)، ففي شمال كردستان؛ كانت هناك لقاءات مع القائد عبد الله أوجلان ومحاولات للحل، وفي روج آفا، انطلقت ثورة 19 تموز وبدأت الانتشار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان أعداء الإنسانية يواصلون عدوانهم، ثمّ ظهروا هذه المرّة باسم داعش، وكانت هذه الأحداث أبرز القضايا التي تشغل ناظم.

وعندما هاجم داعش مدينة كوباني عام 2014، توجّه ناظم إلى هذه المنطقة وعمل على نقل الحقائق، وعندما بدأت انتفاضة الإدارة الذاتية في شمال كردستان عام 2015، خرج إلينا رفيقنا ناظم هذه المرّة من ناحية سلوبي بشرنخ في شمال كردستان.

بعد سلوبي، عادت قضية داعش لتصبح محور اهتمامه من جديد، فاعتُقل بسبب خبر أعدّه حول العلاقة بين تركيا وداعش (2016)، وأفرج عنه بعد 5 أشهر وعاد إلى روج آفا، وكان ناظم حاضراً أثناء هجوم الدولة التركية ومرتزقتها على عفرين.

كشف ناظم للعالم بعدسته الوجه الحقيقي للمحتلين، فقد حازت صورة التقطها توثيقاً لمجزرة بحق 21 مدنياً على جائزة في الدورة الـ 26 من مسابقة موسى عنتر وشهداء الإعلام للصحافة، وأصبح ناظم مرآة للحقيقة في الرقة والطبقة والعديد من المناطق في روج آفا.

كما أصبح كاظم صوت أهالي شنكال، فمن خلال الفيلم الوثائقي "73" وقصة "هفال براكو (Heval Birako)" التي حوّلها كومين فيلم روج آفا لاحقاً إلى فيلم، نقل كاظم الواقع في شنكال إلى العالم.

جيهان: أردتُ أن يكون لي دورٌ فيها

بدأت رفيقتنا جيهان، التي انتقلت إلى روج آفا عام 2017، العمل كمراسلة في وكالتنا (وكالة أنباء هاوار)، وقد أوضحت سبب قدومها إلى روج آفا، قائلةً: "لم أستطع تجاهل صوت ضميري، أردتُ أن أنقل الثورة إلى العالم وأن يكون لي دورٌ فيها، إنّ شعبنا يدعمنا، لذا أردتُ أن أظهر في كل مكان عملنا فيه، أنّ هذا الشعب ليس وحده".

وأحيت جيهان سبب قدومها إلى المنطقة عبر أخبارها وملفاتها وبرامجها، من الرقة إلى تل تمر وعين عيسى والطبقة والهول ومن تربه سبيه إلى قامشلو وديرك والحسكة، حتى 19 كانون الأول عام 2024.

كان كل من ناظم وجيهان هناك

تردّد صدى صوت رفيقتنا جيهان ورفيقنا ناظم اللذين عملا معاً في مناطق عديدة، مجدداً نهاية عام 2024.

ففي الـ 27 من تشرين الثاني عام 2024، هاجمت هيئة تحرير الشام مدينة حلب وطردت قوات نظام البعث منها، وبحلول 8 كانون الأول من العام نفسه سقط نظام البعث، ووصلت "هيئة تحرير الشام" إلى دمشق.

في غضون ذلك، هاجمت دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها منطقة الشهباء في 1 كانون الأول؛ ما أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من الأهالي، وفي 8 كانون الأول من العام ذاته؛ هاجم المرتزقة بدعم من الدولة التركية مركز مدينة منبج.

بالتزامن مع الهجمات، شنّت وسائل الإعلام التركية حملة دعائية نفسية، حيث بثّت على قنواتها التلفزيونية تصريحات من قبيل: "سيصلون إلى ديرك خلال يومين".

كانت الدولة التركية تشن حرباً عسكرية ونفسية، لكن في المقابل، كانت الحقيقة ثابتة لا تتغير، فقد كانت قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة تخوضان مقاومة تاريخية، ولهذا، لجأت الدولة التركية هذه المرّة إلى استهداف الموارد الحيوية، وأهمها سد تشرين.

في ظلّ هذه الظروف، كان العاملون في مجال الإعلام الحر وكعادتهم يؤدون واجبهم التاريخي في كشف الحقائق، ومجدداً كانت جيهان وناظم في المقدمة (8 كانون الأول). 

ركّزت المرتزقة هجماتها على جسر قرقوزاق، الذي يربط الطريق الدولي (M4) بين ضفتي نهر الفرات الشرقية والغربية، وسد تشرين، الذي يلبي معظم احتياجات المنطقة من الكهرباء، لذا ركّزت رفيقتنا جيهان ورفيقنا ناظم في عملهما على تغطية الأحداث في هاتين المنطقتين من كثب.

أعلنت هيئة الطاقة في شمال وشرق سوريا في الـ 10 من كانون الأول عام 2024، عن خروج سد تشرين عن الخدمة بسبب الهجمات، وانقطاع الكهرباء والمياه عن مقاطعة الفرات، بعد هذا البيان، نشطت جيهان وناظم بين جسر قرقوزاق وسد تشرين، ولفتا أنظار العالم أجمع إلى المنطقة بالصور والمشاهد التي التقطاها.

في ذلك اليوم

كشفت رفيقتنا جيهان ومعها رفيقنا ناظم الوجه الحقيقي للحرب الخاصة، فلفتا بذلك أنظار الأعداء المتوحشين أيضاً، فعندما تعرّض سد تشرين للهجوم من 3 محاور في الـ 19 من كانون الأول عام 2024، سارع ناظم وجيهان إلى التوجّه إلى السد، ونقل الصحفيان للعالم بالفيديوهات والمشاهد التي صوراها آثار الهجمات والأضرار الناجمة عنها.

أرسل رفيقانا أخبارهما ومقاطعهما المصورة المتعلقة بالموضوع إلى مقرّي مؤسستيهما في الساعة 12.12، وغادرا المنطقة عائدين إلى مواقعهما، فانقطع الاتصال معهما في الساعة 12.15، لترد قرابة الساعة 16.00 معلومات تفيد بتعرض سيارة للقصف بطائرة مسيّرة بين سد تشرين ومدينة صرين، وبحسب المعلومات التي قدمتها القوات الأمنية، تبيّن أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 15.20، وأنّ السيارة المستهدفة كانت تقلّ رفيقنا ناظم ورفيقتنا جيهان، وأسفر الهجوم عن استشهاد رفيقنا ورفيقتنا وإصابة السائق.

العنف الممارس بحق جثماني الشهيدين وعائلتيهما

في الـ 6 من كانون الثاني عام 2025، أُقيمت في مزار الشهيد دليل ساروخان في مدينة قامشلو بمقاطعة الجزيرة بشمال وشرق سوريا، مراسم تشييع 5 شهداء بينهم جيهان وناظم، وبقي جثمانا الشهيد ناظم والشهيدة جيهان في مشرحة قامشلو لنقلهما إلى شمال كردستان. 

وفي اليوم نفسه، حاول وفدٌ مؤلفٌ من النائب في البرلمان التركي عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في ميردين، كاموران تانهان ومنظمات حقوقية وعائلتي الصحفيين ناظم داشتان وجيهان بلكين، التوجه إلى جنوب كردستان لاستلام جثماني الشهيدين، إلّا أنّ الدولة التركية عرقلت الوفد، فعلق في معبر خابور حتى الـ 9 من كانون الثاني، ومنعت الدولة التركية نقل الجثمانين على الرغم من الجهود القانونية والضغوط الشعبية. 

ووري جثمان الشهيدة جيهان بلكين وجثمان الشهيد ناظم داشتان الثرى في مزار الشهيد دليل ساروخان في الـ 11 من كانون الثاني من الماضي، وتعهّد زملاؤهما خلال مراسم تشييعهما بالسير على خطاهما.

عام معهما

أثار استشهاد رفيقينا موجة غضب عارمة في كردستان والشرق الأوسط والعالم وإدانة لعقلية الدولة التركية.

وتحوّل سد تشرين، إلى جانب المقاومة العظيمة للمقاتلين، إلى ساحة للغضب الشعبي، وتابع الصحفيون من جميع أنحاء العالم الوضع من كثب، وتردد اسما ناظم داشتان وجيهان بلكين في كل خبر وبرنامج وتحليل صحفي وكذلك في كل فعالية شعبية.

ونقل الصحفيون الحقيقة للعالم رافعين راية رفيقينا من جهة، وسخّرت الأحزاب والمنظمات والمؤسسات ووسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان جهودها لمحاسبة المسؤولين عن الهجوم، من جهة أخرى.

المواقف وردود الفعل

أجرت المنظمة السورية لحقوق الإنسان ولجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا (UN Comission of Inquiry on Syria)، تحقيقاً بشأن استهداف رفيقنا ناظم ورفيقتنا جيهان وأعدّتا تقارير بهذا الشأن. 

وخلال الفترة الممتدة بين العشرين والرابع والعشرين من كانون الأول من العام الماضي (2024)، أُدين استهداف جيهان وناظم في كردستان وتركيا والشرق الأوسط والعالم عبر بيانات وفعاليات متنوعة.

وفي شمال كردستان وتركيا، أصدرت جمعية صحفيي دجلة والفرات (DFC)، ولجنة الإدارة المركزية لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، ونقابة الإعلام التابعة لاتحاد نقابات العمال الثورية (DÎSK)، وجمعية صحفيات ميزوبوتاميا (MKG)، وجمعية أبحاث الإعلام والقانون (MLSA)، وجمعية محامون من أجل الحرية (OHD)، وحزب الأقاليم الديمقراطية (DBP)، وحركة المرأة الحرة (TJA)، ونقابة عمال الصحة والخدمات الاجتماعية (SES)، ونقابات المحامين في مدن كردستان وتركيا بيانات تدين وتطالب بمحاسبة القتلة.

بالإضافة إلى ذلك، وخلال الاحتجاجات وفعاليات الإدانة في إسطنبول ووان، قامت الشرطة بالاعتداء على الصحفيين والسياسيين، واعتُقل 7 صحفيين في إسطنبول و10 صحفيين والعديد من السياسيين في وان، كما رُفعت دعوى قضائية لدى نقابة المحامين في إسطنبول.

وفي خارج حدود شمال كردستان وتركيا، أدانت كلٌ من المنسقية العامة لاتحاد الإعلام الديمقراطي (YRD)، ودائرة الإعلام في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، وتحالف النساء في الصحافة (CFWIJ)، والصحفيون الإيزيديون في شنكال، واتحاد صحفيات كردستان (ROJIN)، ومؤتمر ستار، وطلبة معهد الإعلام بجامعة روج آفا، ووكالة (ZEWA) للأنباء، والأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، ومنظمة القلم الدولية الهجوم وطالبوا بمحاسبة الجناة.

وشددت منظمة العفو الدولية في الـ 31 من كانون الأول من العام الماضي على أنّه: "يجب التحقيق في الانتهاكات بحق الصحفيين".

وفي الـ 3 من كانون الثاني الماضي، أشار المعهد الدولي للصحافة (International Press Institute-IPI) إلى استهداف ناظم وجيهان وانتهاكات الدولة التركية بحق الصحفيين.

بعد ردود الفعل هذه، اضطرت الدولة التركية إلى الإدلاء ببيان حول الموضوع، فادّعت أنّ جيهان وناظم ليسا صحفيين ووصفتهما بـ "الإرهابيين" لكن لم يصدق أحد هذه البيانات.

رفض حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية التحقيق

في الـ 23 من كانون الأول من العام الماضي، قدّمت النائبة عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، ديلان كونت آيان مقترحاً إلى البرلمان التركي، لتشكيل لجنة للتحقيق في استهداف الصحفيين، لكن المقترح رُفض من قبل حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

بصمة نضالهما

أصدرت فرقة أمارا التابعة لحركة هلال زيرين، استذكاراً للصحفيين، في نيسان الماضي، أغنية بعنوان "أوراق الحياة (Pelên Jiyanê)".

وفي الـ 26 من أيار الماضي، أصدرت حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية (TEV-ÇAND)، استذكاراً للشهيدة جيهان بلكين والشهيد ناظم داشتان، كليباً بعنوان "وداعاً (Oxir be)".

وفي الـ 26 من أيار الماضي، افتُتح في إطار فعاليات مهرجان نوجيان لأفلام المرأة الذي أُقيم في مدينة قامشلو، معرض لصور ومشاهد المرأة باسم جيهان بلكين.

وفي الـ ٣٠ من تشرين الأول، رسمت الرسامة جوانا أوسي صورة جيهان بلكين وأطلقت على اللوحة اسم "ابتسامة النصر".

في الـ ٢٠ من أيلول الماضي، وخلال حفل مسابقة موسى عنتر وشهداء الإعلام الحر للصحافة بدورتها الـ ٣٢، مُنح ناظم داشتان وجيهان بلكين جائزة فخرية.

وفي الـ ٨ من تشرين الثاني الماضي، عقد اتحاد إعلام المرأة كونفرانسه الرابع وأهدته لجيهان بلكين.

وفي الأول من كانون الأول الجاري، أطلقت أكاديمية الاقتصاد المجتمعي في إقليم شمال وشرق سوريا، دورة تدريبية باسم جيهان بلكين.

(ر)

ANHA